كلمة الرئيس

دروس من مرض الرئيس…!/الدكتور عبد الرزاق قسوم

DOCTEUR GUESSOUMليس من باب التلبيس، ولا من سوء التسييس محاولة الحديث من جديد عن مرض الرئيس. كما أنّه ليس من التدليس، الخوض مع الخائضين، والجزم بصحة الرئيس.

 

لقد سبق وأن كتبنا في غير ما مناسبة، أنّ الرئيس في أيّة دولة هو ملك عام، يتجاوز الحق الأسري، والحق الجهوي، ليكون حق الأمة بكاملها، ومن هنا جاز، بل وجب على كلّ مواطن أن يهتم بصحة الرئيس وبمرضه، فصحته ومرضه تنعكسان إيجابا أو سلبا على صحة الأمة بكاملها.

 

لذلك وجب إخضاع التجربة القاسية التي مرّت بها الجزائر أخيرًا بسبب مرض الرئيس إلى التحليل العلمي، الموضوعي، والواقعي، واستخلاص ما يجب استخلاصه من دروس ومعان. فما هي –إذن- أهّم الدروس التي يمكن استخلاصها من مرض الرئيس، وبالرؤية الوطنية المتعالية عن أيّ انتماء حزبي متعصب أو عن أي حساب مصلحي متقلب؟.

 

إنّنا من موقع المصلحة الوطنية العليا التي تستمد من الإسلام رؤيتها، ومن المصير الوطني نظرتها، وانطلاقا من الموقع الذي تتبوؤه جمعية العلماء التي تعلو عن أي حساب حزبي مجروح أو عن أيّ تنافس سياسي مطروح.

 

يمكن القول –إذن- وفي ضوء ما تقدّم أنّ من الدروس المستفادة من تجربة المرض الرئاسي وهي كثيرة، يمكن التوقف عند الدروس التالية:

 

1.   الحقيقة الإنسانية التي ترتبط بالسنة الإلهية، وهي أنّ الصحة والمرض مثل الحياة والموت حالتان إنسانيتان تتعاقبان على كلّ إنسان أيًا كان موقعه في المجتمع، وأيًا كانت بنيته، وكنيته، وسحنته، وشحنته. إنّها حقائق يذكرنا بها القرآن في قوله: {وخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفَا} وقوله تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} كما أنّها الحقائق التي تذكرنا بها أدبياتنا العربية في أكثر من مناسبة، من ذلك قول حافظ إبراهيم في قصيدته الرائعة في رثاء الزعيم سعد زغلول ومنها قوله:

 

والمقادير أن رمت لا تبالي       أرؤوسا تصيب أم أذنابا

 

وقول الشاعر الأندلسي ابن الخطيب في رثاء نفسه:

 

وكنا عظاما فصرنا عظاما     وكنا نقوت وها نحن قوت

 

2.   أنّ حياة أو موت الأمة لا ترتبط بحياة أو موت شخص… فسنن الله جارية في الكون، ودواليب الحياة لا بد أن تستمر. إنّها حقيقة يذكرنا بها الأدب النبوي في موت ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: “إنّ الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تنكسفان بموت أحد، ولا تظهران بحياته”.

 

إنها حقيقة ذكرنا بها الخليفة الأول أبو بكر الصديق عند موت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: “أيّها الناس من كان منكم يعبد محمدًا فإنّ محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله، فإنّ الله حيّ لا يموت، وتلا قول الله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً}

 

3.    أن الفراغ الدستوري الذي تجلى بمناسبة مرض الرئيس، قد أربك الجميع ومن ذلك عدم وجود نائب للرئيس، يتولى شؤون الدولة أثناء مرضه، ويتعامل مع المرض، ومع الرأي العام بكل وضوح وشفافية، وهو ما من شأنه أن يقضي على “معلومة الرصيف” Radio Trottoir والتي غالبا ما تخضع لصياغة المغرضين أو الجاهلين بحقائق الأمور فتخرج المعلومات المتشائمة والمتضاربة في كلّ وقت وحين.

 

4.   ربط مصير الأمة بمصير الشخص الواحد، بحيث يحكم بالعقم على الأمة في عدم وجود المؤهلين لتولي المسؤولية في الأمة، وهو حكم جزافي قاتل، يدين الأمة أولا ويدين النظام الحاكم لكونه لم يكوّن الساسة والمثقفين الأكفاء لتولي المسؤولية، ولعل هذا ما ترك الباب مفتوحا أمام كلّ التكهنات والتأويلات.

 

وإذا كان شاعر الإصلاح الجزائري محمد العيد آل خليفة قد حسم مثل هذا التصور الضيق في عهد الأربعينات بمناسبة موت إمام الأمّة عبد الحميد ابن باديس فرثاه بقوله:

 

لا تخش ضيعة ما تركت لنا سدى       فالوارثون لما تركت كثير

 

  إذا كان هذا صالحا في عهد الاستعمار المظلم، فما بالك بعهد الاستقلال الذي فتحت فيه الجامعات وكثرت فيه المؤسسات وتعددت التنظيمات والحزبيات؟.

 

5.    إنّ دستور الأمة هو من الثوابت التي يتحقق الإجماع الوطني حولها فلا ينبغي أن يتحول إلى قطعة قماش تفصل على المقاس طولا وعرضا، ويحسم فيها النواب وحدهم، بل إن كل تعديل للدستور يجب أن يشترك في صياغته النزهاء والأكفاء، المشهود بنزاهتهم وحياديتهم وانتمائهم الوطني العميق، ثم يعرض عملهم على استفتاء شعبي يحدد العهدة، ويمدد أو يقلص المدة، وينقذ الحاكم والمحكوم عند الشدة.

 

6.   يجب إعادة النظر في القوانين المؤسسة للتشكيلات الحزبية، وإحاطتها بكل الضمانات الدستورية المطلوبة. إنّ مثل هذه الضمانات من شأنها أن تعيد للأحزاب استقلالية تأسيسها، وحرية تولية قيادتها ونزاهة ذمة مواقفها وماليتها.

 

نريد لأحزابنا أن تتخلص من عكاظية السياسة، وتتحرر من بيع الذمة في المزاد السياسي، وأن لا يكون لها من وازع يحكمها إلا الوازع الوطني والوازع الخلقي.

 

هذه إذن عينات من المشاهد السياسية التي كشف عنها مرض الرئيس وقد عرّت الواقع السياسي كصورة فاضحة، وربّ ضارّة نافعة، ولكننا ونحن ندعو الله أن يمنّ على الرئيس بالشفاء، نرفع أكف الضراعة أن يمنّ على أمتنا بالشفاء الكامل مما عانته وتعانيه، فتستعيد صحتها السياسية، وصحتها الاقتصادية، وصحتها الثقافية، وصحتها الاجتماعية، فالأمة السليمة تصنع الرئيس السليم والرئيس القوي يسهم في بناء الأمة القوية.

 

وكم تحتاج جزائرنا اليوم إلى رئيس قوّي، وإلى أمّة قوّية ينعم الجميع فيها بكامل أنواع الصحة وفي جميع مجالات الحياة.

 

إنّ الله كفيل بتحقيق ذلك، إنْ أبدى الشعب الأسباب لذلك وإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق