كلمة الرئيس

الليبيون وشِقْوَتُهم/الدكتور عبد الرزاق قسوم

DOCTEUR-GUESSOUMبين الجزائر وليبيا، من أواصر الأخوة، ما لا يعلم كنهها إلا الله والراسخون في التاريخ. فقد ربطت بينهما جوارية الحدود، وأصالية الجدود، ومثالية العهود. ذلك أن طيبة الإنسان في البلدين، ونقاوة نبع المعدنيين قد أضفت، على علاقات الشعبين، عبر كل مراحل التاريخ، صبغة من التضامن والتعاون والتعايش، ما يؤهلها لأن تكون نموذجا يقتدى من الأشقاء.

 

 إن الموقف التضامني الذي وقفته ليبيا الشقيقة، شعبا وحكومة، مع الجزائر المجاهدة هو مضرب مثل في كل شيء. فقد كانت أرضها لسلاحنا ممرا، وموطنها لمجاهدينا مقرا، ومالها، وحلي نسائها لدعم جهادنا ليس سرا.

 

وكانت مواقف الجزائر مع ليبيا في البأساء والضراء، دون منّ، مواقف يشهد بها الجميع.

 

من وحي عراقة هذه الأواصر، وقدسية هذه العلاقات، يحق لنا كجزائريين أن نهتم بالشأن الليبي، وهو يعاني اليوم مرحلة جزر، استُبِحت فيها عراقة سيادته، وصلابة وحدته، وغلاوة دماء بني جلدته.

 

عبث الأشرار، وهم قلة، بما حققه الأخيار وهم كثرة، في ليبيا، فأريق دم الأطهار والأغرار، واستبيحت سيادة الديار، وعم القتل، والاختطاف باسم الثأر، فيا للعار!

 

سطت عصابات، على الإرادة الشعبية الليبية، باسم السلاح، فعاثت فساد في أرضها، وسفكت دماء شعبها. هاهي العصابات المسلحة، تسرح وتمرح في كامل أرجاء ليبيا، ولا من رادع يردعها، ولا من زاجر يزجرها.

 

حوّل هؤلاء المتوحشون أرض ليبيا إلى غابة أدغال، لا قانون يحكمها، ولا دولة تحميها، وها هم من يعلنون بَرْقَة دولة مستقلة وعاصمتها بنغازي، والدور على أقاليم ليبية أخرى. وها هي المخابرات الأجنبية المسلحة، مطلقة اليد تعتقل، وفي وضح النهار، من تشاء، من الليبيين، ولا راد لها عن فعلتها الدنيئة، ولا قاهر لها عن عدوانيتها الخسيسة. وتواطؤ العصابات مع الغدر والعدوان، عن قصد أو عن غباء، فتقتل الأبرياء بعد خروجهم من المسجد، وتختطف الشرفاء، وهم يتجولون في أرضهم برآء، ويتم اختطاف رئيس حكومة ليبيا، وهو المفروض أن يحمي شعبه، فعجز عن حماية نفسه. فما هذا الذي يحدث حقا في ليبيا.

 

فيا أشقاءنا في ليبيا، لقد شوهتم وحي كل شيء، في هذا البلد الآمن، الطيب، المطمئن. حولتم ما أطلقتم عليه اسم الربيع العربي، حولتموه إلى صيف حار يحرق الأخضر واليابس، وإلى خريف سقط أوراق أشجاره في كل آن وحين، بل جعلتم من هذا الربيع شتاء، وصقيعا، لا مكان فيه لأي دفء إنساني… أفهذا ما كنتم تحلمون به؟

 

لقد عجزتم، عن تحويل الوهم الذي كان يحكمكم، باسم “الجماهيرية العظمى”، عجزتم  عن تحويل ذلك “دولة عظيمة” ينعم فيها الجميع بالوحدة الترابية، والطمأنينة الشعبية، والسيادة الوطنية.

 

ويل لكم أيها الأشرار الليبيون، وأنتم تقدّمون للعالم، كل يوم، صورة مشوهة عن بلدكم، فتثبتون بذلك _عن غير حق- أن الليبيين لا يحكمهم إلا القهر والاستبداد، ولا يخضعون إلا للطغاة من الحكام الشداد. فأين أحفاد عمر المختار، وأين مريدو محمد بن علي السنوسي، وأين الأوفياء للدين فضوا في سجن بوسليم السيئ الذكر، وغيره من سجون الظلامية السياسية التي عاشتها ليبيا؟

 

إنه، ليحز في قلوبنا، والله، أن نلتفت يمنة ويسرة، عبر كامل أرجاء ليبيا، فلا نجد الحاكم الذي يسوس ويردع، ولكننا نجد المسلح الذي يخيف، ويرعب، ويقمع. فهل كُتب على ليبيا، بعد الأفراح، والليالي الملاح، أن تغرق في الأحزان والأتراح. ففي كل يوم تشيِّع جنازة مقتول مغدور، أو تفقد وجه مختطف مقهور.

 

إنها الأخبار في ليبيا الشقيقة، وفي مقدمتهم أحرار جيش ليبيا، ووزراء حكومتها، وعلماء شريعتها، ومثقفيها، وحرائرها وشبابها، أن يتنادوا مصبحين، لإنقاذ وطنهم مما هو فيه. فلو عاد عمر المختار، أو السنوسي، أو باقي الشهداء، لو عادوا اليوم إلى الحياة لأنكروا وجهها، ولما عرفوا كنهها، بسبب ما فعله العاقون من المنسوبين إليها.

 

لقد غَلَبت على هؤلاء العاقين شقوتهم، فلم يعودوا يخشون فيها، إلاًّ ولا ذمّة، وتلك هي الخيانة لله، ولرسوله، وللمؤمنين، وللشهداء الليبيين.

 

 

حمى الله، الشقيقة، ليبيا من كل مكروه، وأعادها إلى أمتها، وإلى أشقائها، موحدة الأقاليم، صحيحة التعاليم، معمقة المفاهيم.

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق