كلمة الرئيس

نوفمبر بين عقوق أبنائه وعتوّ أعدائه/الدكتور عبد الرزاق قسوم

DOCTEUR-GUESSOUMإنّ مَثَلَ شهر نوفمبر، بين الشهور في ميزان الزمن الحقيقي الجزائري، كمَثَلِ شهر رمضان –في الدهور- في عِداد الحساب الإلهي. فإذا كان أفضل الشهور عند الله؛ رمضان، يمحو عن المؤمنين الذنوب والخطايا، ويزيل عنهم الآفات والرزايا، فإنّ سيد الشهور عند الجزائريين؛ نوفمبر، قد طهّر الله به في الجزائر رجس الاستعمار وخزاياه، وأعاد الجزائريين إلى حياة الاستقلال ومزاياه.
واليوم، وقد انقضت عقود عديدة على بزوغ فجر نوفمبر فينا، من حقنا أن نقدِّم كشفًا بالحساب، وأن نزيل من عقول جيل الاستقلال ما قد يساوره من شك أو ارتياب. كما أنّ بقايا النوفمبريين؛ الذين صدقوا ما عاهدوا الله، والشهداء عليه من واجبهم أن يقفوا وقفة تأمل طويلة، فيقوموا بعملية نقد ذاتي عمّا أُنجِزَ، وعمّا لم يُنجَز. فقد يبدو لجيلينا معًا أنّ نوفمبر عكس الزغاريد التي تصاحبه، وطبول النصر التي ترتبط به، قد ذبلت سحنته، وأخذت في التلاشي شحنته. فإلى جانب الإنجازات المادية الكبرى التي أنجزناها بفضل روح نوفمبر، من شقٍ للطرقات، وبناء للجامعات، وتنمية للمؤسسات، وتحسين للعلاقات، هناك إلى جانب ذلك كلّه، غزارة في الإنتاج، وسوء توزيع للمنتجات. لئن نجحنا في انجازاتنا المادية التي منّ الله بها علينا في هذه الأرض الطيّبة التي لا ينكر فضلها إلاّ أعشى العينين أو ضعيف البصر والبصيرة، فإنّ هناك الكثير مما لم يتحقق، بسبب خلل في التدبير أو سوء التسيير أو خيانة للتقدير.
فقد فشلنا معنويا في تكوين جيل الاستقلال، مملوء العقل ثقافة، والقلب وطنية، والسلوك أخلاقا. إنّ هذا الجيل الجديد، الذي علّقنا الآمال الكبرى عليه لحمل مشعل نوفمبر، وجعله دومًا مضيئًا، هو من تمرّد على قيمنا، فزرع الخوف في نفوسنا، والدمار في ربوعنا، واليأس في عقولنا.
فمال لجيل أبنائنا لم تفلح المدرسة الجزائرية في إكسابهم المناعة، ولم تنجح وسائل إعلامنا ي تحصينهم بالقناعة، فتفشّت في أوساطهم شتّى أنواع الآفات، وأصبحوا يقدمون على شرّ أنواع السلوكات، كالعنف في الملاعب والطرقات، والانتحار في المساكن والممرات، والمغامرة في شق عباب البحر نحو المجهول من البلدان والقارات؟!.
يحدث هذا ونداءات اليأس تتعالى من جيل الاستقلال، وأصابع الاتهام والإدانة توّجه إلى جيل نوفمبر من أنّه لم يتسّم بكلّ الوفاء لروح نوفمبر، فغرق في الفساد والتبذير، وتنكر لمبادئ واجبات المواطنة والوطنية، وحسن التسيير.
فهل يمكن الخوض مع الخائضين من جيل الاستقلال في إدانتهم لنا؟ وهل حقا نحن أخللنا بواجبات الوطن حينما اسند مقاليده إلينا، وصارت أموره بأيدينا؟.
ربما كان، في كلّ ذلك، نصيب من الحقيقة، فقد تفشّت في جيل نوفمبر باسم التضحيات التي قدّمها، والخسائر التي تكبّدها، آفة الاستئثار بالدنيا، وفتنة الاستيلاء على الحكم، ومحنة التشبث بالكرسي أطول مدّة، وهي كلّها آفات لا تساعد على الاستقرار، ولا تشجع على نظافة المحيط والدّيار.
لذلك عندما يعود عيد نوفمبر علينا، من حق الجيلين أن يغتسلا بماء مطر نوفمبر الطاهر النافع فيزيل كلّ واحد وكلّ واحدة، جنابة السنين، ونجاسة المستعمرين، ليتطهّر بطهر العلماء، والمجاهدين، والشهداء، والصالحين…
ففي الوطن الجزائري اليوم معضلات كثيرة، يجب أن نواجهها بشجاعة روح نوفمبر، وأمانة شهداء نوفمبر. هناك معضلة الفساد بأوسع معانيه، فساد الأخلاق، وفساد المال، وفساد الذمة، وكلّها تتطلب الطبيب الاجتماعي العظيم، والعالم الربّاني الحكيم، لاستئصال بذرة الفساد المزمنة، هذه التي تفشّت، وآفة الأخلاق الذميمة التي سادت وعمّت.
وهناك فتنة عدم الاستقرار التي تطلّ برؤوسها علينا من كلّ جوانب حدودنا، وتوشك أن تعيد إلينا سنوات الجمر والمأساة الوطنية.
فإن لم يطفها عقلاء قوم يكون وقودها جثث وهام
وهناك مشكلة التداول على السلطة التي نَرفع شعارها، ولا نُحقق جواهرها وآثارها. وهناك المحسوبية، والعنصرية، والطائفية، وكلّ أنواع التجزيئية والانفصالية، وهي كلّها تدين جيل نوفمبر، وجيل الاستقلال معًا.
فهل من وثبة نوفمبرية سلمية، تعيد إلى العقول استقرارها، وإلى النفوس اطمئنانها، لنبني في كنف الوئام والسلام، ونتجاوز كلّ ألوان التشنج والاحتقان، والخصام.
وإنّ لنا في ثوابتنا الوطنية خير دواء لدفع كلّ بلاء. علينا أن نعود إلى الفهم الصحيح للإسلام، فنحتكم فيه إلى أهل الحلّ والعقد. وعلينا أن نحيي فينا مبادئ الوطنية الصحيحة التي أنبتت روح نوفمبر، فنحتكم إلى الوطنيين الصادقين في حلّ مشكلات الوطن.
ثم لا ننسى صمام الأمان في كلّ هذا، وهو الثقافة الوطنية، الموّحدة لنا، فنبدأ بتطهير عقولنا من رجس الغزو الثقافي الأجنبي، ونثبت ذاتنا الحضارية المحصنة ضدّ كلّ داء فقد المناعة الحضارية والإيديولوجية، فنصلح ما أفسدته السنون، ونعود حقا إلى روح نوفمبر بكلّ صدق ووفاء، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق