غير مصنف

كلمة عرفان وتقدير لفقيد الجزائر: الدكتور أبو القاسم سعد الله/أ.د. ناصر الدين سعيدوني*

Dr SAIDOUNIيتبوأ الأستاذ الدكتور أبو القاسم سعد الله مكانته الخاصة باعتباره مؤرخا أصيلا وكاتبا مبدعا، فله الزاد المعرفي الوفير والأسلوب اللغوي المعبر السليم البليغ، كما أن له منهجه المميز وطريقته الخاصة التي يعبر بها عن أفكاره، فضلا عن تفرده عن كثير من المؤرخين الجزائريين بابتعاده عن الأضواء وتحصنه وراء قناعاته الخاصة ورؤيته الذاتية؛ كتب التاريخ وحلل الوثائق وعبر عن فهمه للماضي وتقييمه لنتائجه انطلاقا من حصيلة قراءاته وأبحاثه، فجمع في تكوينه بين الثقافة الأدبية الرصينة والمعرفة التاريخية الواسعة، فانعكس ذلك على إسهاماته، والتي توزعت بين تأليف وترجمة وتحقيق وتعليق، كما حافظ على أخلاقيات العالم ورسالة المؤرخ، فنأى بنفسه عن جمهور الكتاب المناضلين والمثقفين الموسميين، ولم يحاول أن يعرض ذاته على مسرح الاستعراض الثقافي حيث تسود الشعارات الوطنية الجياشة والعبارات النضالية الدنكيشوتية الرنانة التي تبعد المؤرخ عن مجالس البحث وحلقات الدرس وتدفع به إلى سوق مزايدات عرابي الثقافة ومنشطي المهرجانات.
قد يلاحظ على الأستاذ الدكتور سعد الله زهده و ابتعاده عن الأضواء وتواضعه العلمي، وقد يفسر هذا بتربيته الدينية وتجربته الشخصية ونظرته للحياة، لكن احترامه لنفسه واعتزازه بمهمته العلمية وإيمانه برسالته جعلته لا يتردد في إبداء آرائه وتسجيل مواقفه وتحديد رؤيته لقضايا الساعة وهموم الجزائر والعالم الإسلامي، وأسست لمكانته الفكرية والأدبية وجعلت رأيه مرجحا في المسائل الثقافية والمنطلقات الحضارية للتاريخ الجزائري، إن قاريء تاريخ الجزائر تأخذ أنفاسه ويجد نفسه منبهرا أمام الكم الهائل وراء كم هائل من المعلومات التاريخية وإنتاج غزير من الإسهام التاريخي والتراث الثقافي للأستاذ الدكتور سعد الله، وهذا ما يطرح على القارئ إشكالية الكم والنوع اللذين غالبا ما يكون أحدهما على حساب الآخر، لكن مواظبة الأستاذ الدكتور سعد الله واهتمامه البالغ بكل ما ينتجه ومراجعته الدقيقة لكل ما يكتبه سمح له أن يجمع بين الكم والنوع؛ على أن إشكالية الكم والنوع عند الأستاذ الدكتور سعد الله لا تعود إلى إنتاجه ومضمون مساهمته وإنما تكمن في نوعية جمهوره الواسع من القراء والتقاليد الثقافية السائدة في المجتمع، فهو يتعامل مع وسط يرفض القراءة المعمقة والمتواصلة ويميل إلى الثقافة الشفوية المعتمدة على الكلام الذي يلقى في المحاضرات واللقاءات والندوات والنقاشات، حيث يمكن عرض البضاعة الجاهزة وإصدار الأحكام الذاتية، في مقابل ذلك فإن الأستاذ الدكتور سعد الله كان النموذج المعاكس للمثقف الجزائري الذي يتكلم كثيرا ولا يقرأ إلا قليلا، فقد أسس بجهوده وعطائه العلمي لمكتبة جزائرية لا تتأثر بانتكاسات الماضي وإنما تتطلع لمستقبل يولد فيه جيل سوف تربيه المدرسة الجزائرية وتفرضه الساحة الثقافية، ووضع الأستاذ الدكتور سعد الله لهذا الجيل لبنات يبني عليها وإسهاما يعتمد عليه، وروض الساحة الجزائرية على أن تتقبل الثقافة العربية وتتمثلها.
إن المسيرة الثقافية والمساهمة التاريخية للدكتور سعد الله تفسران بل توضحان إلى حد كبير أسلوبه في الكتابة وطريقته في التعبير، وتفصحان عن قناعاته وتوجهاته الفكرية وطريقته المنهجية. لقد بدأ الأستاذ الدكتور سعد الله حياته العلمية أديبا متذوقا للأدب لينهيها مؤرخا مسجلا للأحداث ومعلقا عليها وناقدا لها، فحمل في ضميره المشروع الإصلاحي الذي مثلته جمعية العلماء، وتفاعل مع زخم الثورة وطموحاتها، وعاش واقع جزائر الاستقلال بنجاحها وفشلها.
إن مسيرة الأستاذ الدكتور سعد الله تتقاطع في كثير من محطاتها مع توجهات المجتمع الجزائري، حيث شكلت مراحل متعاقبة ومتداخلة تحتاج إلى دراسة نقدية آركيولوجية حسب تعبير علماء الاجتماع والإثنوغرافيا، لأن دراسة الظاهر من خلال الباطن أضمن وسيلة للتعرف على المكونات الخفية المشكلة لمنهجيته والمؤثرة في توجهاته والمحددة لشخصيته، سواء في مرحلة تكوينه الأولى أو تحصيله الثانوي أو دراسته الجامعية أو عمله الأكاديمي أو انشغالاته الذاتية، وهذا ما ينتظر أن تهتم به الدراسات النقدية لإسهام ومنهج الأستاذ الدكتور سعد الله لأنه في حد ذاته مدرسة تاريخية وإسهام تراثي فرض نفسه على الساحة الثقافية الجزائرية، فهو مع اختصاصه الأكاديمي يعتبر من الكتاب الموسوعيين الذين أغنوا المكتبة الجزائرية بإسهام غني ومتنوع يتصل بتراث الجزائر وعطائها الفكري وحياتها السياسية والثقافية، جمع بين التحقيق والترجمة والتأليف والتعليق، وهو في مجمله يعبر بصدق عن اهتماماته الشخصية وميوله الثقافية وتوجهاته الفكرية التي تحتاج إلى دراسات نقدية وتحليلية للتعرف على مميزات مضمونها المعرفي وخصائص مواصفاتها المنهجية.
وإذا جاز لنا أن نعلق على إسهام الأستاذ الدكتور أبي القاسم سعد الله من حيث نوعية موضوعاته وأساليب منهجه وخصوصيته توجهاته واهتماماته، فإننا نلمس فيه مواصفات قلما تتكرر في غيره، فهو يحاول الالتزام بالموضوعية والأمانة في تسجيل الحدث أو التعليق عليه، وإن كان في ذلك ينحو منحا معتدلا ومنهجا إصلاحيا إن لم يكن تربويا، ويأخذ بعين الاعتبار المنطقية والعلمية في تقييم الأحداث وإبداء الملاحظات والتعليق، وقلما يفصح عن موقف محدد أو رأي شخصي حتى لا يؤثر على القارئ وحتى لا يصبح طرفا في القضية التي يعرضها، وهو في ذلك يعتبر الدقة والتحري وتقصي الحدث أهم مستوجبات الباحث ومتطلبات المؤرخ.
إن تجنب الأستاذ الدكتور سعد الله تحديد مفهوم خاص به ولو في إطار قناعات الفكر الإصلاحي القائم على توظيف مفهوم الجدلية التاريخية في تفسير قضايا التاريخ وعرض مسائل الثقافة، والجذور الإصلاحية التي كانت منطلقا لتكوينه التاريخي، واحتكاكه بالمدرسة الموضوعية التي تعتمد على عرض المادة التاريخية ونقدها بحكم عمله الجامعي، كلها عوامل جعلت الأستاذ الدكتور سعد الله يلتزم بعرض أحداث التاريخ اعتمادا على المصادر المتوفرة، ويتحدد هذا الغرض حسب متطلبات الساحة الثقافية للمؤرخ وقدراته الذاتية، وهذا ما عبر عنه عند تناوله إشكالية كتابة التاريخ بقوله: “إن الكتابة التاريخية عملية متجددة يمارسها كل جيل بالقدرة العقلية وطبيعة الوثائق المتوفرة لديه والمستجدات الحضارية التي تحيط به” (جريدة الشعب، 14 أبريل 1990).
وهذا ما يسمح لنا بالقول بأن الظروف التي تأثر بها الأستاذ الدكتور أبو القاسم سعد الله في حياته الخاصة ومسيرته العلمية دفعته من موقف الحياد والتحفظ عن إبداء الرأي إلى المساهمة في حركية الساحة الثقافية بعلمه ومواقفه، وهذا ما يحسب له بل يمنحه مكانة مميزة قد يغبطه عليها العديد من الكتاب والكثير من المؤرخين الذين جرفتهم إغراءات الشهرة واستوعبتهم البرامج والمخططات الثقافية الرسمية، فبدأت كتابات الأستاذ الدكتور سعد الله تأخذ منحا سياسيا واضحا ونفسا إصلاحيا متميزا، وتحددت أطروحاته لتكسبه مواصفات جعلته يبتعد عن المؤرخين الرسميين والكتاب السياسيين والمثقفين تحت الطلب، ليعبر عن طابعه الخاص، فهو مؤرخ يسلك المنهج الإصلاحي المعتدل الذي يتبنى ماضي الجزائر ويحاول فهمه من خلال منظور تاريخي قائم على الثوابت الوطنية في مفهومها الحضاري العربي الإسلامي وفي بعدها التحرري ومسارها النضالي، ويؤمن بأن للتاريخ وظيفة لا يمكن التخلي عنها بحجة المنهجية، وهي العمل على اكتساب الوعي بالذات وعدم ترك القضايا الحيوية والمسائل المصيرية بضاعة في سوق المزايدات السياسية والمضاربات الإيديولوجية، فاعتبر أن الجزائري السلبي هو الذي لا يصنع التاريخ بل يصنع به التاريخ.
إن جمود الساحة الجزائرية المشدودة إلى فترة الخمسينات وأوائل الستينات بفعل ملحمة الثورة التي جعلت الحاضر وحتى المستقبل تابعا للماضي وأوقفت الجزائر في مرحلة المطالب الوطنية وجعلت الحياة السياسية والاجتماعية وحتى الثقافية أساس الشرعية وإقرار المكاسب والاعتبارات المترتبة عليها، جعل المشروع الوطني الذي حقق مطامحه مع الاستقلال وبناء الدولة الجزائرية يظل محور الحياة الجزائرية وأهمل مشروع المواطنة القائمة على تبني قضايا المجتمع وليس على ضمان الامتيازات، لأن الترقية الاجتماعية والديمقراطية السياسية تتطلب دولة تحددها قوانين أساسية يكون فيها الولاء وأساس التعامل بعيدا عن الأشخاص القائمين على السلطة لأن الإرادة العامة هي التي تشرع، وقيمة الناس تتحدد بقيمة حقوقهم؛ وكأن الثورة التي حررت الجزائر لم تواصل مسيرتها لتحرير الجزائريين من أنفسهم والمحافظة على كرامتهم.
لقد ارتبط الأستاذ الدكتور سعد الله بالمرحلة الوطنية من تاريخ الجزائر، وكان محقا عندما رأى أن الجزائر لم تستكمل بعد مكوناتها الذاتية، لأن أعداء الثورة –حسبما لاحظه- كانوا مختفين في ظاهر الأمر وراء رموز وطنية كالعلم والنشيد، وكون فلان وفلانة ساندوا الثورة بينما هم يخربون البلاد من الداخل بكل ما وأوتوه من وسائل التخريب، بعد أن عجزت الجزائر عن مواصلة تطورها ليرتقي شعبها من مرحلة الرعية المتأثرة بالشعارات الوطنية والخاضعة للوصاية الأبوية إلى منزلة المواطنة المسؤولية التي تكرس المجتمع المدني الحر غير القابل للإذلال والابتزاز والذي يقوم على المساواة في الحقوق والواجبات، وأن أفراده باختلاف ألوانهم وتعدد مشاربهم وتوجهاتهم ينتمون إلى أسرة وطنية واحدة تعيش تحت سقف البيت الجزائري الذي يضمن لهم المواطنة المسؤولية والعيش الكريم.
إن الأستاذ الدكتور سعد الله من خلال مواقفه وأفكاره وكتاباته وضع حجر الأساس لوعي وطني أصيل يساهم لا محالة في نشر روح المواطنة الكفيلة بتحرير الإنسان الجزائري من عوامل الخوف من التاريخ والحساسية من الأحداث ليكتسب بناء على معطياته الحضارية وظروفه ومتطلبات مجتمعها مناخا حرا ومحفزات نفسية كفيلة بإيجاد عناصر البناء و الإبداع التي ظلت غائبة في مراحل سابقة.
لقد فرضت كتابات الأستاذ الدكتور سعد الله نفسها على القارئ واحتلت مكانا مميزا في المكتبة الجزائرية، فنالت تقدير المؤيد واحترام المعارض، وهذا ما يسمح لنا بالقول بأن الأستاذ الدكتور سعد الله قد ربح المعركة وكسب الرهان، فأثبت ذاته العلمية وأكد مكانته كمؤرخ في ظروف صعبة وفي ظل محبطات قاسية، فقد انتقده الأصدقاء على اعتداله ووسطيته ونقم عليه مثقفو الاتجاه اليساري لمنحاه الإصلاحي ودفاعه عن قناعاته الحضارية، ولكنه واصل طريقة دون كلل أو ملل رغم ما تطلب منه ذلك من وقت طويل وجهد مضن ليحقق إنجازات قد تعجز عنها مؤسسات حكومية وهيئات رسمية.
*أستاذ التاريخ الحديث بجامعة الجزائر

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق