أحداث دولية

الـــقــضــية الفلسطيــنــيــة . كيري في السعودية والأردن هل هو التسول أم التوسل؟/أ.محمد الحسن أكيلال

KIRIجولة من المباحثات أجراها السيد “كيري” مع كل من “نتانياهو” و “أبو مازن” أطلعهما فيها على الاتفاق الإطار الذي صاغه مع فريقه بالتشاور مع رئيسه “أوباما”، إثر ذلك صرّح للصحافة بأنه حقق نتائج مشجعة، في حين أعلن بالمقابل “نتانياهو” بأنه يرفض أي تنازل عن “غور الأردن” وهذا يكفي للدلالة على عدم وجود أية نتائج مشجعة، ولذلك قرر معالي وزير الخارجية الأمريكية الطيران إلى المملكة العربية السعودية ثم الأردن ليطلب من صاحبي الجلالة النجــــدة والإنقـــــاذ مـــن الفـــــشــل الــــذريع الــــذي ينتــظره في فرضه للاتفاق الإطار الذي يحمله معه على الطرفين الفلسطيني والصهيوني. ولعلّه يستطيع أن يقنع صاحبي الجلالة بضرورة استعمال نفوذيهما على السيد “محمود عباس” لحمله على قبول شروط “نتانياهو”، على الأقل حتى لا يعرّض نفسه لما تعرّض له سلفه الراحل المرحوم “يـــــاســـر عرفات”.

هو في هذه الجولة يعرف بأنه يقوم بدور المتسول والمتوسل معا، ولكنه مع ذلك لابد أن يفعل هذا حفاظا على سمعته كدبلوماسي كبير لدولة كبيرة ما زالت تحاول أن توهم نفسها وغيرها بأنها القوة التي تحكم العالم، وحفاظا أيضا على سمعة دولته هذه التي بدأت تتدحرج هيبتها في آخر سلاسل الجبال الفاصلة بين الشرقين الأدنى والأوسط لتهوي في أدنى الأرض وتمرغ في أوحال البحر الميت المالحة.

عليه أن يستجدي جلالة الملك “عبد الله بن عبد العزيز” ويتسول منه المال اللازم للسلطة الفلسطينية للقدرة على الحياة في حالة ما إذا تطلب الوضع الفلسطيني في الضفة الغربية ذلك لإسكات الرافضين للتفاوض إن أمكن، كما عليه أن يستجدي جلالة الملك “عبد الله بن الحسين” ويتوسل إليه أن يعلن قبوله بضم إسرائيل لمنطقة “غور الأردن” لتكون منطقة وقاية أمنية لها من تسلل عناصر المقاومة منها في حالة عودة الكفاح المسلّح من جديد.

إلى هنا يبدو أن ما يقوم به السيد “كيري” واقعيا جدّا، لأنه يحمل معه في محفظته زيادة عن الاتفاق الإطار أمرا محدّدا جدّا هو عدم إغضاب “نتانياهو” والوفد الإسرائيلي في المفاوضات، لأن ذلك من شأنه أن يعجلّ بإجهاض كل عملية التفاوض، وتصبح الحكومة الإسرائيلية هي المتهمة أمام العالم، وهذا ما لا يرضاه اللّوبي الصهيوني في أمريكا وغيره من اللّوبيات في الدول الغربية الكبرى كبريطانيا وفرنسا وكندا.

بالنسبة للملكة العربية السعودية يمكن أن تقبل الطلب، وتمنح السلطة الفلسطينية المبالغ المالية اللازمة لسببين:

                   · أن المال يمنح للشعب الفلسطيني، وهذا مدعاة فخر لها كدولة عربية مسلمة تساعد شعبا عربيا مضطهدًا من طرف الاحتلال الصهيوني منذ أزيد من سبعين سنة، وقد يفهم السبب الحقيقي من طرف الفلسطينيين، وقد لا يفهم وإن فهم يمكن تجاهله ما دام المال آت من دولة يجب أن تساعد الشعب الفلسطيني.

                   · أن السلطة الفلسطينية المنضبطة جدّا في التعامل والتعاون مع المملكة في علاقاتها المتوترة مع الجارة إيران، ومساندتها في كل المواقف لا قدرة لها حاليا على إيجاد مخرج لها في غياب دول عربية أخرى مؤثرة كالعراق ومصر أو إسلامية كتركيا التي تتعاطف مع الإخوان المسلمين في مصر الذين هم بدورهم يرتبطون بعلاقات عضوية مع حركة “حماس” الفلسطينية.

الاتفاق الإطار لم يقنع الحكومة الإسرائيلية لسبب يبعث على الضحك هو رفضها للتنازل عن منطقة “غور الأردن” رغم الضمانات الأمنية الأمريكية مثل وضع قوات أمريكية فيها وقوات سعودية وأردنية وأخرى تابعة للأمم المتحدة، إسرائيل لا تثق إلاّ في قواتها العسكرية، وما عداها حسب رأيها لا تستطيع توفير الأمن لها مستقبلا، وخاصة أن الدولتين العربيتين يمكن أن يحدث فيهما مستقبلا تغيير في نظام الحكم، تتحولان إلى دولتين معاديتين لإسرائيل وأمريكا والغرب.

دهاء كبير في إيجاد التوقعات والاحتمالات الأكثر تشاؤما، والأكثر إقناعا لأمريكا لقبول تملّصها من قبول الاتفاق الإطار، وهذا الرفض وحده يكفي لإزاحة الغطاء ولو جزئيا عن التنازلات الكبيرة التي قدّمها الوفد الفلسطيني عن قضايا الأرض في الضفة الغربية ويهودية الدولة وأراضي القدس الشرقية التي لم يبق فيها الاتفاق الإطار إلاّ الأماكن المقدسة الإسلامية التي تسند رعايتها للمملكتين السعودية والهاشمية. وكذلك عودة اللاجئين المشطوبة حيث قدم لهم البديل من أستراليا وكندا، أول دولتين أعلنتا ابتهاجهما للاتفاق الإطار واستعدادهما لاستقبال اللاجئين الفلسطينيين وإدماجهم كليا في مجتمعيهما بمنحهم الجنسية.

هكذا تكون المناورات في التفاوض، وهكذا يتم الاستدراج إلى تفكيك الثوابت وجعلها تذوب ذوبان الزبدة على النار، ويتحول المستحيل ممكنا والدماء التي ضرجت  أرض فلسطين وأراض عربية أخرى إلى مياه صالحة للشرب، والأرواح التي أرسلت إلى السماء إلى مجرّد ذكريات ترويها الجدات للأحفاد.

هي الفوضى الخلاقة بكل تفاصيلها نفذتها الإدارة الأمريكية على مدى عقدين من الزمن في الوطن العربي لتكون النتيجة هذه المبادرة التي ترسم خارطة جديدة لفلسطين ولمحيطها العربي والإسلامي.

البداية في تدمير العراق والتلويح بتفكيكه إلى أربعة أجزاء ثم دولتي أفغانستان وباكستان، ثم يأتي دور سوريا ولبنان والإيحاء باستعادة إيران إلى صف الغرب الأمريكي الصهيوني، وزرع نعرات في تركيا للضغط على حكومتها للعودة إلى جادة الصواب أو إعادتها إلى المربع الأول، ثم يأتي دور مصر التي لم تدخر جهدا في إقناع دولة الكيان الصهيوني على التزامها باتفاقية “كامب ديفيد” ومع ذلك أرسلت إلى جحيم الفتنة التي لا تبدو في الأفق القريب بوادر الخروج منها، وقد تخرج منها فجأة إذا نجح السيد “كيري” في إقناع الفلسطينيين والعرب بقبول المبادرة.

الله وحده القادر على إفشال هذه المؤامرة الدنيئة، وهو وحده الذي يشد أزر الشعب الفلسطيني للانتفاض من جديد وقلب الطاولة على المتفاوضين وإعادة كلّ شيء إلى ما كان عليه قبل “أوسلو”.

الولايات المتحدة الأمريكية لم تكن لتسعى بهذه السرعة وهذه الجدية هذه المرّة لولا شعورها بدنو أجل نهاية دورها في المنطقة وفي العالم كقوة عظمى مهيمنة. وأن الأجيال الحالية والقادمة من الثوار العرب والمسلمين هم ليسوا كأسلافهم الذين انجروا إلى اعتناق فلسفات وإيديولوجيات غريبة عنهم وعن جيناتهم الحاملة لأفكار ومبادئ مستقاة من كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

إنها عودة الروح والوعي معا لأمة قررت التمسك بدينها وحضارتها والاستماتة في الدفاع عن حياضها وأعراضها ومرابعها والقضية قضية وقت ليس إلاّ، وإن الله على كل شيء قدير.

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق