البصائرمقالات مختارة

مختصر تفسير ابن عاشور

8- {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ}:

أشارت الآية السابقة إلى الذين زاغت قلوبهم وانحرفت، فأتت هذه الآية عقب موقع العبرة ومثار هواجس الخوف من سوء المصير، تعلم النبي صلى الله عليه وسلم وأمته دعاء جميلا، فليس الضلال إلا من حرمان التوفيق واللطف ووسائل الاهتداء، ويؤخذ مما سبق من الآيات، وذكر المحكم والمتشابه من الكتاب أنه من جملة مقاصد ذلك إيقاظ الأمة لتكون على بصيرة في تدبّر القرآن، وتحذير لها من الوقوع في الضلال الذي وقع للأمم قبلهم بسبب هذه المتشابهات، فاتبعوا الأوهام والبوارق الباطلة، مثل ما وقع فيه بعض العرب بعد وفاة الرسول، فظنوا أن التديّن كان من أجل وجود الرسول حيّا فحسب، ولذلك كان أبو بكر -رضي الله عنه- يدعو بهذا الدعاء، مدة ارتداد هؤلاء، ويقرأه بعد الفاتحة في صلاته كما ورد في الموطأ.

فزيغ القلوب يكون عن هوى أو ضعف في الإرادة

وأسند الهدي إلى الله: “بعد إذ هديتنا” فذلك لطف منه وكرم، ولا يرجع الكريم في كرمه، وفيه طلب الرحمة ومنع دواعي الزيغ والشر، وجعلت الرحمة في هذا الدعاء من الله، فهو الذي يقدّر أسبابها ويبعد تعرض الإنسان لنزول المصائب في كل لحظة، فهو محفوف بكائنات كثيرة، تحيط به في حياته، سواء كانت حية أو غير حية، وهو إزاءها ضعيف لولا لطف الله به بإيقاظ عقله ليتّقي ما يمكن أن يحصل له من حوادث تودي به إلى الهلاك، وإلهائه إلى ما ينفعه ولا يضره.

وفي قوله: “أنت الوهاب” قصر الصفة على الموصوف للمبالغة لأجل كمال الصفة، وفيه تأكيد بأنّ، وبالجملة الاسمية، وبالقصر، كل ذلك يدل على التأكيد القوي.

9- {رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ}:

وفي قوله: “ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه” هذا  طلب للرحمة باستحضار أشد الأوقاف حاجة إليها، يوم تكون سببا للفوز الأبدي، ولذلك جاء ذكر يوم القيامة كأن الداعي يقول نرجو رحمتك، وخاصة في يوم العول، يوم تجمّع الناس، وحشرهم. ذلك اليوم الذي لا ريب في وقوعه.

وقوله: “إن الله لا يخلف الميعاد” تعليل لنفي الريب، فوعد الله بجمع الناس يوم القيامة لا يتخلف، فلا يخلف الله ما وعد به!

10- {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ اللّهِ شَيْئاً وَأُولَـئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ}:

هذه الآية استئناف بذكر أحوال الكفار في ذلك اليوم، على نهج القرآن في ذكر البشارة بعد النذارة، وتعقيب دعاء المؤمنين بذكر حال المشركين، ويقصد بالذين كفروا غالبا المشركون، ويرجح أن المقصود بهم هنا الذين كفروا بنبوءة محمد -صلى الله عليه وسلم- من قريظة والنضير وأهل نجران، وهو ما يشير إليه التذكير بحال فرعون، دون ذكر حال عاد وثمود، لأن اليهود والنصارى أقرب إلى ذكر أخبار فرعون؛ كما أن العرب أكثر صلة بأخبار عاد وثمود، والرد على النصارى من أهم أغراض هذه السورة. ويحوز أن يكون المراد جميع الكافرين من المشركين وأهل الكتاب.

ومعنى: “تُغني، تجزي، وتكفي” وهو فعل قاصر يتعدى بحرف “عن”. وقوله: “من الله” أي من أمر يضاف إلى الله، أي من رحمة الله أو من طاعته إذا كانت “من” للبدل، أما إذا كانت ابتدائية فالتقدير: من غضب الله أو من عذابه، أي لا تدفع ذلك، ويأتي في الغالب لفظ “شيء” بعد فعل “أغنى”، فلا تغني الأموال ولا الأولاد عنهم، وهذا وعيد دنيوي، وتدل لفظة “أولئك” على استحصارهم كأنه يشار إليهم، وللتنبيه على أنهم يستحقون ما يأتي وهو أنهم ما توقد به النار ومادتها، وهذا وعيد في الآخرة.

11- {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ}:

ودأبهم في ذلك وعادتهم كدأب آل فرعون، وأصل “الدأب” الكدح في العمل والدوام عليه، وأطلق على العادة أي فشأنهم في ذلك شان آل فرعون في الكفر، والكبرياء، والتكذيب، فأخذهم الله بالانتقام منهم، وإهلاك فرعون معلوم عند أهل الكتاب، وكذلك خصّهم بالذكر.

12- {قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ}:

بعد أن ضرب الله لهم المثل بحال من قبلهم من الكفار، ضرب لهم المثل بحالهم من الكفر الذي يؤدي إلى جهنم، وأن أمرهم صائر إلى زوال، وأن الإسلام سيدك كبرياءهم وكفرهم، ويغلبون، والفئتان هما المسلمون والمشركون يوم بدر، فالفئة الأولى تقاتل في سبيل الله، والأخرى تقاتل في سبيل الكفر والطاغوت.

13- {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ}:

والخطاب في قوله “قد كان لكم آية” خطاب للذين كفروا، واللقاء هنا هو البروز للقتال.

والفئة: الجماعة من الناس.

رأى الكفار ذلك اليوم المسلمين عند القتال ضعف عددهم فوقع الرعب في قلوبهم فانهزموا، وتحققوا بعد الهزيمة أنهم واهمون لأن المسلمين أقل عددا إذا كانوا هم ثلاثة أمثالهم، فكان ذلك أشد حسرة في نفوسهم لما علموا أن رؤيتهم غير حقيقية، وهذه الرؤية رؤية العين، أي رؤية بصرية واهمة.

وختم ذلك بأن الله يؤيد وينصر من شاء، وقد نحصر المسلمين على عدوهم فأصبحوا ظاهرين وفي ذلك عبرة، للذين لهم بصائر حية تدرك حقائق الأشياء.

14- {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ}:

القصد عظة المسلمين ألاّ يغتروا بما يفعل الكفار من دعوى أنهم تنفعهم أموالهم وأبناؤهم، فنعمهم الحياة الدنيا ويركنون إليها وحدها، وتلهيهم عن التفكير في الحياة الآخرة، فإن المدخل إلى هذه الحالة هو زينتها التي تميل إليها النفوس.

والتزيين تصيير الشيء زينا وحسنا، وإزالة ما يمكن أن يعتبر به من قبح أو تشويه، ولذلك سميّ الحلاّق مزينا، فزينة الشيء هي محاسنه التي ترغّب الناس في اقتنائها، قال عبيد الله بن زياد لأبي برزة: “إن صحبة محمد لك زين غير شين” في حديث أخرجه أبو داود.

و”الشهوات” جمع شهوة، وهي مصدر شهي كرضي، والشهوات هي الأشياء التي يشتهيها الإنسان، على وجه المبالغة في قوة الوصف، وحب الناس لها ناشئ عن زينتها، فالمزيّن للناس هو الشهوات ذاتها لا حبها، فإذا زينت لهم أحبوها، وهو إيجاز، وتفطن ابن عاشور لهذه الدقيقة دون غيره من المفسرين، والشيء المزين قد يغطي التزيين مساوئه، ونقائصه، وقد يقبل الناس على ما هو مزين بالمستحسنات التي تستر ما فيه من القبح أو الأضرار.

وأسند التزيين للمجهول لأنه يشير إلى الغرائز، كقولهم عُنِي بكذا، واضطر إلى كذا، إذا أريد به لازم التزيين وهو الإغضاء عما في الزيّن من المساوئ.

والمزيّن في الأصل أمر جبلي، جعله الله في نظام خلقه، وكأن المزيّن هو الشيطان الذي يدعو ويرغب ويوسوس بالشهوات ويزيدها تزيينا وتحسينا، ويبعده عن كمال النفس بتزكيتها. وما ذكر في الآية هو أصول الشهوات التي لا تختلف باختلاف الأمم والعصور، فالميل إلى النساء مركوز في الطبع، وضعه الله لبقاء النوع في حكمته، بداعي طلب التناسل، وميل الرجال لهن أقوى، وكذلك محبة الأبناء مطبوع في الناس، فالولد يشعر الأب والأم أنه قطعة منهما، جعل الله ذلك مدعاة إلى المحافظة عليه، لتكوين جيل آخر، وبقاء نوعه أيضا.

والذهب والفضة قديما وإلى اليوم من الأمور المرغوب فيها زينة وحليا، لحسن منظرها، وكذلك حب النقود التي كانت تصنع منهما.

والقناطير جمع قنطار، وهو ما يزن مائة رطل، وأصل الكلمة لاتيني “كنتال”، ويقال: “فنظر الرجل إذا بلغ ماله قنطارا، وهو أثنا عشر ألف دينار، ويقصد بالمقنطرة المضاعفة المتكاثرة، فاشتقاق الوصف من الموصوف يدل على المبالغة كقولهم ليل أليل، وظل ظليل، وآلاف مؤلفة، وداهية دهياء، والخيل من الأشياء المرغوبة لزينتها، وكل ما بلغه الإنسان من مراكب وقطارات وسيارات وبواخر وطائرات، ولم يغن عن الخيل وجمالها والمسابقة بها، ووصف المسوّمة يدل على أنه مشتق من السوم، وهو الرعي، ومادة فعّل للتكثير، فهي تترك في المراعي مدة طويلة فتكون خيل أصحاب الأموال مكرمة في المروج والرياض، أو من السمة وهي العلامة، تدل على كرمها وحسن بلائها في الحرب، فتجعل لها علامة من صنوف أو غير ذلك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق