تحاليل وآراء

قروض استهلاكية ربوية!…ألا تتوبون؟ أ.د مسدور فارس

 

ls$;v thvsلا أدري ما الذي أصابنا في هذا البلد الذي تكالب عليه أعداؤه في الداخل والخارج لاستنزاف ثرواته وخيراته، وتفننوا في استخدام الأدوات التي تظهر أنها اقتصادية وهي سمٌّ اقتصادي قاتل من الدرجة الأولى، فهل يعقل أن نُضرب في الصميم بقروض استهلاكية أجمع الخبراء من قبل ومن بعد أنها تخريب للاقتصاد الوطني من خلال تحطيم القدرات الانتاجية للمؤسسات الوطنية، ذلك أن هذه القروض الاستهلاكية كان ينتفع بها المنتوج الأجنبي بالدرجة الأولى، وتم استنزاف المليارات من عملتنا الصعبة نتيجة التمادي والتوسع في هذه القروض المسمومة.

والأعجب والأغرب أننا نريد العودة لهذه القروض وبالفوائد الربوية، وكأن الأمر مبرمج بحيث أن القائمين على نظامنا المصرفي وجهازه يريدوننا أن نأكل الربا شئنا أم أبينا، رغم أن اقتصادنا الوطني هو الخاسر الأكبر من هذه القروض التي دعمت فيما مضى شراء السيارات، وجعلت أغلبية الشعب المعني بشراء هذه السيارات يغرق في ديون لا حصر لها، بل أن منهم من تمادى في الاستفادة من هذه القروض الربوية وحاصر نفسه من كل ناحية بها وغدا عاجزا عن تسديدها، ما عرّض العديد منهم للمتابعة القضائية.

والسؤال الذي نطرحه: من يقف وراء هذه القروض الاستهلاكية؟ ومن يريد أن يستنزف جزءا من ثروة الأمة المدخرة بقروض استهلاكية تخدم استهلاك السيارات والمنتجات الأجنبية التي يميل لها عادة الناس، دون أن يستفيد اقتصادنا من توطين استثمارات الدول والمؤسسات صاحبة تلك المنتجات، بل أن دولهم كانت ولا تزال تعادي وتكيد لدولتنا.

لقد كان من بين الشروط التي فرضتها الدولة على الدول (أو الدولة) التي نستورد منها السيارات وفتحنا قروضا استهلاكية من أجلها حتى لا تسرح عمالها نتيجة أزماتها، أن يكون لديها بعد فترة ليست بالطويلة (أظن 5 سنوات) مصانع للسيارات في الجزائر، ولكنهم نكثوا وأخلفوا الوعد، ولم يقوموا بذلك طول هذه المدة التي حققوا فيها أرقام أعمال لم يكونوا يحلمون بها في الجزائر.

إن القروض الاستهلاكية التي كانت موجهة للسيارات بشكل خاص كانت تحافظ على مناصب الشغل في فرنسا وغيرها من الدول التي نستورد سياراتها، وفي بلادنا ملايين الشباب الذين يعانون من البطالة والفقر، رغم الامكانات المادية والمالية التي نحوز عليها، ولكننا كنا ولا نزال نفضل الأجنبي على المحلي، فنستورد في سداسي واحد سنة 2013 ما يفوق 4 مليار دولار سيارات فقط، وهذا المبلغ لو يتحول إلى استثمارات حقيقية لوفّر مناصب شغل بمئات الآلاف (يمكن بهذا المبلغ بناء 133 مصنعا للدواء).

والأغرب والأعجب أننا نرسّخ الربا من أجل شركات السيارات الأجنبية، خاصة لتلك الدولة التي استدمرتنا فيما مضى واستنزفت ثرواتنا لمدة فاقت 132 سنة، وما زالت تعادينا في كل النوادي والهيئات العالمية، بل تسخر منا في السر والعلن، فلماذا نعطيها الأفضلية في الاستثمارات وندعم اقتصادها المتأزّم بمنظومتنا المصرفية الربوية التي تتبع سَنَنَها شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لئن دخلوا جحر ضب في منظومتهم لدخلناه.

لماذا لا تكون قروضنا الإسهلاكية قروضا حسنة لدعم استهلاك المنتوج المحلي، لعلنا نرفع من قدراتنا الانتاجية وتتطور مؤسساتنا بأيدينا عوض أن نبقى متخلفين في مجال الصناعات الصغيرة والمتوسطة وحتى التقليدية منها.

لماذا لا نعمّم صيغة المرابحة لدعم استهلاك المنتوجات الوطنية عوض المنتوجات الأجنبية، وتكون المرابحة أداة لتحقيق أرباح وأرقام أعمال للشركات الوطنية عوض أن نعطيها للشركات الأجنبية التي لا تبحث سوى عن مصالحها ومصالح بلدانها.

لماذا لا تكون صيغة السَّلَمِ هي الصيغة التمويلية لدعم إنتاج المؤسسات الوطنية التي تحتاج لتمويل عملياتها الانتاجية لتتطور خاصة مع توفير تمويل حلال تشتري من خلالها المؤسسة المصرفية منتوجها وتتمكن هي من إنتاج طلبياتها التي تُدعَّم أيضا بصيغ حلال لتمويل البيوع للمستهلكين.

لماذا لا تكون الاجارة المنتهية بالتمليك أداة معتمدة في كافة مصارفنا بصيغة إسلامية حلال خالية من الفوائد الربوية لتمويل شراء المساكن وأدوات الانتاج وغيرها من السلع الرأسمالية، ما قد يمكن من توسيع دائرة الاستثمار في القطاع العقاري والصناعي بصيغ تمويلية حلال بعيدا عن التمويل الحرام.

إن صيغة المرابحة والسلم والتأجير المنتهي بالتمليك صيغ إسلامية لتمويل الاستهلاك في بلادنا، عوض التعنُّت في اعتماد صيغ التمويل الربوية الاستهلاكية التي دمرت واستنزفت ثروات اقتصادنا، ما جعلنا ندفع الثمن غاليا ونترك الدول المصدرة تحقق نتائج جد متطورة على حسابنا.

إننا لن نتطور أبدا ما دمنا نعتمد على الصيغ التمويلية الربوية الداعمة للسلع الأجنبية ونترك سلعنا الوطنية دون صيغ داعمة، ولن تتحرك عجلة اقتصادنا بشكل قوي ما دمنا لم نؤسس لمنظومة مصرفية كاملة متكاملة خالية من الربا تمكن كلا من المنتج والمستهلك من التمويل الحلال الخالي تماما من الربا والمبني على قاعدة الغنم بالغرم.

فمتى يتوب بنكنا المركزي من تعنته ورفضه للصيغ التمويلية الاسلامية، وكأننا نعيش في دولة لائيكية تحرِّم حتى التمويل الاسلامي الخالي من الربا رغم أن المعنيين به هم شعب دستورهم ينص على أن الاسلام هو دين الدولة، ونسوا بأن هذا الدين حرّم الربا وجعلها كبيرة من الكبائر، فمتى تتوب يا بنكنا المركزي؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق