أعلام الجمعية

الحاج محمد لبلق باني دار الآداب بالحنايا/أ.محمد الهاشمي

 

0000جلس أمير المؤمنين عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- إلى جماعة من أصحابه فقال لهم: تمنّوا؛ فقال أحدهم: أتمنى لو أن هذه الدار ملئت ذهبا أنفقه في سبيل الله؛ ثم قال تمنوا؛ فقال رجل آخر: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤا وزبرجدا وجوهرا أنفقه في سبيل الله؛ ثم قال تمنوا؛ فقالوا: ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين. فقال عمر: ولكني أتمنى رجالا مثل أبي عبيدة؛ ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة؛ فأستعين بهم على إعلاء كلمة الله. فالرجل الحقيقي هو الذي يبذل وقته وصحته وماله من أجل خدمة الأمة ونفع الناس وحمل الخير إليهم.

واليوم -إن شاء الله- نتعرف على رجل من هذا النوع الذي ذكره عمر بن الخطاب ألا وهو الحاج محمد لبلق ولد عبد الله صاحب الهمة العالية والنفس الطموحة.

مولده ونشأته:

ولد بتاريخ: 18/07/1915 بالحنايا ولاية تلمسان ينتمي إلى أسرة فلاحية من أعرق العائلات بها. تربى يتيما في حضن أمه “زليخة الدايري” بعد أن توفي والده وهو لم يتجاوز السنة -واليتم في كثير من الأحيان منحة في طي محنة- فاعتنت بتربيته وتعليمه فدفعته إلى الكتاب لحفظ القرآن الكريم كأقرانه، ثم انتسب إلى المدرسة الفرنسية وحصل على الشهادة الابتدائية؛ واشتغل بالتجارة ، حتى أصبح موردا للخارج وفي سن التاسعة عشر تزوج وبعدها انتقل إلى مدينة تلمسان لإدارة تجارته؛ وهناك تعرف على جماعة مصالي الحاج فانتمى إلى حزب الشعب الجزائري.

نشاطه الإصلاحي وصلته بالامام الإبراهيمي

احتك بالأندية الثلاثة التي كانت تنشط بتلمسان (نادي الرجاء، النادي الإسلامي ونادي السعادة)، وبعد طلوع نجم جمعية العلماء المسلمين الجزائريين برئاسة الإمام العلامة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي بتلمسان ارتمى محمد لبلق في حضنه، وكانت اللقاءات تتكرر أولا بدكان الحاج محمد بوحجر (دار زقاق الرمان) وثانيا عند افتتاح مدرسة دار الحديث؛ إذ أصبح ملازما لدروس الشيخ ومقربا منه ومحبوبا عنده وأصبح يكلفه بكثير من المهام، وكان يرفقه معه حيثما حل وارتحل.

وبعد أن اهتدى إلى الطريق الصحيح الذي يؤدي إلى الإصلاح الاجتماعي والديني ألا وهو طريق جمعية العلماء المسلمين الجزائريين اكترى بيتا ليجتمع ببعض إخوانه وأسس به “النادي الإصلاحي” الذي كان النواة الأولى لتأسيس مدرسة دار الآداب بالحنايا وقد قال فيه الشيخ البشير الإبراهيمي عند افتتاح إحدى مدارس الجمعية وفي ملأ الناس:”اللهم اجعل لنا في كل بلدة أبلقا”ويقول الشيخ بن يونس: لقد روى لي الشيخان اللذان كانا يلازمان الشيخ البشير الإبراهيمي وهما “الحاج عبد القادر الشيخاوي والحاج عبد الرحمن القورصو” أن الشيخ البشير أسر لهما يوما قائلا: “لو أن لي عشرة مثل الأبلق لحررت الجزائر”.

وعند تزويج الشيخ البشير ابنه البكر محمد دعا بعض المشايخ لحضور حفل الزفاف من مختلف المدن وألح على محمد لبلق بالحضور وهنا تساءل أحد المشايخ قائلا للشيخ البشير: إني أرى معظم الحاضرين من كبار السن وبينهم هذا القوي الأمين كيف ذلك؟ فرد عليه الشيخ البشير: عندي في الوسط عباس تركي وفي الغرب هذا الشاب محمد لبلق ذراعي الأيمن.

ويقول الشيخ محمد شيعلي- وهو أحد تلامذة الشيخ البشير بمدرسة دار الحديث-:”إن الحاج محمد لبلق قد خصه الله بعزيمة ربانية عند جمع المال فقد كان دائما يبدأ بنفسه فيتبرع بما عنده ثم يتوجه للحاضرين فيستدر المال منهم درا؛ فلا يخلو افتتاح مدرسة أو مسجد إلا وكان الأبلق المحرك الأساسي.وأذكر أننا عند افتتاح أحد المساجد استولى الفتور على الجماعة ولم نجمع إلا القليل من المال؛ حتى أطل علينا الحاج محمد لبلق فاستبشر الناس به خيرا وفي رمشة عين جمعنا ما يكفينا.

فضله في بناء مدرسة الآداب بالحنايا

اقترح على الشيخ البشير بناء مدرسة بالحنايا فقال له الشيخ: يا محمد يا بني لازلنا لم تنته من مشاكل بناء دار الحديث؛ كما أنك تعرف أن بناء مدرسة في الحنايا أمر صعب إذ يسكنها الكثير من المعمرين؛ فمن الصعب أن تفتح علينا بابا يصعب غلقه. فقال الحاج محمد لبلق أنا أتكفل بالمال والبناء ولا أطلب الا رضاك وحضورك يوم افتتاحها فوافقه الشيخ ودعا له.

وشرع الحاج محمد لبلق وإخوانه من أهل الخير والإصلاح بالحنايا وللتاريخ نذكر ثلة منهم “بلقاسم بن شهرة -ازناسني بلحاج – هادف بوعزة –بوشيخي عبد الكريم -بخشي مصطفى -مامي جيلالي وحجري عبد الرحمن وغيرهم كثير واشتروا قطعتي أرض وكانت المدرسة التي سميت على بركة الله مدرسة دار الآداب بالحنايا وكان يوم افتتاحها 17 جوان 1950 وكان يوما مشهودا أبلى فيه الشيخ الإبراهيمي بلاء حسنا؛ وألقى كلمة مطولة لازال صداها يتررد إلى يوم الناس هذا. قد نقتبس منها جملا: “هذه القرية التي أحياها الله بالعلم بعد أن استيأس الناس من حياتها وستبقى حية قوية لأن حياتها مستمدة من الروح لا من المادة.وحياة الروح والعلم لا يدركها الفناء وكأن الله تعالى ضرب المثل بهذه القرية الضعيفة للمعتبرين وأقامها حجة على المتخلفين”.

“إن فخر هذا اليوم ليس لهذه القرية وحدها وإنما هو فخر الوطن الجزائري وليس لمصلحي الحنايا الذين صبروا حتى أراهم الله عاقبة الصابرين وإنما هو للأمة الجزائرية كلها؛ يعم حتى المثبطين والمعاكسين والهادمين؛ إننا قوم نبني للأمة ولأبناء الأمة؛ وإننا لنعلم أن فيها من يحاربنا ويفتري علينا العظائم؛ ويسعى جهده ليهدمنا وما بنينا؛ وحسبنا ردا عليهم أن نعمل وهم يقولون…..”

بعض مواقفه

– ومن مواقف الحاج محمد لبلق أنه كان يداهم عصابات الخمر وجماعات القمار في أوكارهم ويدعوهم إلى طريق الصواب بالتي هي أحسن؛ وإلا بما يستحقه الموقف.

– ويوم افتتاح مدرسة دار الآداب بالحنايا حمل رئيس البلدية على ربط المدرسة بشبكة المياه محتجا عليه بما فعله مع الكنيسة؛ كما تحمّل -أمام السلطات الاستدمارية- مسؤولية التنظيم وحفظ الأمن فأسنده إلى  الكشافة الإسلامية الجزائرية تحت إشراف رجال الإصلاح.

– ولما أغلق الاستدمار الفرنسي مدرستي بني هذيل اتخذ قرارا شخصيا واستقدم تلاميذ بني هذيل إلى مدرسة دار الآداب بالحنايا لمتابعة دروسهم ووزعهم  على بيوتات الحنايا دون أن يرد له أحد طلبا. وكان من نصيب المرحوم جلول قندوز التلميذ لواج محمد المدعو فيما بعد الشهيد الرائد فراج.

-كذلك تنقله وبذله المال حيثما كان نشاط جمعية العلماء المسلمين الجزائريين فعمل مع الشيخ السعيد الزموشي بوهران والشيخ الياجوري وشارك في بناء مدرسة “دار الفلاح” بوهران ومدرسة عين تموشنت  التي كان يشرف عليها الإمام الشيخ البجاوي ومدرسة الرمشي التي كان يشرف عليها الشيخ الهبري المجاوي وساهم في بناء مدرسة التعليم العربي بأولاد ميمون التي كانت تحت إشراف الشيخين: القباطي والعياشي.

– كما أنه تكفل وإخوانه بالطالبين يخلف بوعناني وإمام مسجد سيدي يحيى بندرومة بإرسالهما كبعثة إلى جامع الزيتونة؛ وكان يرسل إليهما منحة شهرية تعينهما على دراستهما.

وعندما شحت مصادر الأموال أثناء بناء المدرسة انتقل إلى فرنسا وبلجيكا ورغم الظروف القاسية فقد جمع مبلغا محترما وأشهد أربعة من المغتربين عند إرساله إلى الحنايا.

– ومما يذكره به أهل الرمشي والحنايا عند عودة عماله من المزرعة يأمرهم عند دخول القريتين وهم ينشدون “موطني ؛ من جبالنا” تحديا للمعمرين.

– كما كان يشترط على المقبلين على الزواج إن هم أحيوا الحفل بالذكر والأناشيد التكفل بإرسال فرقة لإحياء الحفل ويحمل أعضاءها بالهدايا الثمينة يدفع قيمتها من ماله الخاص وكذلك يفعل مع العروسة.

– وبعد أن نالت الجزائر استقلالها طلب منه سكان الحنايا تولي منصب رئاسة البلدية فرفض بكل قوة وقال لإخوانه: هل تحملون عني أوزارها يوم القيامة؟؛ وما أدهشني وشد إعجابي هو أن هذه العائلة لازالت تحتفظ حتى بالأواني التي أكل فيها الشيخ البشير الإبراهيمي فهذه جفنه وتلك سينية؛ وهناك نام وهنا جلس.

الهجرة الأخيرة

وفي سنة 1972 ألم يتحمل صدمة قرار تأميم الأرض الفلاحية التي كانت تعود إلى أجداده وكان يسخر خيراتها للأمة، فهاجر في صمت إلى فرنسا وهو يحمل همّ ذلك في صدره؛ وهناك انتمى إلى مسجد مرسيليا ليصبح عضوا نشيطا.

وكانت وفاته – رحمه الله- يوم 20 أبريل 1993 بمرسيليا ونقل جثمانه إلى الحنايا وأقيمت له جنازة مهيبة حضرها رجال العلم والإصلاح وغصّت  الحنايا بالناس من المعزّين الباكين.

عاش الحاج محمد لبلق نظيفا شريفا عفيفا وزعيما وبطلا خدوما لدينه ووطنه. وهكذا يخلد الحاج محمد لبلق لأعماله وصدق من قال “الرجال أعمال”.

رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق