تحاليل وآراء

البلدية والأيدي المطلقة والمقيدة/أ.ابراهيم قمور

guemour1في مجرى اللقاءات والمناقشات القائمة، هناك المجالس الشعبية البلدية تطالب منحها السلطة الواسعة، والقدرة الكاملة كي تتصرف بحرية مطلقة في شؤون المواطنين والوطن، وتتناسى هذه المجالس أنه في وقت مضى كانت تمتلك وسائل التصرف بغير حدود، فماذا فعلت يومئذ؟

إنها أقدمت على تقطيع أوصال الأراضي من غير دراسة جدية، وتوزيعها للبناء بدون مقاييس هندسية؛ فانتشر البناء الفوضوي في أرجاء الوطن، وإن شئت البرهان، فاخرج إلى أية قرية أو أية مدينة، حيث تجد أمامك تلك الظاهرة الفوضوية التي أنشأتها ووسعتها المجالس الشعبية البلدية –وذلك إما لنقص التجربة، أو ضغط الظرف الاجتماعي، وإما السعي وراء المغانم السهلة التي يكفي فيها الإحراز على الإذن بتجزئة الأراضي وتوزيعها بكيفية تضمن ربحا معينا لأطراف مخصصة.

 والذين يكتبون في أوضاع المجالس الشعبية البلدية وانتخابها، ومهامها الواضحة والغامضة، المحددة والمطلقة، يختلفون في أمور التسيير والإنجاز من جانب البلديات، يرى بعضهم أن إطلاق أيدي البلديات يجعلها تبالغ في استعمال صلاحياتها، بما يكون سببا مؤثرا في انتشار البناء الفوضوي الذي لا يكتمل خلال سنوات تتبعها سنوات، ومميزاته بعيدة عن التخطيط العمراني، والذوق الجمالي، والترتيب الانسجامي الذي يجعل الأحياء السكنية في مختلف القرى والمدن، بل الأرياف ملائمة لطبيعة العصر، بينما يرى البعض الآخر أن تلك المجالس بريئة مما حدث من فوضى في البناء لماذا؟ لأنها كانت تتلقى التدخلات من فوق، ومن ذلك تخلق أوضاعا يستفيد منه أولئك الفوقية بالدرجة الأولى، ثم فئات المنتظرين بجانب الطريق، والباحثين عن الثغرات الاحتيالية، والأساليب المشحونة بالعواطف الازدواجية التي تقدم للاستهلاك اليومي الجماهيري. المهم أن اللقاءات والمناقشات التي تتطرق إلى قضايا ومهام البلديات فيها الجد وفيها الهزل، ومع ذلك فإنها تتفق في الاتجاه إلى البحث عن الفائدة الفردية والفئوية، لتكون الهدف الرئيسي الذي يشار إليه في الخطابة الاستهلاكية والحماسية.

والإصلاحيون عندنا فريقان: أحدهما يفضل إطلاق أيدي البلديات ومتابعتها بالإرشاد والنصيحة، وغلق أبواب الانحراف أمامها دوما، وثانيهما يذهب إلى تقييدها بالقوانين، وبخطة المساءلة والمحاسبة، وبذلك تزول ظواهر المحاباة وعوامل التدخلات، ومعالم الفوضى المروعة، وهذه الفوضى المشهودة من حولنا في الأحياء السكنية قد انتبه إليها المسيرون بعد فوات الأوان، ولم يعد في إمكانهم إصلاحها كما ينبغي، وقد جاءت بسبب التهاون، وإسناد الأمور إلى العاجزين فكرا وعملا، وإلى أصحاب الاندفاع وراء جلب الثروة، وشراء المنزلة والشهرة بأموال الآخرين.

أتدرون أنه في بلدان أخرى قريبة منا حينما تشتد الرياح والعواصف، وتتهاطل الأمطار بعنف، لا ينام أعضاء المجالس الشعبية البلدية، وخاصة “الرئيس” وذلك للخوف من سقوط شجرة، أو انهدام منزل، أو انطلاق تربة، أو وقوع أحداث مما يمس صلاحيات البلدية، فتصبح العقوبة قائمة، أما عندنا فلا تجتهد هذه المجالس إلا في تقطيع الأراضي وتوزيعها بطرق ملتوية أحيانا، وكيف يمكن لهذه المجالس أن تنظم الأمور، وترقب الأولويات في الإنجازات المختلفة، وأعضاؤها يتقدمون إلى الانتخاب من غير أن يعرفوا بدقة ما هي واجباتهم وميادين أعمالهم الأصلية والفرعية، وحدود مسؤولياتهم في إطار خدمة المصلحة العامة، ومع هذا تطالب بعض المجالس بحرية التصرف، وتمكينها من توزيع السكنات الاجتماعية، والمحال التجارية، وقطع الأراضي للبناء الفردي الشخصي، والنتيجة أنه لا سبيل قادرة على إصلاح الفوضى التي سادت ميدان البناء لمساعدة البلديات، وسواء أطلقت أيدي وأرجل البلدية أو قيدت بالحديد، فالفساد الناجم عن الفوضى قد تعمق وامتدت جذوره في أعماق وسلوك المجتمع، وكل إصلاح بات عويصا بشكل يصعب التغلب عليه، ومن العلل لهذا الوضع التفريط في تطبيق القانون، وغياب مبدأ المساءلة والمحاسبة، والبزنسة مع أصحاب “الشكاير” الذين غمرهم الحظ بالأموال من غير تعب ولا نصب، ولا لغوب مع وضع البرامج والأهداف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق