كلمة الرئيس

المأساة السورية من جنيف 2 إلى تونس 3/أ.د عبد الرزاق قسوم

images01ساعات العسرة، هذه، التي يعيشها شعبنا السوري المحاصر، في حمص، وحلب، وريف دمشق، وغيرها، إذ زاغت فيه الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر. ساعات العسرة هذه، التي تطوق فيها، الجماهير السورية، بالخوف والجوع، والأشلاء والدموع، وهدم المساكن والربوع، والعيش على الشموع، بسبب براميل المتفجرات، وما تقصفها به الطائرات، في هذه الظروف المأساوية ترهف هذه الجماهير سمعها، وتوجه بصرها إلى جنيف 2.

وجنيف 2، صالونات ذات أرائك وأثاث أثير، ودفء وفير، وشراب غزير، يلتقي حول موائده، ممثلو النظام السوري بصلافته وعتوه، والائتلاف بتشرذمه وغلوه، في حوار للصم، تحت إشراف عصبة الأمم.

ليت شعري، هل يدرك المتفاوضون معاناة شعبهم الكسير؟ وهل هم واعون لمحنة المعذبين من الجماهير؟ هل يعملون –بحوارهم- على مسح الدمع الغزير، والسمو إلى تحقيق طموحات شعبهم، في العيش القرير، وحرية تقرير المصير، وخلاصه من قبضة الاستبداد، والعيش الحقير؟

إن المقدمات تدل على النتائج، واختلاف الرؤى والنوايا، والمقاصد بين المتحاورين، لا تبشر بإمكانية تحقيق النتائج المتوخاة. ذلك لأن الغاية الكبرى من الحرب الدائرة، والتي لا تعلن عن نفسها، هي إحداث التغيير. وعملية التغيير، تتطلب الشجاعة في القيام بعملية جراحية، عميقة، تتمثل في تغيير الشكل والمضمون، واستئصال أصل الداء، وإصلاح ما أفسده الظالمون والمجرمون.

إن نهاية المأساة في سوريا، تبدأ بتغيير الوجوه، فقد سئم الناس، الاستبداد بالحكم أطول مدة، والاتجاه إلى الوفاق، بدل الرفاق، والاتفاق على الحكم، بدل الشقاق.

إن الحقيقة التي غابت عن أعين العقلاء في سوريا، هي أن مشكلتهم لا تحل في جنيف 1 أو 2 ولا في موسكو أو واشنطن، وإنما تحل في دمشق. فما دامت المشكلة سورية فإن السوريين، على اختلاف إيديولوجياتهم وقناعاتهم، هم أحق الناس بالبحث عن إيجاد الحلول الناجعة، والاتفاق على منهجية للحكم نافعة.

إنهم لو فعلوا ذلك، لجنبوا بلادهم كل هذا الدمار، وويلات العار والشنار، وحماية شعبهم من الهروب والفرار، مخافة الاعتقال أو التعذيب، أو الانفجار.

لقد كان للسوريين، في تجربة الجزائر مثل يقتدى. ففي سفوح الجزائر، وجبالها، تم الحوار بين المتخاصمين إلى حد التقاتل، فكان الحوار الذي قاد بالمصارحة إلى المصافحة، ثم المصالحة، وها هي الجزائر اليوم تنعم بالاستقرار، والأمن والأمان. وما كان لهذا الانجاز أن يتحقق، لو لم يغمس كل واحد يده في أحشاء قلبه، لينزع منه الحقد والضغينة، ويعمل على إرساء السفينة ووضعها بين أيد أمينة.

وللسوريين مثل آخر يحتدى، وهو تجربة تونس الشقيقة. فقد مثل التونسيون أحسن مثل في الحفاظ على البلاد والعباد، بتحقيق ثورة الياسمين، عندما أسقطوا بروح سلمية نظام الظلم والاستبداد، وكانت هذه هي تونس 1، ثم جاءت الانتخابات الحرة النزيهة التي أفرزت انتصار النهضة الإسلامية، فلم تغرها نشوة الانتصار، وفضلت تقاسم الحكم مع شركاء غير إسلاميين، حفاظا على تونس، وكانت تجربة ما يعرف “بالترويكا” أي الحكم الثلاثي الأقطاب الذي قاد البلاد إلى بر الأمان، وكانت هذه هي تونس 2، ثم جاء تعاقب الحكومات الثلاث على حكم تونس، بدء بحكومة النهضة، وانتهاء بحكومة الكفاءات المحايدة، وما صاحب ذلك، من مجلس تأسيسي توافقي، واعتماد الدستور، والحوار الشمولي، وتلك هي تونس 3.

إن المهم من كل هذا، أنه تم في تونس، وليس في جنيف واحد أو اثنين. فالبناء الصحيح الذي يكون مضادا لكل أنواع الزلازل، إنما هو البناء الذي يتم بتربة الوطن، وأحجاره، ومياهه، وبإشراف مهندسيه وبنائيه. لذلك أمكن القول بأن تونس قد استفادت من ياسمين الربيع العربي، ولم تتلوث بدماء عنفه، وتشرذم صانعيه، وانقلاب بعض مريديه. لذا نهيب بالأشقاء السوريين، حكاما ومعارضة، أن يتخذوا من الجزائر في مصالحتها، ومن تونس في توافقيتها، أحسن مثل لإخراج بلادهم مما تعانيه..

وكما يقول الإمام محمد البشير الإبراهيمي: “متى كانت “بوزريعة” مصدرا للشريعة؟”، ونحن نقول: “متى كانت جنيف بمختلف أعدادها مصدرا للتقنين، وأمانا للخائفين، وحكَما للمتقاتلين؟”.

فيا أشقاءنا في سوريا! لئن عسر عليكم حل مشاكلكم في دمشق، وهي مأوى ذئاب كدرت صفو الحياة كما يقول الشاعر الجزائري صالح خرفي، فلتتخذوا من أية عاصمة عربية أو إسلامية، مقرا لحواركم، ويكون الحكَم في كل ذلك، ضميركم، ووعيكم، ووطنيتكم، فهناك دماء تراق، وأرواح تزهق، وربوع تُباد، فلتتقوا الله في وطنكم، فإن البقاء في البدء والختام، لسوريا، وإن الأشخاص مهما عتوا سيزولون والبقاء للأصلح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق