أحداث دوليةحدث وتعليق

حين يتحالف القضاء مع الاستبداد..!/أ٠كمال أبوسنة

      14251أفزعني كما أفزع كل مقدِّر لقيمة أرواح المسلمين ودمائهم الحكم القضائي الجائر الذي حكم به أحد قضاة الانقلاب في مصر على المئات من الرافضين للاستبداد العسكري الذي  أطاح بأول رئيس مدني منتخب في أرض الكنانة…حيث حكم هذا القاضي في يومين بالإعدام على 529 من رافضي الانقلاب -والبقية آتية- وأحال ملفاتهم على المفتي ليضع  بصمة   الشرع على هذا الظلم..!

  وعجبتُ كما تعجّب غيري لتصفيق ثلة من الكُتَّاب والصحفيين والمثقفين والفنانين لهذا “الحكم الجائر” الذي يعد سابقة في القضاء المصري الذي تسيس وتسوس، ومال كل الميل إلى طرف على حساب طرف آخر…وقد قال أحدهم وهو محسوب على بعض العلمانيين المؤيدين للانقلاب: “لا يجوز التعليق على أحكام القضاء الذي حكم على الإرهابيين بالإعدام” يقصد 529 من رافضي الانقلاب، والعجيب أن هذا “المخلوق” وأمثاله من العلمانيين يعلقون على أحكام الله رب العالمين بكل جرأة، ويرفضونها باسم حرية الرأي والتعبير…فمالكم كيف تحكمون.؟! ألهذا الحد أصبحت أرواح الناس ودماؤهم رخيصة يتاجر فيها الاستبداد السياسي مع القضاء الظالم، ويصفق لهما في أسواق النخاسة الذين يدّعون أنهم أرباب الحرية والتحضر..؟!

الاستبداد السياسي حين يضعف بعد قوة، ويعود إلى قوته الأولى أو أشد بعد ضعف، يفقد الشيء القليل الذي كان يملكه من قبل من المنطق السليم، والتفكير العقلاني، فيتصرف تصرف المجنون الذي لا يقدّر العواقب، ويسير في طريق المغالبة الشرسة التي لا تؤمن بالحوار والمجادلة بالتي هي أحسن، ويحيك المؤامرة المفضوحة التي تتبنى كل وسيلة من أجل الوصول إلى الغاية، ويسعى السعي الحثيث لاستئصال الخصوم من الساحة على مذهب فرعون الأول القائل:{ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ}..!

ويزيد الطين بلة حين يساند “القضاء” هذا “الاستبداد” بالموالاة والتنكيل بخصوم الجبرية باسم القوانين التي من المفروض أن تحمي الإنسان من ظلم أخيه الإنسان، وتحفظ له حقوقه حتى لا يستغل القوي قوته فيغتصب حق الضعيف، أو يتعسف في استعمال سلطته فيتحول في أرض الله إلى إله يُعبد من دونه..!

لقد كان السلف قديما يفرون من تولي القضاء، وهم عدول، فرارهم من الأسد، لأنهم كان يدركون مدى خطورته، وثقل مغارمه في الدنيا والآخرة، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: “القضاة ثلاثة: اثنان في النار وواحد في الجنة: رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل عرف الحق فلم يقض به وجار في الحكم فهو في النار، ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل فهو في النار” [رواه الأربعة وصححه الحاكم].

يقول الإمام ابن القيم-رحمه الله- في كتابه القيم (إعلام الموقعين عن رب العالمين 1/30-31): “ولهذا جاء في القاضي من الوعيد والتخويف ما لم يأت نظيره في المفتي، كما رواه أبو داود الطيالسي من حديث عائشة -رضي الله عنها- أنها ذُكر عندها القضاة فقالت: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم- يقول: “يؤتى بالقاضي العدل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في تمرة قط “. وروى الشعبي عن مسروق عن عبد الله -رضي الله عنه-يرفعه: “ما من حاكم يحكم بين الناس إلا وكِّل به ملك آخذ بقفاه حتى يقف به على شفير جهنم، فيرفع رأسه إلى الله فإن أمره أن يقذفه قذفه في مهوى أربعين خريفا “…وقال عمر بن الخطاب –رضي الله عنه-: “ويل لديان من في الأرض من ديان من في السماء، يوم يلقونه، إلا من أمر بالعدل، وقضى بالحق، ولم يقض على هوى، ولا على قرابة، ولا على رغب ولا رهب، وجعل كتاب الله مرآة بين عينيه“…

ولأن القاضي في الإسلام كان يقضي وكأنه يرى الله، فإن لم يكن يراه فكان متيقنا أن الله يراه، فقد كان الحاكم، مهما بلغت قوته، والمحكوم، مهما بلغ ضعفه، يستويان عنده حتى يأخذ الحق من القوي فيرده على الضعيف معززا مكرما، بل وتمتعت بعدل القضاء الإسلامي كل نفس منفوسة، من كل الديانات والأعراق، عاشت تحت سماء الخلافة الإسلامية، فلم تخف ظلما ولا هضما…ولذلك نَحِنُّ -نحن المستضعفين في الأرض- إلى عودة القضاء الإسلامي كما كان قبل أن يتخلص منه الاستعمار الغربي الصليبي بعد غزوه أراضي المسلمين مشرقا ومغربا..!

إن القضاء هو الدعامة الأولى للاستقرار وضمان العدالة الاجتماعية فإذا أصابه الوهن أو تحالف مع الاستبداد السياسي فأقم على الأمة مأتما وعويلا..! 

كمال أبو سنة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق