أركان خاصةمختارات أدبية

احتقار هنا وافتخار هناك

  ظاهرة محيرة حقا، وباعثة على التأمل الواعي، ورغم أنها متصلة بنتائج التربية وانتقال التراث بين الأجيال المتعاقبة، إلا أنها لا تخلو من مؤثرات البيئة المحيطة القريبة والبعيدة على السواء، إنها ظاهرة جديرة بالعرض والبحث واستخلاص العبرة، لأنها تكشف عن معالم متفشية في الواقع، من حولنا، وتعكس موقف التغير في المناصب والمهام.

وهي أنه حينما يتغير عامل أو موظف من منصبه –عندنا- لسبب من الأسباب يخيم على المعني جو من الأسى والأسف، وتوصف العملية من طرف المقربين منها بالكارثة، ولما يقبل الجديد إلى ذلك المنصب يحس الذاهب منه وكأن هذا القادم الطارئ قد أبعده عن المكانة التي كان فيها إبعادا، فيتخذه عدوا له، لا ينبغي أن يحادثه ولا يقترب منه بل يحتقره احتقارا، ثم يبدأ هذا القادم في الاستنقاص مما وجده في الميدان، ويشكو من فساد وفوضى ما ورثه عمن سبقه، ويتظاهر بأنه سيبعث كل شيء من جديد، بعد أن يعيد التهيئة والإعداد، ويتشجع على الحديث بأنه وجد الأمور مريضة بداء الخراب، وقد يندفع في بسط المثالب الشخصية والعملية.

وهذا الأسلوب أصبح يمارس من جانب الذين يأتون إلى المناصب التي كانت مسندة إلى غيرهم، وهو موقف يخالف سياسة المواصلة لما وقع التخطيط له، وإنجاز ما كانت البداية قد حددت له بدقة وعناية، ولكن رغبة إعادة البدايات والمنطلقات تسيطر على قوم.. هنا.

والظاهرة، عندهم هناك في دنيا أخرى حينما يجري التجديد في المناصب يلتقي الأشخاص الجدد مع الأشخاص القدماء في تلك المناصب ويكون الحديث المتبادل بينهم لطيفا معبرا عن شيء من الصدق في الثناء والتقدير، ومما يقال فيه على سبيل المثال الواقعي: إني جئت لأكمل ما بدأته أنت، وإنني فخور بتولي هاته المهمات التي انطلقت فيها وحققت نتائج باهرة –حسب ما أرى- تعد مثالا رائعا للجودة والإتقان، والحرص الشديد على إبراز ما تنجزه بما يستحقه من الجهد والوقت والمثابرة، وفي هذا دلالة على مدى الانضباط الذي تلتزم به في الأعمال ذات المصالح العامة، وآمل أن أستطيع الاقتداء بك، فأكمل ما بدأته بنفس الإرادة والحزم.

ويواصل الجديد –في المنصب- الأعمال دون توقف أو تردد، وكأن استخلاف هذا بذاك لم يقع، وكأن المشاريع ذات الحلقات المترابطة لا تتعرض إلى الانقطاع ومرحلة التغيير، بسبب ذهاب أشخاص ومجيء آخرين للإشراف.

ولهذا تنجز بعض البلدان المخططات الإنمائية بسرعة ونجاعة فائقة، بينما تشهد بلدانا أخرى السباحة الدائمة في بداية المشاريع والأهداف وعدم الانتهاء منها بسبب إعادة البناء المتكررة من طرف المشرف الجديد.

وعن الأسئلة التي تطرح هنا، لماذا نجد نفس الظاهرة، التغير في المناصب تستقبل عند هؤلاء بطريقة “المثالب” وعند أولئك بمنهج عرض “المناقب” إنهما موقفان مختلفان أمام ظاهرة، أحدهما فيه شبه عداوة وفيه هجوم على الشخص نفسه، لما لا يحسن أن يساق إليه من نقائص ومعايب، والآخر ينطوي على لون صداقة وارتفاع إلى حيث الثناء عما أنجز من عمل، واختلاف الموقفين بين هؤلاء هنا وبين أولئك هناك ما سببه؟

ربما يرجع الأمر إلى التنشئة، أو إلى الموروث الأخلاقي التقليدي الثابت، أو إلى العادات المتأصلة في الفردية الطاغية، وغياب تربية متوازنة تنمي الدوافع الكافية القائمة على روح التضامن والتكافل القومي والإنساني.

أليست هذه الظاهرة محيرة وباعثة على القلق والتأمل؟ بلى، ولذلك يجب أن تناضل الأحزاب والتنظيمات الشعبية ضد هذا الاتجاه السائد عندنا، والذي يجعل الذاهبين من الوظائف والمهمات شياطين لم يتركوا من ورائهم إلا الدمار، والبدايات المتعثرة لمشاريع متوقفة وقد ذهبت الأموال المرصودة لإنجازها سدى، ومن غير أن تدفع بها خطوة واحدة إلى الأمام. ألسنا نحن المسلمين بحكم ديننا الإسلامي الحنيف، أولى من غيرنا بتبادل التهاني والتحديات لما ينتقل موظف من مصلحة أو منزلة ويخلفه فيها أحد غيره؟

إنه لغريب هذا المشهد الذي يحكم عما تركه السابقون بأنه ناقص وأنه خراب، وهو مشهد يسطر على تصورات طائفة بيننا، فتنقاد إلى احتقار ما تراه.

فمتى نكف عن ظلم السابقين بالتقليل مما أنجزوه، ولا ندعي أننا نبني كل شيء من العدم، ونرفع صوتنا بذلك؟ إن الأحكام الخاطئة مفسدة للشؤون الماضية والحاضرة من دون شك.

بقلم: إبراهيم قمور

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق