تحاليل وآراءحدث وتعليق

يا أغنياء الجزائر أين صندوق ثُلُثُ الخير؟

مسدور فارس كنت في زيارة لدولة الكويت الشقيقة، هذه الدولة التي برزت من خلال أهمية القطاع الثالث المنظم تنظيما علميا محكما، وكان لهذا القطاع دور فعال في كل أنحاء العالم، حيث تسهم مؤسسات المجتمع المدني الكويتي في الأعمال الخيرية الإغاثية والتنموية عن طريق استغلال الفوائض المالية التي يتم جمعها من خلال الصدقات والزكوات والوقفيات وغيرها من المصادر التي تعددت في هذه الدولة الصغيرة الغنية، وقد كان لذلك أثر طيب في قارة آسيا وإفريقيا، وحتى في القارة الأوروبية والأمريكية، بل وصل نشاطهم إلى أستراليا.

 وتساءلت كيف أن بلدا صغيرا كالكويت يمكن أن يدخل كل دول العالم بأعمال الخير وينشر تلك الأفكار الإيجابية عن مجتمع مسلم لا يبتغي من رواء ذلك شيئا سوى خدمة الإنسانية من مطلقات إسلامية، فبيت الزكاة الكويتي يعتبر أعظم مشروع في العالم العربي والإسلامي في مجال الزكاة، يعادل في حجمه أكبر وزارة للمالية في العالم الإسلامي، بتنظيم محكم ودقيق، وكفاءة تسييرية عالية تستند إلى أرقى ما وصل إليه العلم في مجال الإدارة.

وأمانة عامة للأوقاف تعتبر نموذجا عالميا في ترقية أداء الوقف في العالم الإسلامي، أسست صناديق وقفية متخصصة في شتى المجالات العلمية والصحية والثقافية وغيرها من المجالات التي تنمي المجتمع، وأصبح نشاطها الإبداعي الخيري عالميا بعد أن أشبعت الحاجات المحلية.

وهيئة خيرية عالمية إسلامية تعادل وزارة للتضامن في أي دولة عربية كالجزائر مثلا، نشاطها ذو صبغة عالمية مع إدارة منظمة تنظيما يخضع للمعايير الدولية.             وأنا أزور هذه الهيئات لمرات عديدة كنت أسأل صديقي المستشار الدكتور ناصر محمد المصري عن سبب تطور هذا القطاع عندهم، فاكتشفت أمرا عجيبا تعلمته منه أن هنالك ثقافة في الكويت ترسّخت لدى الأفراد والعائلات هي ثقافة “ثلث الخير”، وهي مبنية على أساس أن يوصي كل غني من الأغنياء بثلث تركته أو جزء منها ليُستثمر ويُسخّر إيراد الاستثمار لأغراض خيرية، قد تتعلق ببيت الزكاة، أو بالهيئة الخيرية العالمية الإسلامية، أو بالأمانة العامة للأوقاف أو غيرها من الهيئات الناشطة في مجال القطاع الثالث، والعجيب أن الأموال المرصدة لثلث الخير أموال طائلة، تقدر بمئات الملايين من الدولارات، ناهيك عما يجمع من زكوات، وأموال موقوفة، وتبرعات مختلفة.

وأدركت كم نحن بعيدون عن هذه التطورات الحاصلة في القطاع الثالث الخيري مقارنة مع دولة عربية واحدة، فما بالك بدول غربية أعطت للعالم دروسا في ترقية دور القطاع الثالث في التنمية الاقتصادية. إن قيام رجل الأعمال الجزائري بتسخير جزء من ثروته لخدمة أمته، هو من صميم ثقافة الجزائري المسلم، الذي لم يتنصل من عقيدته وعاداته وتقاليده، فالذي يبحث في تاريخ العمل الخيري الفردي والمؤسساتي في بلادنا يكتشف نماذج رائدة ورائعة كتب اسمها بماء الذهب، فيذكر السيد القينعي الذي كان حرفيا يشتري الكتب ويوقفها لوجه الله تعالى، بل لديه أوقاف بمئات الهكتارات أوقفها لوجه الله تعالى.

فلم لا يؤسس أغنياء الجزائر صندوقا لثلث الخير، تصب فيه كل الأموال الخيرية التي تحوّل إلى مشاريع استثمارية أو حصص في مشاريع ذات مردودية عالية تسهم في إعطاء منح لطلاب العلم، أو لعلاج الفقراء والمساكين، أو رعاية الأيتام والأرامل والمطلقات، ويكون له بذلك آثار اجتماعية راقية. أما فيما يتعلق بإدارة هذا الصندوق الذي يعتبر هيئة رسمية تتمتع بالشخصية المعنوية، يمكن أن يسير في شكل جمعية أو مؤسسة خيرية، كما يمكن أن تتبنى الدولة هذا الصندوق فيصبح مثله مثل صندوق التوفير والاحتياط الذي أصبح بنك السكن، ويسير بمنطق استثماري محض غير أن مداخيله من الأرباح تسخر لخدمة فئات المجتمع المحرومة، وما أكثرها في بلادنا.

إننا لو نتمكن من استحداث هذا الصندوق، وحدث التزام من رجال الأعمال في بلادنا بمختلف مستوياتهم، لتمكن هذا الصندوق من استثمار مبلغ سنوي لا يقل عن 1 مليار دينار وهذا المبلغ سيكون تراكميا، بمعنى أننا يمكن أن نصل إلى 10 مليار دينار خلال فترة لا تزيد عن 10 سنوات أو أقل، ومخرجاته ستكون عظيمة تعكس أهمية المبلغ المستثمر.

فهل يستجيب رجال أعمالنا لمثل هذه المقترحات، أم يبقون منغلقين على أنفسهم، يحققون أرقام أعمال خيالية في الجزائر، دون أن يكون لهم مساهمات خيرية يؤسسون من خلالها منظومة جديدة لقطاع ثالث قوي في بلادنا، وهذا لا يمكن أن ينجح ما دام رجل الأعمال يتميز بالأنانية المفرطة، تعكس المقولة المشئومة لأدم سميث: دعه يعمل دعه يمر…”

بقلم: فارس مسدور

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق