أركان خاصةمختارات أدبية

يتيم في البادية / د. عبد الحفيظ بورديم

KKECH  كانت لقريش عادة يرونها حسنة في تنشئة أبنائهم، يرسلونهم إلى المراضع في البادية ابتغاء أن يشبّوا على جلد عيشها والقاسي من أيامها وأن يشربوا من عذب مائها وطيب هوائها، حتى إذا رجعوا إلى ذويهم استجمعوا أسباب القوّة والشرف، وفي هذا بعض التفسير لعظمة ذلك الرعيل الأول الذي كان في زمان النبوة.

ولأنّ العادات الاجتماعية تغلب على الأفراد، فإني لأعجب من قلب عبد المطلب، كيف صبر على وضع حفيده اليتيم بين يدي حليمة وقد جاءته من هوازن تريد أن تحمل الرضيع الجديد إلى بادية بني سعد، كأني به قد اغرورقت عيناه ولكنّه تصبّر لما يأمله من تنشئة قوية لحفيده، وهي تنشئة “أدنى إلى تزكية الفطرة وإنماء الأعضاء والمشاعر وإطلاق العواطف والأفكار” كما يقول محمد الغزالي.

مضت خمس من السنين ومحمد صلى الله عليه وسلم مع فتيان البادية، فكان له خمسة إخوة من الرضاعة هم: حمزة بن عبد المطلب وأبو سلمة بن عبد الله المخزومي وعبد الله والشيماء وأنيسة بنو الحارث وأمّهم حليمة السعدية. وبهذا رفع بعض الشعور باليتم.

ولكنّ شأنه ليس كشأنهم، فقد أخصبت الأرض التي وطئتها قدماه ودرّت ضرع الشاة التي جعلت لحليبه، ولان عيش الحارث وحليمة وحلّت البركة في بيتهما، فأيقنا أنّ لمحمد صلى الله عليه وسلم شأنه العظيم.

وبينا الصبية يلعبون إذ رأوا من أمر محمد صلى الله عليه وسلم عجبا روّع حليمة حين علمت فهرعت إلى آمنة تخبرها ما أثبته مسلم في صحيحه من حديث مرفوع عَنْ أَنَسٍ ” أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ فَشَقَّ قَلْبَهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً قَالَ هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ، ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ لأَمَهُ ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ وَجَاءَ الْغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ ـ يَعْنِي ظِئْرَهُ ـ فَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ فَاسْتَقْبَلَتْ وَهُوَ مُنْتَقِعُ اللَّوْنِ، قَالَ أَنَسٌ قَدْ كُنْتُ أَرَى أَثَرَ الْمَخِيطِ فِي صَدْرِهِ”. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ  عَنْ شَيْبَانَ . رقمه:113.

وفي القرآن الكريم تأكيد لما رواه الإخباريون والمحدثون في قوله تعالى:{أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}(سورة الشرح/1). وقد جاءت بصيغة استفهام يراد به الإثبات، أي إثبات وقوع الشرح.

ولكنّ المفسرين ذهبوا إلى أنّه شرح قد يكون معنويا ودليلهم القرآن نفسه {فمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ}(الأنعام: 125). وجوّز صاحب التحرير أن يكون بدنيا ودليله أنه “روي عن ابن عباس أنه فسر به وهو ظاهر صنيع الترمذي، إذ أخرج حديث شق الصدر الشريف في تفسير هذه السورة ، فتكون الآية إشارة إلى مرويات في شق صدره – صلى الله عليه وسلم – شقا قدسيا”.

وقد وقع في نفسي أنّ موسى عليه السلام هو من سأل شرح الصدر {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي}(طه:25) فكانت له دعاء، وأنّ محمدا صلى الله عليه وسلم أوتي الشرح من غير أن يسـأله فكانت له عطاء، وفرق بينهما. والله أعلم.

وليس ذلك غرضنا، بل القصد يحملنا على التنبيه إلى أنّ عطاء الشرح إنّما كان في بادية بني سعد، وفيه دلالة على أنّ التنشئة التي تبني النفوس الخيّرة ترتدّ في بعض نواحيها إلى استخلاص معاني الفطرة التي في البادية، وما أوتينا إلاّ يوم نزحنا جميعا إلى المدينة فنشأ الناشئ من أبنائنا في ضيق مساكنها وازدحام شوارعها.

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق