أركان خاصةمختارات أدبية

المقامة العكاظية بقلم: البشير بوكثير

لن تضلّ أمّة أنتَ حاديها إلى دولة الجمال أيها اللغوي  المُدقّق المُحقّق، والشاعر المفلِق..

تمنيتُ لو كنتُ شاعرا فأفوز معكم فوزا عظيما.

– حدّثنا تلميذ جربوعة البار، بعدما غادر الدّيار:

قصدتُ سوق عكاظ، آملا في مناظرة الشعراء ومجالسة أهل الأدب والحُفّاظ، وراغبا في تكحيل مُقلتيّ بعيون المها واللِّحاظ، بعدما تركتُ الجزائر وأنا كسير القلب مغتاظ، لذيوع الرطانة الأعجمية، وتضييع البوصلة القومية، بين مفرنس سَاد، ومُعرّب خانع باعَ وحاد.

وما إن نزلتُ بذاك الوادي السحيق، المُدبّج العتيق، حتى لمحتُ ظبية تترصّع بالدّملج والعقيق، وتبكي في حرقة وشهيق، مجدا أضاعه حَفدةُ  “ابن رشيق”:

أين شعراء القبيلة، وقد أضحوا بلا جهد ولا حيلة، وهاهي أرصدتهم من المكارم الغُرّ، والخِلال الزُّهر صارت هزيلة؟

أين أحلامهم القيسية، وأصلابهم الجرهميّة، ونخوتهم القرشية، وأفئدتهم العذريّة؟

أين بأسهم العبسي، وتشبيبهم القيسي، وكرمهم الطائيّ ورفدهم الأوسي؟

أم أنهم نيام بلا أحلام، لا ينتصرون لعيون المها ولا تتحرك فيهم لواعج الغرام، ولا يأبهون لمعركة وَقُودها اشتعال ضلوع الصّبايا وهذي أعلامها لها ضِرام؟!

بل لا يزلزلهم فيض الدموع وهي تجري وِديانا لها هدير وسِجام!

يا بني مُرّة، ويا كبدي الحرّى، هذي شكاتي أتتكم زاحفة  ناحبة تترى، وهذي أهدابي هي الأخرى، تنتحر على أعتاب رجولةٍ لا تغار بالمرّة، ولو سامها اللئامُ خسفا مليون مرّة!

أيها الأعارب، من قبائل غامد وبني محارب:

أين أنتم من مروءة “تغلب” وسماحة “تميم”، وقد أوقدتم النّار بل العار في الهشيم، وصيّرتم كبدي الظّمأى مثل عليل سقيم.

وأين “الرُّجْلة والنّيف”، التي وسَمْتُها من قبلُ في بني ثقيف؟

بسببكم هجرتُ مضارب قومي “بني أسد”، بعدما ران على قلوبهم الصّدّ والنّكران والكمد، وخانوا مواثيق الصّبوة والوصل والعهد، وتقاعسوا عن نجدة ممشوقة القوام والقدّ، وكفروا بالقدّيستيْن “هند ” و”دعد” ، فلا غرو أن تتكحّلَ عيوني  من جرمهم بشوك الرّمد، وأفارق مضاربهم للأبد.

ليت هندا أنجزتنا ما تعد، وليت دعدا ماقطعت التمائم والبُرد، وليتها خبّأتنا في الهودج وحملتنا مع ركبان نجد، ولو على مطايا وظهورِ عيسٍ شُرُد.!

يا جماعة:

أخاطب فيكم رجولة”خثعم” وفحولة “خزاعة”، وأستحلفكم بسيوف “بني عبس” الصّمصامة اللمّاعة،- التي تجيبني دوما: لكِ يا حسناء منّا السمع والطاعة-،  أن تُروِّحوا عن القلوب ساعة فساعة، وتشحذوا نصل قرائحكم التي أصابها- بلا شكّ- الصّدأ والمجاعة، وتتأهبوا لتتويجي اليوم ملكة على كلّ قبائل العرب رغم أنف ضرغام خزاعة؟!

إني أرسل على المباشر برقية النّصرة، لكلّ شعراء القبيلة بما فيهم شعراء الهجرة، وأنشد موّالَ تجهيز جيش العسرة، لإغاثة ليلات ربيعة وهوازن، وهندات بني عذرة وخولات غطفان التي لا تهادن ولا تداهن.

إنْ لم تذودوا عن الحمى والخباء، بأشعار تزلزل الفضاء، وتصل أذنَ الجوزاء، وترفع من شأن كلّ ظبية حوراء، فليس لي معكم بقاء، وسيلحقكم غدا العار والشنار والملام، بعدما تُرفع الصّحف وتجفّ الأقلام!

فهل ستلبّون نداء الهوى والحُرَق، وتهبّون عن بكرة أبيكم لمؤازرة تباريح السُّهاد والأرق؟ أم أنّ ذكريات الصّبّ العاشق الولهان، وصولات الشعر الباذخ الباسق والبيان، قد طواها النسيان، وصارت في خبر كان، في هذا الزّمان؟

يا أعزّ الناس:

أليس فيكم نخوة المهلهل وغيرة جسّاس، أم خبا بين جوانحكم النبض ومات الإحساس، فَضَننتم على هاماتنا أن تُرصّع بالزّمرّد والماس؟

إنّي أرى قبائل شنقيط واليمن وعبد القيس، تقتفي أثر “جميل” وكُثيّر” و”قيس”.. هاهي ترصّ الصفوف، وتقود الزّحوف، وتُسخّن الدّفوف، لنيل تاج الإمارة، بعدما تأجّجت فيهم الحميّة وشهوة النفس الأمّارة، فغدا تدكّ القلاع، لتحوز تاج الإبداع والإمتاع.

أمّا أنتم يا بني قومي،- وهذا شرفي في كفّي وهذا سهمي- فارتعوا مع الراتعين، واستكينوا استكانة الخاملين الخانعين، ليس لكم في سوق عكاظ ملعب للاعبين، فدونكم واللحاق بركب اليمنييّن خرط القتاد، يا مَن أذقتموني ويلات الكرى والسهاد.

يا نساء العرب:

لقد سمعتُ بشاعرٍ كلمته دوما مسموعة، يُدعى “محمّد جربوعة”، جاءكم من “عين آزال”، قبيلة الغنج والدّلال، يعزف كلّ ليلة  أحلى قصيدٍ مشفوعٍ بموّال، هاهو يستنهض الهمم، ويستصرخ بقايا القبائل والأمم، لإحياء الرّمم.. قد ركب القلوص، وأقسم أنْ لا نوم ولا جلوس، حتّى “يُعمِّد” الشعر و”يُعكّظ”  الأرواحَ والنفوس، ويُطفئ لاحقا نار المجوس!

لقد تهافتت لقدومه هنداتُ كلّ قبيلة، وتهاوت لسحره كلّ وردة وخميلة، وذابتْ لتشبيبه “بنت مُرّة الجليلة”، بعدما عمّ الظلام واختفى الضياء، وذوتْ زهرةُ  “الدّعجاء”، ورمدت “الزّرقاء”، ورثت لحالها”الخنساء”، جاء ملك الشعراء، ليُعيدَ السنا والسناء، والصفاء والبهاء، لوجوه غشيها الغبش والقتام، ومواهب وُئدت قبل تحقيق الأحلام.

أين أنت يا أبا تمّام، بل أين الشعراء الكرام، من قول القائل في بدر التمام:

أنيري مكانَ البدر إنْ أفل البدر

وقُومي مقامَ الشمس ما استأخر الفجر

ففيكِ من الشّمس المنيرة ضوؤُها

وليس لها منكِ التبسُّم والثّغــــر؟

يا شعراء القلوب:

إنّ المُحبّ الصّبّ كان يستأنس بذكر المحبوب، ويُسكِنه البآبئ وسويداء القلوب، حتى يعتريه الهزال والشّحوب، ويصير مثل صهارةٍ تذوب، حتى أنّه يعدّ ذلَّه عزّا من أجل وصال المحبوب. ولله درّ القائل:

إذا كنتَ تهوى مَن تحبّ ولم تكن

ذليلا له فاقرإِ السلامَ على الوصل

تذلّلْ لمن تهوى لتكسب عزّةِ

فكم عِزّةٍ قد نالها المرءُ بالذّلّ !

ياشعراء قبيلتي الأصيلة:

اجعلوا من هواكم إلى مَن تهوون سبيلا، ورصِّعوا تيجان أميراتكم، ولْتكن عُكاظكم إليهن دليلا.

            الجمعة : 25 أفريل 2014م

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق