أركان خاصة

عندما يصبح الطلاق مبتذلا كالمناديل..بقلم أمال السائحي

إن المتغيرات التكنولوجية التي أصبحت اليوم مصحوبة بتغيرات اجتماعية، وثقافية، وفكرية، أدت إلى بلورة إنسان العصر بسرعة فائقة مما أكسبه صبغة جديدة في علاقته ككل، وبشكل مباشر مع الأسرة النواة الأولى في المجتمع السليم، فغيّر الكثير من الذهنيات، حتى ذهنية المرأة ذاتها، التي دُفعت دفعا للالتحاق بالعمل خارج البيت، حتى تكسب قوتها وتعول نفسها، وتتحمل مسؤوليتها حاضرا ومستقبلا…

التغير الكبير الذي جرى للمرأة بعد إعطائها الفرصة للخروج والعمل في شتى الميادين، وإتاحة فرص المواصلة والاستقلال المادي والتغير الإيديولوجي، جعلها لا تتحمل زواجا لا تتوافر فيه مقومات تراها هي من زاويتها من الأساسيات في الحياة الزوجية، حتى أنها صارت تضيق ذرعا من تلك المشاكل البسيطة التي كانت في عهد والدتي ووالدتك من الأمور التي لا يتم الوقوف عندها، أو إعطاءها اهتماما بالغا، مما جعل زيجات اليوم تتسارع لإنهاء هذا الحبل الوثيق بطلب الطلاق.

وحتى الرجل نفسه، لم يعد يتمتع بتلك الشخصية القيادية، التي تمكنه من قيادة السفينة إلى بر الأمان، فهذه التغيرات التي صاحبت بصفة خاصة المجتمعات المتمدنة، أفرزت نتيجة التغيُّر القيمي، والمقاييس التي يقاس عليها الزواج الناجح. فالقيم العائلية وأهدافها قلت أهميتها بالنسبة لأفراد العائلة، وانتشر الزواج المبني على أساس الحب الرومانسي، وطبعت  الزواج في الوقت الراهن المصلحة الفردية بالدرجة الأولى، وتجرد الزواج من الجوهر الحقيقي له، الذي يعتبر الركن الأساسي لهذه العلاقة الربانية، وافتقد الخاصية التي تميزه سواه من العلاقات الأخرى بين الناس، وأعني بذلك “الرحمة والمودة”، وذاك الإيمان الجازم الذي تنبني عليه النواة الصلبة في مجتمعنا المسلم، وهي الأسرة المسلمة…

يقول الدكتور المطوع في مقاله الصادر بجريدة “السعودية اليوم” تحت عنوان: (طلبت الطلاق لأن صديقاتها طلقن): “أكثر ما نحتاجه اليوم هو جيل مثل جيل أمهاتنا، فكم من مشكلة زوجية أو عاصفة أسرية استطعن أن يدرنها بدبلوماسية وذكاء”.

ويضيف قائلا: “كنا سابقا نقول إن الانفصال يحدث بين الزوجين عندما تنقلب حياتهما لجحيم لا يستطيعان العيش معه، فيكون الطلاق هو الحل للحفاظ على سلامة أبنائهما وصحتهما، أما اليوم فصرنا نرى الطلاق يحصل لأسباب واهية أو حتى بين الزوجين المتفاهمين، وهذه ظاهرة لابد أن تدرس وتعالج، فصار كثرة الطلاق تشجع المتزوجين حديثا على الانفصال، أو أنه يمنع المقبلين على الزواج من الارتباط، حتى لا تكون نهاية حياتهما الانفصال، ومنذ يومين كلمتني فتاة لم يمض على زواجها سنة واحدة تستشيرني في رغبتها بالطلاق، فقلت لها: وما مشكلتك مع زوجك؟ قالت: حتى الآن ليس لدي مشاكل مع زوجي، ولكني أتوقع أن حياتنا الزوجية لن تستمر، فاستغربت من كلامها ثم عرفت بعد ذلك أن لها صديقة انفصلت عن زوجها منذ سنة وصديقة أخرى انفصلت منذ شهرين، فكان هذا سبب خوفها وشعورها بأنها ستطلق كذلك، وأعرف شبابا وفتيات عازفين عن الزواج، بسبب كثرة ما يسمعون من مشاكل زوجية وطلاق، في أحاديث المجتمع ووسائل الإعلام، ومشاهدة المعارك الزوجية في التويتر، فصار منهج (إذا ابتليتم فاستتروا) لا وجود له مع انتشار شبكات التواصل الاجتماعي، فأنا لست ضد الطلاق الناجح والتسريح بالإحسان، ولكن عندما يكثر الطلاق ويصبح ظاهرة وكأنها جزء من الأخبار اليومية، فإن ذلك مؤشر خطير وعظيم، يهدد كيان الأسرة ويشرد الأولاد، مهما كان المطلقان على وفاق واتفاق”.

فالطلاق أصبح هاجس خوف من الحاضر والمستقبل، وباتت الأسرة في خطر، التي قد انفتحت على العالم بشكل واسع وخطير، فاليوم بات الشباب ككل يفضل العزوبية، أو يفضل العيش مع امرأة تحت سقف واحد، بدون عهود دينية، ولا قيود مرجعية، لا للمرأة، ولا للرجل، وحينها يكون من السهل لكل منهما عند التنافر، أو بدون أي مشكل، أن يرمي الواحد منهما بذاك الشريك، كما يرمي منديلا ورقيا ولا يبالي.

وإذن فإن الزواج المشروع في المجتمع الإسلامي، بات مهددا بمقتضى ما قاله الدكتور جاسم المطوع، ومن هنا أصبح من الضروري أن نصحح للفرد  وللمجتمع نظرته إلى هذه الرابطة، التي وصفها الله عز وجل بالميثاق الغليظ، وأنها رابطة غير قابلة للفصم إلا لضرورة شرعية، وأن الزواج في الأصل كما ورد في السنة النبوية الشريفة، يهدف إلى تقوية الأمة، وليس إضعافها، ولا يمكن أن يكون هدم العلاقة الزوجية سببا لتقوية الأمة ونصرتها بل سيكون مباشرا لـ هدم أركانها وتقويض بنيانها.

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق