أركان خاصةمختارات أدبية

الأولويات المهجورة..والوفاء بالحقوق حين يكون أرجى للثواب من الإنفاق د/ عبد النبي

000 النفس تكبر حين تمتلك الشيء ثم تتركه، والعفو يعظم صاحبه حين يقدر على الخصم ثم يكفّ عنه، وكذلك الزهد يُعرف الكبار به حين يملكون الأموال بين أيديهم ثم يزهدون فيها، إنفاقا واحتسابا، وكم من شخص تمنّى على الله رزقا ينفقه، فلما أُعطي أمسك، وكم من مصلٍّ عليه دَين أبى أن يردّه، ذلك أن للمال اشتهاء لا يخفف من طغيانه إلا أن تكون رجلا، يأبى الضعف أمام المغريات، أو مخبتا يستبدل بحب المال حبا لله، يجعله ينظر من علٍ إلى لهاث الناس عليه، نظرة احتقار للمطلوب، ونظرة إشفاق على الطالب.

أخرج البخاري(8/60) عن زيد بن وهب-في باب: من أجاب بلبّيك وسعديك-قال: حدثنا والله أبو ذر بالربَذة قال: “كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرّة المدينة عشاء، استقبَلَنا أحد، فقال: يا أبا ذر: ما أحب أن أُحُدا لي ذهبا، يأتي عليّ ليلة أو ثلاث، عندي منه دينار إلا أُرصده لدين، إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا…”.

و أخرجه في باب أداء الدين(3/116) عن أبي ذر: ” كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أبصر-يعني أحدا-قال: ما أحب أنه تحل لي ذهبا، يمكث عندي منه دينار فوق ثلاث، إلا دينارا أرصده لدين..”.

وأخرجه عن أبي هريرة(9/83) في باب تمني الخيروقول النبي صلى الله عليه وسلم: لو كان لي أحد ذهبا عن النبي صلى الله عليه وسلم: “لو كان عندي أحد ذهبا لأحببت أن لا يأتي عليّ ثلاث، وعندي منه دينار، ليس شيء أرصده في دين عليّ، أجد من يقبله”.

لكل أحد أن يتمنى ما يشاء، أو ما يحلو له أن يتمناه، فإذا تحقّق مطلوبه أوفى أو أخلف، ولسنا نملك عليه إلا نية طيبة يُبديها، غير أن مَن يتمنى مثل هذه الأمنية، وتنضح سيرته بزهد في المتاع، وإنفاق في وجوه الخير: يغلب على الظن أن سيرته تنبئ عن صدقٍ، لا يدع مجالا للشك في إنفاذ ما وعد به، ويكاد الناظر يقطع بما سيفعله، وكذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم، يؤثر الناس بما يأتيه من خير، ويعيش مع أهله كفافا، ولا يعني ذلك بغضا للمال، ولا عزوفا عن السعي من أجل تحصيله، ولا تفضيلا مطلقا للفقر، يُدعى الناس إليه اهتداء وتسنّنا، ولكنه موقع القدوة يحتِّم على مَن اعتلاه أن لا يَظهر بين الناس متميزا بنعمة لا تُدرك، أو برغد في العيش يوغر عليه صدرا، أو يدنيه من تصديق شائعة، لا تحوم عادة إلا بمن تنعّم في المباح، حتى حام حول حمى المناهي، يكاد أن يواقعه، قال الكرماني-فيما نقله عنه الصنعاني في التنوير شرح الجامع الصغير-(9/329): “هذا محمول على الأولوية، لأن جمع المال-وإن كان مباحاً- لكن الجامع مسئول، وفي المحاسبة خطر، والترك أسلم. ولم يُشِر إلى التزامات مقام القدوة !

والأمر الآخر الذي لا ينبغي أن يفوت الناظرَ الالتفاتُ إليه، هو خطورة التقاعس عن أداء الديون لأصحابها، ذلك أن سياق الحديث لا يسمح باحتمال أن يكون مثل هذا التمني صادرا من شخص مُلاحَق بدَين، فضلا عن يكون مماطلا فيه، وهو أمر أثبتت الأحداث أن غير قليل ممن يهتمون بالعبادات الظاهرة يتهاونون فيه، وربما أسلمهم التهاون إلى التفريط، وهو مسلك يتعارض مع الحد الأدنى من التدين، فبانت حكمة مثل هذا الاستثناء الوارد في الحديث، حين تمنى النبي صلى الله عليه وسلم أن ينفق مثل أحد ذهبا لو أُعطيه، في أقل من ثلاث ليال، إلا أن يكون عليه دين، فذلك أحق بالأداء قبل الإنفاق، والمعنى أن يكون الأجر على الوفاء أسبق من كل إنفاق، يُرجى أجره، أو تُبتغى عاقبته، قال القاري: “…لأن أداء الدين مقدَّم على الصدقة، وكثير من جهلة العوام وظلمة الطغام يعملون الخيرات والمبرات والعمارات، وعليهم حقوق الخلق لم يلتفتوا إليها، وكثير من المتصوفة غير العارفة يجتهدون في الرياضات، وتكثير الطاعات والعبادات، وما يقومون بما يجب عليهم من الديانات..”(مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح:4/1318).

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق