كلمة الرئيس

في ذاكرة الوطن: يوم الطالب ويوم الأستاذ د.أ.عبد الرزاق قسوم

DOC-GUESSOUM1منذ ما يزيد عن ستة عقود من الزمن، أعلن الشباب الجزائري في مثل هذا اليوم من عام 1956م، ثورته على الدراسة والتدريس، فهجر المقاعد ومزق الكراريس، وألقى بالطبشور والكتب في وجه الفرنسيين.

أدرك شبابنا في الثانويات والمؤسسات التعليمية أنّه قد حمى الوطيس، وأنّ ما يُقدَّم له من تدريس هو عدوان على عقله ونوع من التدليس. فضّل شبابنا –يومها- على المقاعد دهاليز القصبة، ودروبها الوعرة، وشناخب جبال جرجرة وأريس، صارخا في وجه المعتدين بقول صالح خرفي:

دعونا نسكن الغابات إنّا     

وجدنا مسكن الغابات أحلى

ومن بِنِزالنا غرّته نفس        

تركنا أمه، تبكيه ثكلى

كانت رسالة الشباب الجزائري إلى العالم أجمع فصيحة وصريحة، إنّ رائحة القنابل والبارود أجدى للوطن من رائحة الطبشور والحبر في ظلّ القيود. حمل شبابنا –إذن- مقاليد المصير من أجل التغيير، فقدّم النفس والنفيس مستخدمًا إلى جانب التفجير كل ألوان التعبير.

احتدمت المعركة المصيرية في الجزائر يومها بين الطغاة والأباة، فتغيّر لون المعركة في شناخب الجبال، وتجدّد أسلوب المقاومة في المدن، وتخوم الرمال.

التحمت كلّ فئات الشعب داخل خندق النضال، فعمّ الوعي الوطني كلّ أبناء الجزائر من الشباب، والرجال، وذوات الحجال، فساد في المدن دوّي الانفجارات، وعلت في الجبال والأودية، والسّفوح شعارات التكبير الممزوجة بأزيز الطائرات وأصوات المدافع والرشاشات.

إنّ ملحمة الجزائر، يومذاك، لتمثّل إحدى أساطير المعجزات التي لا تزال إلى يوم الناس هذا مضرب المثل للشعوب السائرة في درب الخلاص، والتوّاقة إلى استعادة السيادة بكلّ أنواع المقاومة بدءً بالرصاص.

وما كان لهذه الرّوح النضالية والإرادة القتالية أن تسود، لولا الدور الذي اضطلع به رسل الوعي الوطني من المعلّمين والوطنيين المخلصين من تحصين الذات ضدّ كلّ ألوان الانهزامية والاستسلامية فالمدارس الفرنسية الحرّة، هي التي كانت البديل لإعداد جنود الفداء، والتحرير، فكان مما يردّده تلاميذها آنذاك من أناشيد، نشيد محمد العيد آل خليفة:

صوت بعيد المدى هل يجاب  

بآذاكم للفدا بالرقاب

إلى الفداء إلى الفداء يا شباب

أو قول الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان:

وطن يباع ويشترى       

وتصيح فليحيا الوطن

لو كنت تبغي حقّه         

لبذلت من دمك الثمن

أو النشيد الفدائي الذي غيّر النفوس والعقول:

يوم تدعى للجهاد     

نصبح الجند الشدا

ونؤدي للبلاد  

كلّ حق مخلصين

إنّ مثل هذا المناخ الوطني الذي أحدثته مدارس جمعية العلماء في أوساط الشعب، ولاسيما الشباب هو الذي كان خلف التجنيد والتأييد للثورة الجزائرية، واليوم وأعلام الجزائر خفاقة تذكر بكلّ التقدير والوفاء مناقب المعلّمين والمعلّمات الذين كانوا جسرا لتبليغ الوعي وقدرا لبلوغ السعي.

ويأبى الله إلا أن يلتحم يوم الطالب بيوم الأستاذ صانع الوعي الجماعي، ومجسّد الآمال لمنتهى المساعي. ففي نفس اليوم أي العشرين من شهر مايو 1965م ودعت الجزائر، رمز التعليم والفكر العلاّمة محمد البشير الإبراهيمي، الذي كان فريد زمانه في التبيين والبيان، ووسام النضال الوطني في العمل لتحرير الأوطان. وإنّني لأعجب أن تهتّم الجزائر الرّسمية بيوم الطالب، وهو اهتمام مستحق، وتغفل ذكرى الأستاذ ملهِم الطالب وهو إغفال عديم المنطق.

إنّ الجزائر العميقة بثوابتها، ومكوّنات هويّتها لتذكر بكلّ تقدير ووفاء تضحيات الشباب الجزائري بعد هجره لمقاعد الدروس، ولكنّها تُذكِر بأنّه ما كان لهذا الشباب أن يتحلّى بالوعي الوطني المطلوب لولا الإعداد والاستعداد الذي اضطلع علماء من أمثال ابن باديس، والإبراهيمي، والتبسي وغيرهم، من العلماء العاملين الذين رسموا الطريق، وأنقذوا الغريق، وميّزوا بين العدو والصديق.

إنّنا لنذكر كلّ هؤلاء –اليوم- ونحن نحيي ذكرى يوم الطالب الذي يطّل علينا مفعمًا بكلّ معاني التضحية والإباء، والوفاء، ولكنّنا لا ننسى في غمرة هذه الاحتفالات المخلّدة ذكرى الأستاذ الذي كوّن وألهم، ودعا بالمنهج الأسلم، إلى التي هي أقوم. فلولا الأستاذ ما كان الطالب، ولولا جمعية العلماء لكانت الجزائر مثل جزائر الواقواق كما قال الإمام محمد البشير الإبراهيمي.

فليتذكر الأبناء، قصة الوطن الذي خطط لبناء العلماء، وجسّد لتحقيق خطتهم الخُلص من الأبناء الأوفياء.

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق