أحداث دوليةحدث وتعليق

مصر: استمرار الدولة العميقة والقطيعة مع التحول أ/ عبد القادر قلاتي

GUELATIلن يكون لمصر في المستقبل القريب أيّ دور تغييري في الداخل أو في منطقة الشرق الأوسط، إلاّ ما رسمته الدوائر الغربية لهذا البلد الكبير والمحوريّ، فالانتخابات الأخيرة التي أديرت بطريقة هزلية، وأوصلت إلى سدة الحكم رجلاً عسكرياً جاهلاً بأمور السياسة وتقاليدها، أفقد مصر أيّ أمل في تحولٍ سياسيٍّ حقيقيٍّ انتظره الشعب المصري بعد ثورة 25 يناير 2011م، التي أزاحت –ظاهرياً- أكبر نظام استبداديّ وشموليّ في العالم العربي، وأظهرت نجاحاً باهراً في بدايتها، حتى خُيّل لكلّ متابع للشأن السياسيّ العربيّ والإسلاميّ، أنّ فجراً جديداً قد بزغ في هذه الأرض الطيّبة، معلناً موت الدولة الشمولية العميقة، ومبشراً بظهور ملامح الدولة الحديثة التي ناضل من أجلها أبناء مصر منذ أكثر من قرن ونصف القرن.

نعم لقد خطت مصر خطوات نحو الدولة الحديثة، لكن سرعان ما رجعت القهقرى إلى ما قبل ثورتها المجيدة، رجعت إلى مربع الدولة العميقة بنفس الملامح والأشكال وكأنّ الصراع الذي خاضه شباب مصر وتيارها الوطني الإسلامي الأصيل مع هذه الدولة لم يجد نفعاً، لقد رجعت الدولة العميقة إلى الساحة السياسية، وهي أكثر فاعلية وشمولية، رجعت بنفس الأدوات التي أُزيحت بها بعد الثورة، رجعت عن طريق صناديق الاقتراع، معلنة انتماءها إلى نفس الفضاء السياسيّ، ومجسدة أكثر الآليات التي تُميّز الدولة الحديثة، فعبد الفتاح السيسي، الذي قاد الانقلاب العسكري، لم يتسلم السلطة كما كان الأمر سابقاً في الانقلابات العسكرية، بل سار إلى السلطة وفق الآليات التي أوصلت غيره إلى الحكم بعد الثورة، فالأمر يبدو اليوم بعد الانتخابات الأخيرة سيان، فمحمد مرسي الذي جاء إلى السلطة وفق صناديق الاقتراع لا يزيد عن السيسي في شيء، فما نسميه شرعية الصناديق لم يعد سبباً كافياً للتميز بين مرسي المسجون ظلماً، والسيسي الحاكم زوراً.

هذه هي لعبة السياسة، بين من يمارسها انطلقاً من منظومة قيمية عادلة، ومن يمارسها انطلاقاً من منظومة لاأخلاقية، فقد صارت هذه المنظومة هي ما يطبع مجمل الفضاء السياسيّ العربيّ والإسلاميّ اليوم، ومن خلالها تمارس أبشع الممارسات الخارجة عن كلّ القيم الإنسانية، هذه المنظومة هي التي جاءت بالسيسي وهي من يحرك دواليب الدولة العميقة، ويقف أمام كل المجهودات التي تبذل من أجل تحولات حقيقية في الدولة والمجتمع، وما لم تُزَح هذه المنظومة من المشهد السياسيّ العربيّ والإسلاميّ، فإنّ الوضع يبقى على ما هو عليه، ولا ننتظر في الأمد القريب تغييراً في بنية السلطة والحكم، ولا في أخلاقيات المجتمع وثقافته، فالمعروف أنّ السلطة بما تحمله من قيم ايجابية أو سلبية هي من يتحكم في تربية المجتمع والفرد، وهي من يفرض قيماً سلوكية عند هذا المجتمع أو ذاك، فالتحوّل الذي يحصل في المجتمعات البشرية من سلوك وممارسات، ينبع أساساً ممّا تفرضه السلطة السياسية من ثقافة سلبية أو ايجابية بوجه عام، وهذا مخالف تماماً لما درج في ثقافتنا الدينية، أنّ الذي يتولى أمر المجتمع هو عيّنة من هذا المجتمع، وبالتالي فساد الأنظمة والحكام ينبع أساساً من ثقافة المجتمع وليس من ثقافة الأفراد، وهي معادلة خاطئة تماماً.

نعود لما بدأنا به مقالنا وهو أن وصول السيسي، إلى سدة الحكم في مصر، معناه أن استمرار الدولة العميقة مازال طويلاً، وان ثورة 25 يناير لم تصنع القطيعة مع هذا النمط من الحكم الشمولي، وأنّ مجهودها لم يصل إلى العمق منها، بل توقف عند الحدود والأشكال، وهذا ما جعلها تتشكل من جديد وفق صورة ليست بعيدة عن تلك التي عهدناها منذ ثورة الضباط الأحرار التي أوصلت العسكر إلى حكم مصر، و التي جاءت  انطلاقاً من تفاهمات وإرادات دولية، وليس كما سُوِقت تاريخاً بأنهّا إرادة شعبية مصرية خالصة، فما قدمه عبد الناصر من تنازلات للدول الكبرى، سيقدم السيسي أضعافه اليوم، فليس من المعقول أن يدفع برجلٍ عسكرٍ مغمورٍ إلى حكم مصر، دون أن تكون هناك ترتيبات سياسية وجغرافية تخدم الغرب ومشروعه الاستعماري، فنظام عبد الناصر قَبِل بمشروع فصل السودان عن جسد مصر، وساهم مساهمة كبيرة في إظهار قضية جنوب السودان، أما السيسي والنّظام المصري الجديد فإنّه اليوم يعمل على التفريط في مصر ذاتها، فمن سمع السيسي وهو يشرح مشروعه في  التقسيم الإداري الجديد لمصر، يدرك حجم الكارثة التي سيلحقها هذا النّظام بهذا البلد الكبير.

كتب الأستاذ عامر عبد المنعم رئيس تحرير جريدة الشعب المصرية محللاً مشروع السيسي الجديد قائلاً: “هذا المشروع الذي ألمح إليه السيسي في حواره مع قناة “سي بي سي” وعرض الخريطة التفصيلية له سيفتح الباب لأكبر عملية نهب وسرقة في تاريخ مصر للأراضي الصحراوية منذ أيام الفراعنة، وهو الأكثر فظاعة من جريمة تبديد القطاع العام التي نفذها الرئيس المخلوع حسني مبارك، والتي أدت إلى الخراب الاقتصادي وتجريد الدولة من ممتلكاتها وتشريد ملايين العمال وتوقف حركة التوظيف، وتخلي الدولة عن دورها كدولة… من الذي سيشتري ثلاثة أرباع  مساحة مصر (750 ألف كم تقريبا) التي يريد المشير السيسي تقسيمها في التخطيط الجديد للدولة المصرية ويريد طرحها في توقيت واحد للمستثمرين بزعم التنمية؟”، فإذا كان هذا هو المشروع الذي جاء السيسي من أجله، فلا داعي للوم الغرب على ما قدمه من  دعم منقطع النّظير لهذا النظام الانقلابيّ الخطير، فالغرب له مصالحه في بلادنا، وله مشروعه الاستعماريّ الذي لن يتخلى عنه أبداًً، إنّ مستقبل مصر في ظلّ هذا النّظام الجديد/القديم غامض جداً، فأحلام أبنائه بالحرية والكرامة والاستقلال الوطني، لم تعد قريبة المنال، فهذا النّظام قطع آخر خيط يربط هذه الأجيال بتلك الأحلام، لكن الأمل يبقى معقوداً في شباب مصر وفي نخبها الوطنية والسياسية الأصيلة، في أن تفوت الفرصة على أصحاب هذا المخطط الخطير الذي يراد لهذا البلد الكبير.فاللهم احفظ مصر وأهلها وجميع بلاد المسلمين.

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق