أركان خاصةمختارات أدبية

إخوان الشياطين أ/ الهادي حسني

00  من الأوصاف ما يُطلِقه إنسان على إنسان مثله، أو يُطلقه أناسٌ على أناسٍ، فيكون في ذلك الوصف أو في تلك الأوصاف ما في مُطلِقِها ـ فردا أو جماعة ـ من نقص، كالجهل بالحقائق، ومن سوء في الأخلاق، وقلّ ما يصدُق الناس في أوصاف بعضهم بعضا.

 ولكن الأوصاف التي يصف بها الله ـ عز وجل ـ الناس صادقة وصحيحة لأن مصدرها هو الله الأصدق قيلا، والأعلمُ بما تُوسوِس به الصدور، ففي تلك الأوصاف إطلاق، وكمالٌ، وعدم تأثر بأي مؤثر.

  ومن هذه الأوصاف التي أطلقها الله المحيط بكل شيء علما، العالم بالسرّ وأخفى، على طائفة من الناس، وهم الذين يُطلقون أيديهم، فيُنفقون المال بدون حدود، وفيما يُسخط الله ـ عز وجل ـ وهؤلاء هم الذين سمّاهم القرآن الكريم المبذرين الذين جاء فيهم قوله سبحانه وتعالى في سورة الإسراء: “إن المُبذرين كانوا إخوان الشياطين”.

 لم يطلق الله ـ عز وجل ـ هذا الوصف البشع على هؤلاء الناس، ولم يُصدر عليهم هذا الحكم الشديد إلا بعد ما حذر من التبذير بقوله: “ولا تُبذر تبذيرا”، والتبذير كما عرفه أهل العلم هو تفريق المال في غير وجهه، ومُرادفه هو الإسراف، فإنفاق المال ولو كان المقدار قليلا في غير وجهه تبذير، وقد ذهب بعض العلماء إلى الحجر على من أنفق درهما واحدا في الحرام.

وقد قيل لواحد من السلفِ كان يُنفق كثيرا في وجوه الخير: “لا خير في السرف” فرد على مُنتقده قائلا: “لا سرف في الخير”، وأحسن مثل لهذا “السرف” هو تجهيز سيّدنا عثمان ـ رضي الله عنه ـ جيش العُسرة.

 وقد قال بعض العلماء إن وصف المبذرين بإخوان الشياطين معناه أنهم في حكمهم، فالشياطين مُفسدون والمبذرون إخوانهم في الفساد، كما أن وصفهم بإخوان الشياطين يعني اليأس من توبتهم كيأس الشيطان، وبالتالي فمصير المبذرين هو جهنّم ـ عياذا بالله ـ كمصير الشياطين.

 إن تشنيع الله ـ عز وجل ـ على المبذرين ليس معناه منع الناس من أكل الطيّبات، وتحريم زينة الله التي أخرج لعباده، ولكن هذا التمتع يكون وسطا لا تقتير ولا تبذير، وهو ما أشارت إليه الآية الكريمة: “ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط”.

 إن شهر رمضان المعظم هو من أكثر الأوقات التي يكثر فيها التبذير، وهذا عكس مقصد الشارع الحكيم من فرضه.

 لقد جاء في إحدى الإحصائيات أننا نحن الجزائريين نرمي يوميا ما مقداره مليونين وسبع مائة ألف خبزة، ولا شك في أن هذا العدد سيتضاعف في هذا الشهر الكريم الذي لم نُحقق فائدة واحدة من فوائده، وحكمة واحدة من حكمه.

إن هذا التبذير لا ينحصر في الخبز وحده وإنما يشمل جميع ما نستهلكه مما يُؤكل ومما يُشرب، ومما يُلبس، وفي الماء، وفي الكهرباء،…خاصة في المناسبات السارَة أو الحزينة.

ويا ويل هؤلاء المسؤولين الذين يُضيفون إلى حُرمة التبذير كونه من المال العام، مما يجعل عذابهم مُضاعفا.

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق