أحداث دوليةحدث وتعليق

الذكرى الأولى للثورة المضادة: مصر إلى أين؟ أ/ عبدالقادر قلاتي

22   أسماها الانقلابيون ثورة شعبية ضد أخونة الدولة، وأسماها الأصلاء من أبناء مصر والأمة العربية الإسلامية بالثورة المضادة، وهي لعمري ثورة مضادة لكلّ قيم الحق والعدل والحرية التي جاءت بها الثورة الشعبية الحقيقة التي شهدتها مصر في 25 يناير عام2011م، والتي أسقطت أكبر نظام شموليّ استبداديّ عرفته مصر الحديثة..

  لقد أجمع كلّ من يتابع الشأن المصري، ويعرف خبايا السياسة فيها، أنّ سيناريو هذه الثورة كان جاهزاً من أول يوم سقط فيه نظام مبارك ومن ورائه الدولة العميقة، وأنّ كلّ ما جرى من أحداث سياسية بعد ذلك، لم يكن إلاّ تحضيراً لتطبيق هذا السيناريو الجاهز والبديل، و أنّ كلّ قوى الثورة المضادة في الجيش والشرطة والقضاء، ورجال الأعمال والإعلام وشيوخ الأزهر والكنيسة والأقباط، بالإضافة إلى الممول والراعي الأساسي (السعودية والإمارات)، قد ركبت الغضب الشعبي، وحولته إلى ثورة مضادة متكاملة الأركان، مع التحفظ على شعبية هذه الثورة المضادة، لأنّ ما بدا من كثافة شعبية ملأت الميادين، لم يكن إلا تصويراً سينمائياً، قام به أحد أركان هذه الثورة الموهومة، ولم يخجل هذا التافه الحقير، من أن يصرح بفعلته الشنعاء، وأن يبرر ذلك، بتلك اللغة السخيفة التي أبدعها منظرو هذه الثورة المضادة، أن مصر آل مصيرها للتيار الإسلامي الظلامي، الذي سيقضي على مظاهر الحضارة من فنون وآداب، وأن مجهود حركة العلمنة التي اشتغل على توطينها في البنية السياسية المصرية، تيار التغريب، ومن سمون أنفسهم بالليبراليين، ستذهب سدى، لذا هبّ من ينتمون لهذا التيار زورا وبهتاناً، للقيام بثورتهم المضادة، ونسوا في ظلّ هذا القرار الخطير، أنّهم هدموا حتى ما كانوا يؤمنون به قيم الحداثة والتقدم، بل أصبح همهم الوحيد أن يتمّ القضاء على التيار الإسلامي في مصر، وأن يظهر وجه مصر الفرعوني، كما صرح الكثير من رموز هذا التيار، وتحوّل العداء للإخوان عداء للإسلام وقيمه الخالدة، وظهر وجه هذا التيار السافر، وظهرت ملامحه القبيحة في إعلام سافر ومضلل، قلَّب الحقائق وغيَّر الوقائع، وسلك مع الأخبار والأحداث، مسالك الكذب والافتراء حتى كُذِّب الصادق، و خُوِّن الأمين كما أخبر الصادق المصدوق عن أحوال بعض الأزمان، ولعلّ زماننا هو المعني بهذا الوصف، فقد ظهرت مظاهر كثيرة تدل دلالة قاطعة عن حال بعض من ينتمون إلى الإسلام.

   وإذا كانت انتكاسة التيار العلماني بهذه الفظاعة والشناعة، فإن انتكاسة بعض من ينتمون إلى العلم والعلماء، أدهى وأمر، لأن التيار العلماني له مشروعه المعروف و الواضح في العداء لكلّ ما هو ديني، فمن الطبيعي أن يكون العداء بهذا الشكل السافر، لكن تلك الثلة ممن ينتسبون إلى الأزهر، وإلى الجماعات الدينية المغلقة (الدعوة السلفية المتمثلة في حزب النور)، لا نجد لموقفها وصفاً إلا الخيانة والنّفاق السياسي، والتملق الممجوج للسلطان الغالب، وإلاّ كيف نفسر تلك التصريحات والفتاوى الصادرة عن هذه الفئة من العلماء وهي ترى الحق واضحاً، ثمّ تقف ذلك الموقف المخزي؟ حقاً لا نجد لمواقفها تلك إلا هذا الوصف القاسي الذي يبدو وصفاً متطرفاً إلا أنه يرضي أهل الحق ممن عانوا من تلك الثورة المضادة، ودفعوا فاتورة باهظة لمواقفهم الشجاعة، عندما اختاروا الوقوف إلى جانب الحق مهما كلف ذلك من ثمن، لقد اختاروا السجن والتعذيب والقمع غير المسبوق الذي تفنن فيه الانقلابيون، ولم يمنعهم ذلك أن يقولوا كلمة الحق وان يقفوا موقف العدل، وقد لا يحققون من مواقفهم تلك شيئاً في هذه الدنيا الزائلة، إلاّ أنهم سيفوزون بمرضاة الله العادل في الآخرة، وذلك عزاء كلّ مؤمن، أما أصحاب العمائم ممن غرتهم الدنيا، واختاروا الوقوف مع الباطل، فإن الخزي والعار يلحقهم في الدنيا قبل الآخرة.

واليوم وقد مرت الذكرى الأولى لهذه الثورة المضادة أين تتجه مصر؟، أي مستقبل سياسي واقتصادي سيكون عليه حال المصريين، وقد صنفت مصر ضمن دائرة الدول المنهارة اقتصادياً؟

لا شك أن المستقبل غامض في ظلّ حكم العسكر، الذي اختار منطق الاستبداد والشمولية، وأغلق المجال السياسي برمته، وجعل الحياة السياسية أشبه بتلك التي عرفتها مصر بعد قيام ثورة الضباط الأحرار – طبعا مع الفارق- في خمسينيات القرن الماضي، واحكم قبضته الحديدية على مجمل قطاعات الدولة، ودفع من جديد بالدولة العميقة للظهور، وبدت ملامح الحكم الجديد أكثر ضعفاً وتبعيّةً، فمصر التي كانت اللاعب الرئيسي في الشرق الأوسط إلى جانب دولة الكيان الصهيوني، أصبحت في ظلّ حكم العسكر تنتظر الأوامر من دول الخليج، وبعض الأطراف الدولية التي ساعدت في إنجاح الانقلاب لعدم ثقتها في الإسلاميين، ولم يبق للقرار السياسي المصري أي استقلالية تذكر، فقد أفقدت هذه الطغمة المتسلطة على حكم مصر، هذه الدولة الكبيرة معاني السيادة الوطنية، فمصر اليوم -في ظل استلاء هذه الثورة المضادة على السلطة- مرهونة لغيرها من أصحاب القرار الإقليمي والدولي، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق