بحوث و دراسات

الكاتب المصري أنور الجندي في بجاية أ.د مولود عويمر

AOUIMER-2 سحرت بجاية العلماء والشعراء في العصور القديمة والحديثة، وكان منهم الكاتب المصري أنور الجندي (1917-2002) -أكثر الكتاب العرب المعاصرين تأليفا- فلا يضاهيه في غزارة إنتاجه إلا كاتب مصري آخر عاش في القرون الخالية، وهو جلال الدين السيوطي.

ألف أنور الجندي ما ناهز 350 كتاباً في أحجام مختلفة منها موسوعات أدبية وفكرية في عدة أجزاء. كما أنك تجد اسمه في فهارس كلّ الدوريات الإسلامية التي صدرت في العالم العربي والإسلامي منذ الخمسينيات، كـ “منبر الإسلام” المصرية، “التضامن” السعودية، “المجتمع” الكويتية، “منار الإسلام” الإماراتية، “حضارة الإسلام” السورية، “القبس” الجزائرية، “دعوة الحق” المغربية، …الخ. وكنتُ في الثمانينيات أنتظر بشغف كبير بداية الشهر الهجري لشراء مجلة “منبر الإسلام” القادمة من أبو ظبي، وكنت أحرص دائماً على قراءة مقال الأستاذ أنور الجندي قبل غيره من المقالات، وهو عبارة عن دراسة نقدية لأشهر الكتب العربية التراثية والمعاصرة ينشرها باستمرار ضمن سلسلته الشهيرة: “مؤلفات في الميزان”.

أنور الجندي والجزائر

لقد ارتبط اسم الأستاذ أنور الجندي مبكراً بالجزائر بفضل احتكاكه بنخبتها المهاجرة إلى مصر أمثال الفضيل الورتلاني، محمد البشير الإبراهيمي، الشاذلي المكي، مالك بن نبي، محمد علي دبوز…، فأحب هذه الأرض المجاهدة فكتب عن ثقافتها وأعلامها في زمن المحنة الاستعمارية، وكان له فضل السبق في التعريف بجوانب مشرقة من التراث الجزائري للقارئ العربي عبر مؤلفاته ومقالاته المنشورة في أشهر الصحف والمجلات العربية.

وكان من أعز أمنياته أن يزور بلادنا ويتعرف عليها عن قرب، فحقق الله له ما أراد في شهر مارس 1974 فقدم إليها للمشاركة في أعمال الملتقى الثامن للفكر الإسلامي المنعقد في حاضرة بجاية بدعوة من وزارة الشؤون الدينية والتعليم الأصلي. وكان من تقاليد هذا الملتقى الذي كان يدوم أكثر من أسبوع، تنظيم رحلات سياحية للوفود المشاركة في أشغاله للتعرف على تراثنا الوطني الزاخر، واكتشاف جمال طبيعتنا الذي قلّ نظيره في العالم العربي والإسلامي.

ومن حسن الحظ أن الأستاذ الجندي سجل انطباعاته حول هذه الزيارة كشف من خلالها انبهاره بهذا الملتقى الفكري تنظيماً وفعالية وفائدة علمية، وعبّر عن إعجابه بسكان هذه الحاضرة لكرم ضيافتهم وحسن استقبالهم للزوار القادمين من كل فج عميق، وتشبثهم بدينهم الحنيف وتفتحهم على كل الثقافات في العصور الإسلامية الزاهرة وفي الأزمنة الحاضرة، كما صوّر مشاهد بشرية، ومناظر طبيعية،  أحسن تصوير خاصة وأن زيارته كانت في فصل الربيع من تلك السنة.

نشر الأستاذ الجندي انطباعاته في مجلة مغربية. وهنا تساءلت: لماذا لم ينشر مقاله كذلك في الصحافة الجزائرية وبالخصوص مجلة “الأصالة” الصادرة عن وزارة الشؤون الدينية، ما دام الموضوع يخص بالدرجة الأولى القارئ الجزائري؟ ولعل الجواب يكتشفه القارئ بنفسه بين أسطر هذا المقال حينما يقرأ فيه عن تجربة هذا الكاتب المصري المُرة مع مسؤول أكبر صحيفة عربية في البلاد في ذلك الوقت؛ فالسياحة هي سلوك ومعاملات قبل أن تكون مرافق ومنشآت!!

أنور الجندي في بجايـة

وأدعوك الآن أيها القارئ إلى السفر إلى مدينة بجاية السبعينيات في رحلة ممتعة عبر هذا النص النفيس:

“عندما وصلنا إلى قلعة بني حماد كان وقت العصر قد آذن، فكان لابد أن نحتفظ بهذه الذكرى التي لا تظن أنها ستتكرر مرة أخرى لرجل جاء من المشرق ليشارك في الملتقى الإسلامي الثامن الذي عقد في ولاية بجاية وكان من أهدافه دراسة مساهمة بجاية الحمادية في الحضارة والفكر الإسلاميين، ولذلك فما لبثنا أن أقمنا صلاة العصر على هذه الربى بينما كان زملاؤنا يقتحمون القلعة ويصعدون إلى منارتها العالية وكنا قد انطلقنا منذ الصباح الباكر إلى هذه الرحلة فوصلناها بعد مشقة شديدة قريبا من الغروب بعد أن مررنا بمدينة سطيف وتناولنا الغذاء عند عائلاتها.

ومن الحق أن يقال أننا في كل خطوة كنا نخطوها كنا نجد معالم التاريخ الحافل ونستمع إلى خيوط من تراث عزيز طالما قرأنا عنه في الكتب وها نحن نراه اليوم واقعا حيا. وفي الطريق إلى قلعة بني حماد مررنا بذلك الوادي المخيف الذي يطلقون عليه (وادي اٍلآخرة) وذلك حتى لا ينزعج الناس إذا أطلقوا عليه (وادي الموت). فقد كانت جباله العالية وخطوط طريقه المتعرجة وأغواره العميقة تملأ النفس حقا بالخوف والعجب لهذه المنطقة الحافلة بكل عوامل الخطر وتبارك الله رب العالمين الخالق الذي جمع بين الجبل الأشم والوادي العميق والصخر الأحمر والأرض السندسية الخضراء.

ولقد كانت هذه الصور غريبة حقا على أمثالنا ممن عاشوا في الوادي الأخضر لا يقتحمون الجبال إلا نادرا، أو إذا مروا بها وجدوها جرداء مقفرة لا نبت فيها ولا ماء، أما هنا في الجزائر فالأمر جد مختلف، هذه الجبال العالية خضراء جد مزدهرة، ومن حولها الأودية كالبساط الزاهر، ومن حول ذلك كله غابات وأشجار ومياه وعيون وصدق الله العظيم: ” وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار”.

وفي ظل قلعة بني حماد يكشف التاريخ الإسلامي صفحة من أزهى صفحاته عندما كان حماد بن بولغين حاكما للمغرب الأوسط باسم دولة بني زيري، منذ عام 398 هجرية ثم بنى هذه القلعة واتخذها عاصمة للمملكة. وقد تم هذا في نهاية القرن الرابع. وقد ظلت هذه المدينة عاصمة للمملكة الحجازية زمنا كانت خلالها أهم مدينة في المغرب كله. واليوم يجري إصلاح هذا البرج الضخم وترميمه حتى يكون آية من آيات الفن المتجدد الذي يجري بالنسبة لكل تاريخ هذه البلاد وآثارها.

وسواء ذهبنا إلى آخر هذا الطرف حتى سطيف أو ذهبنا إلى وادي الصومام من الطرف الآخر فإن مناظر الازدواج بين الجبال والبحر والوادي الخضر متفرقة وملتقية متعانقة ومنفصلة هي طابع الرحلة. أي روعة تل في هذه المناظر الخلابة في بطن الوادي وقد تدفقت الأمطار فوق الجبال وأخذت تتسرب من خلال فتحات ومسارب ما تزال تتقاذفها منحدرة إلى الوادي حتى تصل إلى نهر الصومام فإذا هو بعد قليل يفيض ويمتلئ، بالمياه الحمراء المتدفقة في طريقها إلى كل مكان وهي تحمل الغرين الأسود.

حقا لقد كان يوما حافلا عندما انطلقنا تجاه وادي الصومام بالحافلات الضخمة، وأخذت السماء تمطر في غزارة، ولكن الجو كان دافئا، ولقد ظلت الحافلات تصعد بنا في طرق ممهدة ولكنها حلزونية حتى وصلنا الى ارتفاع ألف متر فوق سطح البحر وما تزال الجبال فوقنا شامخة، ومن الجبل إلى السهل فالسهل في قلب الجبل، والجبال مخضرة مليئة بالغابات، وقممها شامخة بيضاء كعمائم العرب. وقد كستها الثلوج، مجموعة من السلاسل المتداخلة من الجبال بينها الوادي الأخضر، ومجاري النهر، ولقد ترى وأنت في أعلى قمة الجبل واديا منخفضا أمامك ثم ترى الجبال العالية الأخرى من بعدها محيطة بك من كل جانب. ولقد فرح بنا الذين زرناهم وهللوا وكبروا لله، فقد حمل إليهم ضيوف ملتقى الإسلام الرحمة.

ولقد كان نهر الصومام مرافقا لنا طوال الرحلة فهذا هو واديه الواسع، نراه ثم يختفي ثم يعود ثانية، كان في الصباح ضحلا تبدو صخوره وأحجاره، فلما عدنا في المساء كان قد امتلئ بالماء وأزيد وتدافق في قوة، لقد تلاقت العيون المتدافقة من أعلى الجبال في مسارب متعددة ثم اختفت تحت الطريق الذي تمر عليه الحافلات فإذا بها تتجمع في رواق أكبر وأكبر جياشة بالمياه الحمراء، حتى بلغت النهر نفسه الذي دبت فيه الحياة وجاشت وعلا موجه وزبده وهديره فذكرنا قدرة الله القادر، الذي أحيا الأرض بعد موتها، وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته، وما رأيت كيف تفسر هذه الآية إلا في مثل هذا المنظر الباهر الذي لا نعرفه نحن في المشرق أو في مصر على الخصوص :” أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا”. لقد جرف السيل أمامه كل شيء وجاء رزق السماء واسعا وفيرا  وامتلأت قلوب أهل وادي الصومام بالفرحة التي جاءت مع وفد الملتقى الإسلامي.

كانت هذه الصورة خارج الحافلة، أما في داخلها فقد كانت حلقة علم وتاريخ تترامى فيه أسماء الأعلام ووقائع الأحداث كلما مررنا على موقع منها مشخصا أسماء يوسف بن تاشفين وعبد المؤمن بن علي وابن تومرت، وفي ملاله حين ملتقى عبد المؤمن مع ابن تومرت كان منطلق الدولة الموحدية وفي صدوق مسقط رأس الشيخ الحداد الذي قاوم الاستعمار الفرنسي وفي إفرى حيث انعقد مؤتمر الصومام عام 1956 كان هناك أعلام في تاريخ الجزائر والمغرب كله في مقدمتهم شيخ المؤرخين ومؤرخ الحضارة الإسلامية على الخصوص: عثمان الكعاك، ومحمد الفاسي صاحب الأبحاث الواسعة عن أحداث المغرب القديم والوسيط. وكان المهدي البوعبدلى هذا الرجل الذي كان يتحدث عن هذه البلاد وكأنه عاش تلك الفترات عارفا برجالها وما ورد في الكتب عنها وما نشر في المغرب أو المشرق، والشيخ سليمان داود بن يوسف الذي كان يعرض من الجوانب ما يكشف عن أعماق التاريخ. وكان هناك مولود قاسم نفسه هذا الوزير العلامة حقا، الذي كان يصحح ويدقق ويستكمل الجوانب من كل ما يعرض وما يقدم وكان الأستاذ مصطفى بعبو الوزير المؤرخ الليبي، وكان الشيخ عبد الله الشماخي القاضي اليمني فكاهة الندوة ومجلاها في الشعر والأدب.

أما مفدي زكريا شاعر الثورة الجزائرية فكان يذكرنا بشعره الرصين دوما بتلك المواقف الحاسمة من جهاد الجزائر، ولقد حدثنا الوزير مولود قاسم عن ثورة الشيخ الحداد: هذه الثورة التي استمرت إلى عام 1910، وكان الشيخ الحداد في الثمانين من عمره، وقد جاء إليه محمد المقراني الذي قاد الثورة المسلحة ووجد في الشيخ أستاذه الروحي حيث كان الحداد شيخ الطريقة الصوفية الرحمانية مقيما في زاويته قال المقراني: جئناك لنعلن الجهاد على فرنسا، قال المقراني: بل في الحين، فوافق الشيخ على مضض وقال: أدعوتك هذه مشؤومة، ولكن سنقوم بها. وقد كان المقراني يظن الشيخ الحداد من أولياء النعمة والمطمع على النحو الذي عرف عن بعض رجال الطرق غير أنه لما أزاح الشيخ الغطاء عن الطعام الذي قدم له لم يكن فيه غير زيت وجبن وشقة خبز، وكان هذا كل ما يأكله الحداد، هناك تبين المقراني أن الحداد ليس رجل دنيا واندلعت الثورة وأعلن الجهاد ( 8 أبريل 1871) ولما قدم للمحاكمة صدر الحكم عليه بالسجن خمس سنوات فقال: أنتم حكمتم علي بخمس سنين وأنا حكمت على نفسي بخمسة أيام ثم مات بعد الأيام الخمسة ودفن في قسنطينة بجوار الإمام عبد الحميد بن باديس.

ولقد أشار الوزير مولود قاسم بعد أن استعرضت ندوته الحافلة تاريخ بجاية وسبب سقوط دولتها: الى مضمون هام هو غاية القول في سقوط الحضارات: قال لقد ذكر ابن خلدون بكل وضوح الأسباب التي مهدت لانهيار دولة بني حماد وهي نفس الأسباب التي وقعت بالنسبة لدولة المرابطين وبقايا الزيريين في تونس ونفس أسباب سقوط الموحدين، وهي نفس الأسباب التي قضت على الدولة الفاطمية والعباسية، وبابل وأشور وقرطاجة وأثينا.

هذه الأسباب هي الانحلال الذي يعقبه الاحتلال مستشريا وكيف كان النساء يتصرفن في شؤون الدولة وكان الرجال قد تخنثوا، يخرجون للصيد ويستمعون للموسيقى، غناء وحداء بشعره وحذه وما شابه ذلك، هذا هو الوضع الذي كانت فيه دولة الحماديين، وهذا هو الوضع الذي كان عليه الموحدون بعدهم. هكذا انقلبت الأوضاع وانعكست وهذا يؤدي إلى النتيجة المحتومة، لقد تأنث الرجال واسترجلت الأميرات وكان ما كان، وان كان ليس من الضروري أن يعيد التاريخ نفسه تماما، فعلينا ان نستفيد من ماضينا وماضي الأمم، وان كانت قد بنيت قبل ان تلهو فان خراب بنائها يعقب اللهو مباشرة

وبمثل هذه المناقشات الجادة المثرية مضت ساعات طويلة بين بجاية ووادي الصومام مرة وبين بجاية وقلعة بني حماد مرة أخرى واتصل هذا بالنقطة الثالثة من مواد الملتقى الإسلامي الثامنة التي ركزت على دور بجاية الحمادية في الفكر والحضارة الإسلاميين والعالميين وأسباب وآثار انحطاطهما.

وتلك سنة طيبة استنها وزير الإسلام في مختلف المؤتمرات وهو التركيز في نقطة هامة من النقط على ولاية من ولايات الجزائر: ومن قبل تناولت الأبحاث قسنطينة وتيزي وزو ووهران وفي العام القادم تتركز الأبحاث على “تلمسان” ومن خلال هذا يثرى البحث العلمي تاريخ الجزائر كله بهذه الدراسات المكثفة وقد وزع علينا هذا الكتاب التاريخي المصور الأنيق عن بجاية الذي أثار الانتباه حتى سألني زميلي الصحفي الأستاذ صبري أبو المجد عما إذا كان لدينا في القاهرة متخصصون على هذا النحو !

لقد كانت هذه هي زيارتي الأولى للجزائر بعد أن عشت معها بالعلم والقلم والقلب سنوات الكفاح الطويلة وسنوات الثورة الظافرة. ولا ريب كانت دعوتي لزيارة الجزائر مصدر فرحة روحية كبرى وكنت عشت هذه الملتقيات الإسلامية من قبل بالروح والفكر فقد أتيح لي أن أطالع ما نشر من مناقشات ومحاضرات وعرفت كيف تقدم إلى الفكر الإسلامي إضافات ذا بال ستكون بعيدة الأثر في دراساته ومفاهيمه، وقد كان قلبي يخفق وأنا في الطائرة إلى الجزائر بحب عدد من الأعلام الذين عرفتهم وأحببتهم وتعلمت عنهم من أمثال الإمام عبد الحميد بن باديس والشيخ البشير الإبراهيمي ومالك بن نبي والفضيل الورتلاني وكنت قد درست الحياة الثقافية في المغرب العربي كله ( ليبيا وتونس والجزائر والمغرب) حينما الفت كتابي “الفكر والثقافة المعاصرة في شمال إفريقيا” منذ بضعة عشر سنة. ودرست جهاد جمعية العلماء وفي مقدمة رجالها ابن باديس والإبراهيمي والمدني والميلي والتبسي وغيرهم من الرواد. وإن حز في نفسي أن جريدة الشعب تجاهلت موضوعي الذي قدمته إلى رئيس تحريرها بمجرد أن وطئت قدماي أرض الجزائر تحية للجزائر والملتقى، ولست أدري لذلك سببا واضحا.

نعم لقد وصلنا إلى الجزائر ومنها قصدنا إلى بجاية ومن خلال رحلة الطائرة كان البحر الأبيض مصاحبا لنا في نتوئه وشواطئه وجباله على نحو يسعد النفس ويملأ القلب فرحة لامتداد ذلك الشاطئ الإسلامي حيث يلتقي الجبل بالبحر والسهل بالصخر، وحيث الجبال العالية مكسوة بالخضرة الدائمة والأشجار الباسقة. لقد عشت في هذه الأيام رحلة الفكر وعبرة التاريخ وصورة الحاضر، ووجدنا الجزائر تبني حياتها من جديد في نشاط وعزيمة قوية وتتحرك نحو النهضة والتقدم في إطار مفهوم الإسلام الصحيح، وقد تعالت صيحة اللغة العربية فبدت على كل لسان.

وإعطانا فندق الحمدانيين في بجاية حيث نزلنا صورة التجدد والمحافظة في إطار واحد، فهو مبنى على صورة القلاع التاريخية الإسلامية وفي داخله نجد النموذج الجزائري المغربي الإسلامي القديم: وبالرغم من التقدم العصري في كل مجال البناء والهندسة والخدمة، أجد أمامي هذه (الفازة) الجميلة المصممة على الطراز الجزائري القديم، وتحت المادة وعاء من الحوض وهناك الطاقة القديمة والخزنة الخشبية، ولقد أمضيت ليلتي أمس استمع إلى هدير البحر واصطخاب موجاته وهو يضرب في جدار الفندق الضخم.

ومن خلال هذا الملتقى تعرفنا على العشرات من الأعلام من شرق الأرض وغربها، نماذج متعددة من اليابان واليمن والهند وإيران ومن ايطاليا وفرنسا واسبانيا وألمانيا، كلهم جاءوا يتحدثون عن الإسلام ويشاركون في البحث عن حضارته وفكره ويدلون بدلائهم من حول الأصالة والمعاصرة، ومجال الحوار مفتوح، فما تنتهي محاضرة باحث فيهم حتى يفتح باب التعليق والتعقيب، فتضاء كل المصابيح، وتنكشف كل الحقائق وهناك رجال في الجزائر يقظون حذرون لا يتركون خطأ أو انحرافا دون ان ينهوا عنه واذكر في مقدمتهم: الشاذلي مكي وأحمد حماني ورشيد بن عيسى، هؤلاء ركائز من النواحي التاريخية والفقهية والدراسات الحديثة، أما الوزير فانه يقظ لا تفوته كلمة ولا يتجاوز عن الحق متحدث أمامه، بيده الضوابط التي تكفل حماية البحث من الانحراف، ورده إلى الأصالة إذا أعوزه الأمر. ولقد تحدث المتحدثون عن حضارة بجاية وقالوا كل ما عندهم عن علوها وسقوطها، ولكنهم غفلوا عن حقيقة أساسية فلم يلبث إلا أن تقدم إلى المنبر بعد أن انتهوا ليكشف هذه الحقيقة ويصحح الموقف ويضعه في الإطار الصحيح.

لقد كانت رحلة الملتقى الإسلامي الثامن بعيدة الغور في آماد التاريخ وفي أعماق الفكر وفي آفاق البحث جميعا وكانت ثروة ضخمة للمفكر والباحث والمؤرخ والصحفي من خلال اثني عشر يوما من العمل الدائب والنظر المتصل على نحو لم نشهده في كثير من مؤتمرات البحث أو ندوات الدرس، مما يجعلنا نعتقد بحق أن الملتقى قد أضاف كثيرا وصحح كثيرا وأثرى العقول والأفكار.”

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق