تحاليل وآراءحدث وتعليق

كفانا فسادا في إداراتنا…د.فارس مسدور

 téléchargement (4)نكاد نموت كمدا وغيضا نتيجة تسارع وتيرة الفساد في الآونة الأخيرة في إداراتنا، فلا تجارة بدون فساد، ولا رقابة على النوعية والأسعار نجت من الفساد، ولا حتى الضرائب التي تعتبر عصبا اقتصاديا هاما نجت هي الأخرى، ولا بنوكنا كانت في مأمن من الفساد والفاسدين، فحيثما وضعت أصبعك في إدارة من الإدارات إلا وأحرقته نار الفساد التي أتت على الأخضر واليابس.

وكأبسط مثال على ذلك، تجد من الاداريين في إدارة للتجارة مثلا من يُشترى بالمال ليسلطه المنافسون على بعضهم البعض، فتجد التاجر يدفع أموالا طائلة ليسلط إداريا من الاداريين على تاجر آخر، المهم أن يهلك له تجارته، وإن لم يكن كذلك فقد أصبحت موضة الرسائل المجهولة الوسيلة المعروفة لدى هؤلاء المجرمين لتحريك إداري مرتش كي يظهر الأمر وكأنه روتيني يدخل ضمن مجال الرقابة، بل وصل الأمر بمجموعة من الاداريين أن يشتغلوا خارج ساعات العمل ليلا وبعد صلاة التراويح لينتقموا من عدد من التجار الذين سُلّطوا عليهم.

والسؤال المطروح من يراقب من؟ وكيف لهذا التاجر المسكين الذي سلط عليه سيف المراقبين الفاسدين المبتزين أن ينصف في حقه ويحمى من تصرفات هؤلاء الظلمة الذين لم يجدوا رادعا لهم، بل المشكل أنك تجد نوعا من التضامن والتكافل بين الفاسدين ويوحى إليك أن اللعب مغلق وليس لك إلا أن تخضع لابتزازهم.

كم من تاجر أغلق محلاته بعد أن كان في أوجّ عطائه، وكم من صاحب ورشة أو مصنع أغلق نشاطه لأنه وجد إداريا فاسدا سلط عليه ليبتزه ويدفعه دفعا إلى الرشوة أو غلق محله، وكم من تاجر دفع لهؤلاء المرتشين مكرها ومضطرا حتى لا يغلق نشاطة واعتاد الفاسد على الرجوع مرارا وتكرارا، دون أن يجد التاجر إدارة تردع وترد ظلم موظفيها عن التجار والمنتجين وبشكل عام الصغار في المجال التجاري.

وعندما يطرح الملف على المسئول يجد الموظف الفاسد دائما المبررات التي يتقنها لتلفيق التهم بالتاجر المعني، متناسيا أن الحلقة الأضعف في كل النشاط التجاري في بلادنا هو التاجر الصغير، تاجر التجزئة، فإذا تعلق الأمر بالفواتير فتجار الجملة يتهربون من الفواتير لأنها تكشف أرقام أعمالهم، وهم أيضا يشتكون من المستوردين الذين يرفضون إصدار فواتير في الغالب لأن هذا يعتبر أداة في يد إدارة الضرائب لمتابعتهم، وعليه فالمنظومة التجارية عندنا كارثة بكل ما تحمل الكلمة من معاني.

يضاف إلى ذلك إدارة العمل والضمان الاجتماعي أيضا تعتبر مشكلة كبيرة أمام التاجر الذي يحقق أرقام أعمال جد متواضعة ويجبر على التصريح بعماله الموسميين الذين لا يبقون في مناصبهم أحيانا شهرا أو شهرين، ويدفع عنهم الأموال الطائلة، وهنا تدخل يد المرتشين للتغاضي عن ذلك دون أن نجد حلا لقطعها إما بإجراءات جديدة تشبه الرسم الوحيد الذي تم تبنيه في إدارة الضرائب على صغار التجار، فتكون مساهمة التاجر في التصريح بعماله مساهمة رمزية نتيجة ضعف نشاطه ورقم أعماله، أو يترك المجال للعامل ويعطى الحرية الكاملة في تأمين نفسه بعد أن يتفق مع صاحب العمل، وهنا نخرج من ضيق الفساد الذي يجبر الناس على الغش والكذب وإعطاء المعلومات المغلوطة لمختلف الإدارات.

كل ما ذكرناه، والفساد الذي يأكل إدارة الضرائب والجمارك أكبر بكثير من الادارات التي ذكرناها أعلاه، وهذا لأن الأمر يتعلق مباشرة بالمال، خاصة وأن المتعامل الاقتصادي في بلادنا يعتبر إدارة الضرائب عدوا لدودا يبحث عن الفتاوى الشرعية والقانونية للتهرب من دفع مستحقاتها، ذلك أن الثقافة الجبائية غائبة تماما في أوساط التجار، ولم يبق راسخا في أذهان التجار إلا الرشوة التي ترتبط بموظف الضرائب بشكل عام، وعليه تجده بمجرد أن يوضع في حرج جبائي يلجأ للحل الأسهل وهو الرشوة لإسكات الموظف المعني بمعالجة ملفه.

ونفس الشيء ينطبق على البنوك عمومية كانت أم خاصة محلية كانت أم أجنبية، دائما يوجد نوعية من الموظفين البارعين في جر المتعامل الاقتصادي إلى الفساد جرا، موهمين إياه أن حصوله على المبالغ الطائلة لمشاريعه المضخمة لن يكون سهلا وأن أسهل طريق أن يكون لهم نصيب من المبلغ المقترض، وتجده يرضخ خاصة إذا لم يكن له حل سوى الاقتراض من هذه البنوك التي خربت الاقتصاد الوطني.

كل هذا أكتبه وأنا أحس بإرهاق عقلي ونفسي جعلني أحس بعجز كبير أمام بعبع الفساد الذي لم يبق إلا بعض المجالات التي لم ينتشر فيها انتشارا واسعا، وأخشى ما أخشاه أن يأتي اليوم الذي ينطبق علينا فيه قول الله تعالى:{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}.

فإلى متى يبقى المتعاملون الاقتصاديون في بلادنا رهينة موظفين يفعلون ما يشاءون دون حسيب أو رقيب؟

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق