أحداث دوليةحدث وتعليق

انحياز مصر إلى العدوّ يهدّد المفاوضات بالفشل اتفاقٌ مشرّف للمقاومة أو حرب استنزاف طويلة أ.حسين لقرع

LAGRAA1 (1)   تؤكد الأخبار الواردة من القاهرة هذه الأيام، مدى صعوبة المفاوضات غير المباشرة التي تجري بين الوفدين الفلسطيني والصهيوني بوساطة مصرية، ويبدو أن الطرفين لم يحرزا إلا تقدّماً محدوداً في مختلف النقاط المطروحة للمباحثات وفي مقدمتها مطالب المقاومة برفع الحصار عن غزة وفتح ميناء بحري ومطار، ما جعل بعض المتتبعين يتشاءمون ويتوقعون فشل هذه المفاوضات والعودة إلى الحرب فور انتهاء هدنة الخمسة أيام، وإذا حدث ذلك فستكون شبيهة بحرب الاستنزاف وستدوم طويلاً.

   يبدو أن مفاوضات القاهرة لم تحرز تقدّماً كبيراً برغم تمديد الهدنة للمرة الثالثة خمسة أيام أخرى، ولم يكفِ مدة أسبوع كامل للتوصل إلى اتفاق بين الصهاينة والوفد الفلسطيني الموحّد بقيادة أحمد العزام، وتقول الأنباءُ الواردة من القاهرة أن مؤشرات فشل المفاوضات أكثر من مؤشرات نجاحها، وهذا خلافاً للمفاوضات التي أدت إلى إيقاف حرب عام 2012 لأن محمد مرسي انحاز آنذاك إلى جانب المقاومة خلال الحرب وفي أثناء المفاوضات وضغط على العدو لتقديم تنازلات للمقاومة.

  اليوم انقلب الوضع رأساً على عقب بعد أن تولى الانقلابيون من فلول نظام مبارك الحكمَ بالقوة في 3 جويلية 2013، وأعلنوا عن معاداة حماس دون هوادة باعتبارها إمتداداً للإخوان في فلسطين، وأمعنوا طيلة 13 شهراً في تضييق الخناق على حماس وتشديد الحصار عليها، وسلطوا إعلامهم لشنّ حملة مسعورة جائرة ضدّها، فأطلق عليها سيلاً من الأكاذيب وشيْطنَها أمام الرأي العام المصري، كما شنّ النظام الانقلابي حملة على الأنفاق التي حفرها الفلسطينيون لتخفيف الحصار الجائر على 1.8 مليون إنسان في غزة، وتمكنوا من هدم 1669 نفقاً حسب آخر الإحصائيات، بعضها دُمّر خلال العدوان الجاري على القطاع.

   وحينما إندلعت الحرب في 7 جويلية الماضي، أبدى الانقلابيون تحيّزا سافرا للعدو الصهيوني ومعاداة غير مبرّرة للفلسطينيين، ثم تظاهروا بالحرص على الدّم الفلسطيني فطرحوا يوم 14 جويلية مبادرة وقف إطلاق نار لم تُبدِ فيها أيّ اكتراث بمطالب المقاومة التي طرحتها في بداية الحرب وفي مقدّمتها إنهاء الحصار والفتح الدائم للمعابر وإقامة ميناء بحري…وصاغت مبادرتها بطريقة منحازة بشكل سافر للعدوّ حيث نصّت على وقف إطلاق النار من الطرفين دون شروط ثم الشروع بعدها في مفاوضات بينهما.

   وقد أدى الرفضُ الشديد الذي أبدته المقاومة للمبادرة المصرية باعتبارها لا تستجيب لأبسط مطالبها العادلة، إلى تحميل مصر لها المسؤولية عن المجازر الصهيونية التي تُرتكب منذ طرح مبادرتها في 7 جويلية الماضي، وشنت حملة إعلامية وسياسية جائرة لاظهار حماس بمظهر من يرفض وقف القتال ويعرّض أرواح آلاف الأطفال والنساء للخطر، لتبرِّىء بذلك الجلاد الصهيوني من أي مسؤولية وتعطيه الضوء الأخضر لارتكاب هذه المذابح الوحشية وتدمير أحياء بأكملها على رؤوس السكان وإزالتها من الخريطة.

   وبرغم الرفض الشديد للمبادرة، ومطالبة المقاومة مصرَ بإدخال تعديلات عليها لتتضمّن مطالبها، إلا أن النظام المصري رفض قطعاً إدراج أيّ تعديل على مبادرته وأبدى تشبّثا شديدا بها لأسباب تتعلق بمشاركة حلفائه الصهاينة في صياغتها، إلى أن أقنع طرفي الصراع بهدنة من ثلاثة أيام للشروع في مفاوضات غير مباشرة في القاهرة، ثم أقنعهما بتجديد هدنتهما ثلاثة أيام أخرى، ثم بتجديدها الأربعاء الماضي لثالث مرة لمدة 5 أيام كاملة، لكن الأخبار الواردة من القاهرة تؤكد أن مصر لا تلعب دور “الوسيط النزيه” بل فضلت الانحياز الكلي إلى الصهاينة، خلافاً لنظام الإخوان الذي إنحاز إلى حماس، حتى أن وزيرة العدل تسيبي ليفني لم تجد حرجاً في الإعلان، والمفاوضات جارية في القاهرة، أن حكومتها ومصر اتفقا على “خنق حماس” وتشديد الحصار عليها لمنعها من إعادة تسليح نفسها، وهو تصريحٌ يفسّر جانباً من طبيعة “التحالف الإستراتيجي” الذي كشف نتنياهو منذ أيام عن قيامه بين الكيان الصهيوني ومصر وثلاث دول عربية أخرى في عزّ العدوان على غزة، وطبيعة الأدوار التي ستقوم بها مصر و“شقيقاتها” الثلاث الآن ومستقبلاً.

   وحينما يحتجّ صحفيون صهاينة على النظام المصري ويتهمونه بتعمّد عرقلة المفاوضات غير المباشرة الجارية في القاهرة بسبب كرهه الشديد لحماس، فإننا ندرك أن هذه المفاوضات آيلة إلى الفشل شبه المحتوم وبالتالي عودة الطرفين إلى الحرب مجدداً، إلا إذا تجاوز الصهاينة “عقبة” مصر وأبدوا مرونة غير منتظرة في المفاوضات وأعادوا صياغة شروط المقاومة بكيفية تجعل المجتمع الدولي يتكفل بحصار غزة نيابة عنهم من خلال تكليفه بإدارة المعابر وميناء غزة والمطار وفرض رقابة شديدة عليها لمنع تهريب الأسلحة للمقاومة.

   أما إذا فشلت المفاوضات، وهذا هو الاحتمال الأقرب إلى الواقع بالنظر إلى المعطيات الحالية، فإن الأرجح أن تستمر الحرب بشكل مغاير تماماً للجولة الأولى منها والتي استمرت قرابة شهر، وأن تكون هذه المرّة على شكل “حرب استنزاف” يعمد فيها الجانبُ الفلسطيني إلى مواصلة إطلاق الصواريخ على المستوطنات والمدن الصهيونية في فلسطين المحتلة ويردّ جيش الاحتلال بالقصف عن طريق الطيران وحده مع عدم “المغامرة” مجدداً بالزجّ بالجيش البري في القطاع لتفادي المزيد من الخسائر البشرية في صفوفه بعد أن عانى جنودُه الأهوال في الجولة الأولى وخسروا الكثير من القتلى والجرحى على يد المقاومة. وسيكون هدف العدو الصهيوني بمواصلة القصف عن طريق الطيران مدة طويلة، إحداث المزيد من الخسائر البشرية في صف الفلسطينيين وكذا الخسائر المادية بتهديم المزيد من البيوت والأحياء، قصد تيئيس المقاومة وإجبارها على الكف عن إطلاق صواريخها والقبول بوقف الحرب دون شروط لتحجيم الخسائر البشرية والمادية المتفاقمة والتخفيف من معاناة السكان.

   أما المقاومة فستراهن من خلال الاستمرار في إطلاق الصواريخ مدة طويلة على مستوطنات العدو ومدنه، على تصعيد الضغط عليه من خلال  مضاعفة خسائره الاقتصادية وشلّ سياحته وكذا إجبار المستوطنين على عدم استئناف حياتهم الطبيعية والبقاء قرب الملاجىء وكذا البقاء “لاجئين” في مدن داخلية بعيداً عن بيوتهم في المستوطنات القريبة من غزة، ما يجبر العدوّ في الختام بقبول مطالب المقاومة ورفع الحصار عنها لإنهاء معاناة مستوطنيه، أو المغامرة بدخول غزة مجدداً للقضاء على المقاومة فيتكبد العدو خسائر فادحة ويُمنى بهزيمة تاريخية.

   هي حرب استنزاف ستدوم طويلاً إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق لوقف الحرب خلال الهدنة الثالثة، قبل أن يصرخ أحدُ الطرفين من آلام “عض الأصابع” إيذاناً بهزيمته، ولا نشك أن المقاومة هي الأكثر ثباتاً وبسالة وصبراً على التضحيات في ميدان المواجهة.

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق