كلمة الرئيس

صيف عربي حار وضار أ.د.عبد الرزاق قسوم

2701   خطت الأقدار، لأسباب لا ندرك كنهها، أن يتجمّع، في أجواء صيف وطننا العربي الكبير هذه السنة، أنواع شتّى من الحرّ الجالبة لألوان مختلفة من الضرّ.

  فحرارة الجوّ الطبيعي، التي ميّزت هذا الصيف كتمت الأنفاس، وهيّجت الأنجاس، وأفلست جيوب كلّ الناس ،  وجاءت حرارة الشمس المحرقة ، فأحرقت العصافير في وكناتها، وهجَّرت الجماهير من سكناتها، وأزعجت الصبيَة الرّضع في نومها وفي تقلباتها.

  سبحانك اللّهم، ابتليت عبادك في هذا الوطن العربي الكبير بحرارة الطبيعة، بمختلف مستوياتها، فما أغنت عنهم شناخب الجبال ولا هضبات التلال، ولا سواحل الأودية والبحار، وهي التي –عادة- ما تُلطِّف أجواء وطننا العربي من “شتورة” إلى “ظفار” ومن “شرم الشيخ” إلى سواحل ليبيا الأحرار.

  ذلك لأنّ الإنسان في هذه الأقطار العربية قد كفر بنعمة الجمال، والجلال، وسوَّلت له نفسه العبث بالمقدّس والمدّنس، فأذاقه الله لباس الجوع والخوف على هذا الصنيع، وجعل بأسه شديدًا بينه وبين أخيه بهذا الشكل الفظيع.

فأنّى ألقيت بناظرك في خريطة الوطن العربي، وجدت بقعًا حمراء ملوّنة بالدّماء، أحدَثها إخوة أعداء متشاكسون لا يرعوي أي فريق منهم عن أن يُنـزِل الدّمار والخراب بأهله، مستقويًا عليهم بغير أهله.

فالخراب والدّمار أصبح هو الصوت المميّز لحياة العراقيين عليه يمسُون وعلى ذُوِيِّه يصبحون، وما ظلم العراقيين أحد ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.

فإلقاء البراميل المتفجّرة على أهلنا في سوريا، قد أصبحت هي “خاصية” الحرب التي يُكابدها شعب سوريا العزيز، بسبب حرب أبنائه المتصارعين، التي يخوضها جيش “النصرة”، وجنود “داعش” في الموصِل والبصرَة، والحكّام المستبِّدون الذين حوّلوا حياة شعوبهم التي كانت آمنة مطمئنة إلى “ساعة عسرة”.

فإلى جانب حرارة الطبيعة أضيفت حرارة الحرب والفجيعة، ومحنة العدوان على البريء والبريئة، من الشيوخ الرّكع إلى براءة الرّضيع والرّضيعة، فرحماك اللّهم بدمشق، وبغداد مما تشنّه “داحس” و“داعش” و“الغبراء” و“التتار” بهمجيتهم الفضيعة.

ولم نُفِق من هول الأعاصير في العراق والشام حتى دهينا بحرب الإخوة الأعداء في اليمن الشقيِّ بأبنائه، السعيد بأعدائه. فعلام يتقاتل اليمنيون، ولمصلحة من هم يتصارعون؟ أليس فيهم رجل رشيد يهّب من بين صفوفهم، فيجلسهم بالقوّة على طاولة الحوار، ويقضي بينهم بقواعد أواصر الأخوّة، وحسن المواطنة، وودّ الجوار؟.

فهاهي ذي غير بعيد من اليمن، وسوريا، والعراق، ومصر الكنانة، التي كنّا نتفيؤ ظلالها عن اليمين وعن الشمال، ومن الشرق والغرب، إذ كلّما ألـمّ بنا طائف هرعنا إلى مصر، مسرعين يحدونا قول الله تعالى:{ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ} و{ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ}.

ولكن مصر الكنانة، وقد خالفت حكم الله، هاهي تُعدِم علماءها، وتعتقل رجالها ونساءها، وتخرِّب بقنابلها بناءها، فيا لله لمصر، ومما هالها، ومما دهاها!.

ويسألونك عن ليبيا الأحرار؟ فقل أصابها من الشيطان مسٌّ، وتسلل إليها من مكائد الأعداء والأبناء دسٌّ. فهاهي تقتل أبناءها بسلاحها، وتمزّق أواصر وحدتها، ببقايا الليبيين المزيفين، الذين ما كفاهم ما عاثوه فسادًا بليبيا طيلة عقود من الزمن، هاهم يحاولون تحت تأثير سكرة الموت التي يعانونها، يهدّمون البيت على ساكنيه.

إنّه لغريب، والله، أمر المواطن الليبي هذا الوديع، الطيّب، المسلم، العربي، الصادق، كيف تسوّل له نفسه العبث بدولة ليبيا بعد أن استعادها بالدّم والدّموع؟ وتمزيق وحدة ليبيا بعد أن ضحّى في سبيلها عمر المختار ومجاهدوه؟.

إنّنا لا نجد تعليلاً لما يحدث في ليبيا. فشعبها موّحد اللّسان متجانس الأعراق، منسجم العقيدة، ففِيم التقاتل إذن، وليس بينهم أجنبيّ عن وطنهم أو معتقدهم أو ثقافتهم؟.

إنّ هذه المعاناة –إذن- التي أصبحت للأسف الشديد هي القاسم المشترك الأعظم بين أقطار وطننا العربي، وما تنفثُه –في هذا الصيف- من حرّ وضرّ، حيَّر كلّ شريف وكلّ حرّ هي التي أضافت إلى حرّ الصيف الطبيعي، حرّ الحيف الإنساني، فاختلطت أنواع الحرّ بما جلبت من أنواع الضرّ، فألقت بالإنسان العربي في بُؤَر وحُفَر وهو يُرسل بنداء استغاثة إلى بقايا الأحرار والعقلاء والحكماء في هذا الوطن، لإنقاذ ما يُمكن انقاذه، مما أتى عليه أعداء الوطن العربي من تدمير للتعمير، وتخريب للتسيير، وإفساد للوعي والضمير، بما سبّبه ما نحن فيه من سوء المصير.

وهكذا نُدرك أنّ محنتنا في الصيف وفي كلّ الفصول ليست حرارة المناخ الطبيعي، ولكن مرارة التلوث الإيديولوجي الإنساني الذي أُضيف إلى فضاعة العدوان الصهيوني البربري الذي يساوي في فضاعته فضاعة ما يفعله العربي بوطنه في شتّى أقطار العروبة.

اللّهم إنّنا نشكو إليك كيد الأبناء! وظلم الأعداء! وشماتة الألداء!

وظلم ذوِي القُربى أشدُّ مرارةً    

على المرءِ من ظلمِ الحُسامِ المهنَّد

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق