أركان خاصة

التجربة الكندية في المراكز الأسرية

“كندا” تريد أن تتميز كدولة عن غيرها، فكلفت فريقا من الخبراء ليدرس لها كيفية السبل للتفوق والتميز على الدول الأخرى، وكانت نتيجة البحث الطويل أنه لابد من (الاهتمام بالأسرة) لأنها هي الطريق السريع والأقوى لتفوق الدولة وتميزها، وذلك من خلال وسيلة تبنتها الدولة وهي فتح (مركز أسري) في كل حي كندي.
ثم عملوا أبحاثا طويلة لمعرفة أولويات هذا المركز، وما هي برامجه وأهدافه تجاه الأسرة حتي يركزوا على الأهم والأولى، وانتهى البحث إلى أن أسرع وسيلة لتميز الأسرة في أمرين: الأول أن يعطي المربي جزءا من وقته اليومي ليتواصل مع أبنائه، والثاني أن يتحاور معهم بأمور تساهم في تنميتهم وتطوير شخصيتهم، وخاصة للعمر الأقل من ست سنوات فهي أهم مراحل التواصل والتربية، والاهتمام بهذه المرحلة يضمن تميز المجتمع مستقبلا، وبناء على ذلك تم عمل مراكز للإرشاد الأسري مهمتها تدريب العاملين في المراكز الأسرية وتدعم برامج المراكز الأسرية كيفية التعامل مع المربين
وقد زرت أحد هذه المراكز في حي (ريشموند) بفانكوفر وسألتهم هل تقصدون بالمربين الوالدين؟ فكان الجواب: لا، وإنما المربي هو كل من يتولى تربية الطفل وتوجيهه مثل الوالدين أو الجد والجدة أو المعلمين بالمدارس، ثم سألتهم كيف يتواصل المركز الأسري مع المربين؟ فقالوا: نحن نعتمد على أسلوب (التوعية العفوية)، فاستغربت من الفكرة وقلت لهم كيف ذلك؟
قالوا: لأن المربين دائما يعتقدون أنهم يربون بطريقة صحيحة، وهم لا يعرفون المتغيرات التي تحصل للطفل بسبب نموه، سواء كان هذا المتغير عقليا أو صحيا أو بدنيا أو غيرها، فكان أكبر تحد يواجهنا هو كيف نشعر المربي أن ما يفعله خطأ بينما هو يعتقد أنه صواب؟ قالوا: فابتكرنا أسلوب (التوعية العفوية) وهي عبارة عن لقاء شهري أو ربع سنوي نعمله للأسرة ونطرح فيه ما يهمهم من جوانب صحية أو غذائية أو غيرها، ونقتنص هذه الفرصة فيتطرق الخبير التربوي لمهارات تربية الأطفال بطريقة عفوية، فيتفاعل الحاضرون مع المعلومات التربوية التي يقولها الخبير فيسأل ويحاور ومن ثم نكون قد حققنا الهدف.
قلت: وهل رأيتم نتائج ايجابية لتكنيك (التوعية العفوية)؟ قالوا: نعم وهي نتائج مثمرة وقوية للأطفال الصغار، فلما نجحنا في توعية المربين في كيفية تربية الأطفال اكتشفنا أننا أهملنا توجيه المربين على مهارات التعامل مع المراهقين، وهذا البرنامج الذي نخطط له الآن، قلت: إذن مهمة المركز الأسري مثل مهمة المراكز الاجتماعية التي بدولنا، قالوا: لا، نحن كذلك لدينا في كل حي مركز اجتماعي وله دور مختلف عن المركز الأسري، قلت: وما الفرق بين المركز الاجتماعي والمركز الأسري هنا في كندا؟، قالوا: المركز الاجتماعي يهتم بكل أفراد الأسرة كبيرهم وصغيرهم وفيه ملاعب رياضية ويقدم برامج تعليمية مثل تعليم اللغات وغيرها وبعضهم فيه مسابح، أما نحن فمركزنا الأسري يهتم بالجانب الصحي والنفسي للأسرة وخاصة توعية المربين بتربية الأطفال.
قلت: ولماذا كل الدراسات والأبحاث عندكم كانت نتيجتها الاهتمام بالطفل والحرص على تنميته وتميزه تربويا؟ قالوا: لأن علماءنا وخبراءنا الذين قاموا بالدراسات العلمية أكدوا لنا أن أول ست سنوات من عمر الطفل هي الكفيلة بصناعة جيل المستقبل، وعلى مقدار الجهود التربوية فيها يتم تقرير مدي تميز المجتمع أو الدولة بعد عشرين عاما
قلت: ولكني لاحظت في مركزكم الأسري حديقة ومطبخا ومكانا لألعاب الأطفال فلماذا هذه الأقسام؟ قالوا: نريد أن نشعر من يأتينا أننا بيت مثل بيته، أما المطبخ فنستفيد منه في تعليم الأمهات الطبخ وهذا يساعدهم علي حسن إدارة بيتهم، أما الحديقة فإنه قد ثبت علميا أن الزراعة تعالج كثيرا من المشاكل النفسية والصحية للإنسان، فنعلم من يأتينا الزراعة ليزرع في بيته وهذا يساعدنا لاستقرار نفسيته ومن ثم استقرار تربيته لأبنائه، أما قاعة ألعاب الأطفال فإننا نستثمرها في توصيل كثير من المعاني التربوية والقيم للوالدين وللأطفال
قلت: وهل مركز الأسرة هذا يتبع شركة خاصة أم هي جهة خيرية؟ قالوا: بل يتبع القطاع الحكومي وليس الخاص، قلت: إذن عمل القطاع الحكومي عندكم متميز، قالوا: إن كندا من الدول القليلة التي يتميز فيها القطاع الحكومي على القطاع الخاص، قلت متعجبا: هذه معلومة غريبة علي لأنه كما هو المعروف أن القطاع الخاص أفضل من الحكومي وهذا ما نراه في بلادنا، قالوا: نحن هنا لدينا المعادلة مختلفة، قلت: وهل من رسوم تدفعها الأسر للمركز مقابل هذه الخدمات التي تقدمونها لهم من توعية في التربية والتنمية؟ قالوا: نعم نأخذ من كل أسرة مبلغ (25) دولارا بالسنة فهو اشتراك رمزي سنوي، قلت: ولكن المظهر الخارجي والداخلي لهذا البيت يبدو أنه متواضع فهل هذا مقصود؟ قالوا: نعم لأننا نريد أن نشعر العائلات التي تأتينا أننا لسنا أعلى مستوى منهم
انتهى اللقاء وكان لقاء رائعا اطلعنا على تجربة فريدة من نوعها لخدمة الأسرة الكندية في تدريب المربين مهارات تربية الأبناء وحسن التواصل والحوار معهم ليكونوا متميزين، وكما ورد (الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها)، فلنستفد من تجارب الآخرين في تطوير خبراتنا وتجاربنا…
د.جاسم المطوع

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق