أحداث دوليةحدث وتعليق

نتائج إضافة تركيا في”معادلة” الحرب على”داعش”..!أ.حسين لقرع

LAGRAA1 (1)  شكّل قرارُ البرلمان التركي الانضمام إلى الحلف الدولي ضد تنظيم “داعش” أحد أبرز  التطوّرات في الأيام الأخيرة بالنظر إلى ثقل تركيا وقوّة جيشها في المنطقة، بل على الصعيد  العالمي، فهو يحتلّ المرتبة الثامنة عالمياً، ما يؤهّله لأداء دور فاعل في الحرب على “داعش” وربما حسم المعركة ضده.

   بعد أن ساد الاعتقادُ في الأسابيع الماضية بأن تركيا لن تنضمّ إلى التحالف الدولي الذي تشكّل في الآونة الأخيرة ضد تنظيم “داعش”، فاجأت تركيا الكثير من المتتبعين بإعلان برلمانها خوض هذه الحرب إلى جانب أمريكا وحلفائها.

   وكان المتتبعون يعتقدون أن تركيا ستلتزم الحياد في الحرب الدائرة بين “داعش” والتحالف الدولي لأسبابٍ عديدة ومنها خوفها على سيّاحتها التي تدرّ عليها دخلاً سنوياً معتبراً يتراوح بين 30 و35 مليار دولار، وهو دخلٌ مرتفع ساهم في توفير الموارد المالية الكافية لإحداث إقلاعٍ اقتصادي قويّ منذ وصول حزب “العدالة والتنمية” في 2002 إلى الحكم، مكّن البلدَ من تدارك تخلّفه الاقتصادي وبلوغ المرتبة الـ17 في قائمة أقوى الاقتصادات العالمية. وكان يُعتقد أن تركيا لن تخوض الحرب على “داعش” خوفاً من أن تنتقل إلى أراضيها، وأن يُلحق هذا التنظيم ضرراً بالغاً بسياحتها من خلال القيام بعمليات دموية ضد السياح الأجانب.

   ويُضاف إلى هذا العامل عاملٌ آخر وهو احتفاظ داعش بـ49 ديبلوماسياً تركياً كرهائن منذ سيطرته على الموصل في جوان الماضي واقتحامه القنصلية التركية في المدينة. وكانت تركيا تخشى أن يقوم “داعش” بذبح ديبلوماسييه انتقاماً منها إذا انضمّ إلى التحالف الدولي، كما فعل هذا التنظيم مع رهائن أمريكيين وبريطانيين، ونُقل عن الرئيس التركي أردوغان قولُه للرئيس أوباما في أحد لقاءاتهما مؤخراً: “لا أريد أن يُذبح ديبلوماسيونا كالنعاج وتُنشر صورُهم في الأنترنات”. ولكن بعد أن أفرجت “داعش” عن الديبلوماسيين الأتراك مؤخراً في صفقةٍ لا يزال الغموض يلفّ جوانبها، تنفست تركيا الصعداء وأصبح بإمكانها الآن إعلان الانضمام إلى التحالف الدولي ضد التنظيم دون أن تخشى شيئاً فيما يبدو.

   والواضح أن التقدّم السريع لـتنظيم “داعش” في المناطق الكردية بسوريا وعلى مقربة شديدة من الحدود التركية، قد أقلق السلطات التركية وعجّل بانضمامها إلى التحالف الدولي، فقد تمكن “داعش” من احتلال 67 قرية كردية سورية في 48 ساعة فقط، ثم زحف على مدينة عين العرب الكردية، أي أنه أصبح “جاراً” جديداً لتركيا، وهو جارٌ خطير وغير مرغوب فيه، ولذلك رأت تركيا دخول الحرب ضد هذا التنظيم لـ”تحرير” مختلف البلدات والمدن الكردية السورية منه، وبسط سيطرتها عليها وإقامة منطقة عازلة فيها لإيواء اللاجئين السوريين، وبذلك تضرب عدّة عصافير بحجر واحد ومنها تحقيق ما نادت به طويلاً من إنشاء منطقة عازلة يُمنع على النظام السوري دخولها أو التحليق بطائراته فوقها كما كان الأمر بالنسبة للمنطقة العازلة التي أقامتها أمريكا في العراق عقب حرب الخليج الثانية في 1991، وكذا مراقبة أكراد سوريا عن قرب ومنع إعادة تسلّحهم أو تحويل حلمهم بالاستقلال الذاتي إلى واقع في ظل تراجع سلطة النظام السوري ما يشجّع أكراد تركيا على طلب المِثل، وكذا دفعهم إلى قطع صلتهم بنظام الأسد، الذي يُحتمل أن يكون هو الهدف المقبل للتدخل العسكري التركي في سوريا.

   ولاشكّ أن تدخّل الجيش التركي في سوريا والعراق ضد “داعش” سيكون أمراً مريحاً جدا لأمريكا وحلفائها، حيث كانت أمريكا قلقة جدا من ضعف القوات البرّية الموجودة في البلدين والتي تراهن عليها لمحاربة “داعش” على الأرض بعد أو توهن قوتها بالضربات الجوية المكثفة؛ إذ أنه ليس بمقدور الميليشيات الشيعية والبشمركة والجيش العراقي المتهالِك التصدّي بفعالية لهذا التنظيم في العراق، وقد أثبتت هذه الأطراف ذلك في الأشهر الأربعة الماضية وخاصة  الجيش العراقي الذي مُني 30 ألف جندي منه بهزيمةٍ مذلة أمام 1500 عنصر فقط من “داعش” بالموصل في جوان الماضي وتركوا أسلحتهم وهربوا جماعياً من المدينة وتركوها تسقط دون مقاومة، كما أنه ليس باستطاعة مجموعاتٍ مسلحة علمانية سورية ضعيفة التدريب والتسليح ولا يتعدّى عددها 5 آلاف مقاتل أن تتصدى لـ”داعش” في سوريا في ظلِّ إحجام أغلب التشكيلات الإسلامية المسلحة عن الانضمام إلى التحالف الدولي ضد “داعش” برغم اغتيال أبرز قادتها، جماعياً وفردياً، لتخويف هذه التنظيمات وحملها على مساندة التحالف، بل إن تشكيلات قوية منها ومنها “النصرة” و7 تنظيمات أخرى، فضّلت الوقوف إلى جانب “داعش” في حربه ضدّ ما أسمته “التحالف الصليبي”، وكان واضحاً أن أمريكا والدول الـ55 الحليفة لها لن تُنجز شيئاً مهمّا بضرباتها الجوية المكثفة لـ”داعش” في ظل غياب قوات برية قوية على الأرض، لاسيما وأن هذا التنظيم قد قام بإخفاء أسلحته الأمريكية الثقيلة والحديثة التي غنمها من الموصل في جوان الماضي، في أماكن غير معروفة في العراق وسوريا، كما وزّع مقاتليه بين السكان المدنيين، ما جعل الطائرات البريطانية تعود ذات مرة إلى قواعدها في قبرص دون أن تطلق قنبلة واحدة على “المواقع” المفترضة لـ”داعش” لأنها لم تجد ما تقصفه.

   وانطلاقاً من ذلك، يأتي التدخُّل العسكري التركي ليزيح عن أمريكا همّا ثقيلاً، فهي لا تريد إرسال قواتها البرية إلى العراق وسوريا لمحاربة “داعش” بعد أن تكبّدت في العراق نحو 4400 قتيل طيلة 8 سنوات، اضطرّت بعدها إلى “الانسحاب” في أواخر 2011، وهي تريد من دول المنطقة إرسال جنودها ليموتوا بدل جنودها، ولكن في ظلّ ضعف جيوش دول الخليج وحتى الأردن، فقد وجدت أمريكا في تركيا الحلّ المثالي الذي كانت تبحث عنه لإنجاح حملتها الرامية إلى القضاء على تنظيم “داعش” أو تحجيم خطره إلى مستوياتٍ دنيا، بحيث لن يعود بإمكانه التهديد بابتلاع حلفائها في المنطقة وضمّ أراضيهم إلى “دولته”. كما أن دخول تركيا الحرب يزيح عن أمريكا شبهة نُصرة الشيعة على السنة، وهي الشبهة التي سعت الولايات المتحدة إلى تفاديها منذ البداية من خلال رفض إشراك إيران وسوريا في التحالف الدولي، ولا ريب أن دخول الجيش التركي الحرب سيجعل أمريكا غير مضطرة للاستنجاد بالجيش الإيراني القوي لخوض حربٍ برية على “داعش”.

   ويُعتقد أن تركيا لم تدخل الحرب إلا بعد أن ابتزت أمريكا وحصلت منها على مقابلٍ ثمين، ويُرجّح أن هذا الثمن لا يقلّ عن تكرار الأنموذج الليبي في سوريا من خلال مساهمة الناتو لاحقاً في دعم المعارضة المسلحة بالضربات الجوية للنظام السوري لاسقاطه بعد القضاء على “داعش”.

   ولكن هل يستطيع الجيشُ التركي إنجاز المهمّة على الميدان ودحر “داعش” في حربٍ برية يُنتظر أن تكون طويلة، ثم إسقاط النظام السوري لاحقاً؟

   هذا هو السؤال الجوهري الذي يُطرح الآن بعد أن قررت تركيا خوض هذه الحرب، وهي قطعاً حربٌ محفوفة بالمخاطر بالنظر إلى شراسة مقاتلي تنظيم “داعش” وقتالهم بضراوة قلّ نظيرُها، واعتماد التنظيم على أسلوب قطع الرؤوس والإعدامات الجماعية لمن يقع في أيديه لنشر الرعب في صفوف خصومه، ولا شكّ أن القوات التركية ستتكبد خسائر بشرية ومادية كبيرة في هذه الحرب التي ينتظر أن تكون طويلة وشاقة باعتراف الأمريكيين أنفسهم. وإذا تجاوزت تركيا عقبة “داعش” بسلام، فإن عقبة نظام الأسد ليست هيّنة بدورها؛ إذ قد تلجأ إيران إلى دخول الحرب ضد تركيا وقصفها بعشرات الآلاف من الصواريخ لإلحاق أضرارٍ فادحة بمدنها وبنيتها التحتية قصد إجبارها على إيقاف الحرب والانسحاب، وهنا قد تنشب حربٌ إقليمية كبرى تعود بأضرار وخيمة على المنطقة برمّتها.

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق