بحوث و دراسات

أدبنا وثورة التحرير أ. الأستاذ محمد العلمي السائحي

سائحي  لقد تعرض الأدب فيما بعد الاستقلال إلى الإقصاء والتهميش، وتم التركيز على السياسي والعسكري وسلّط الضوء على دورهما في الثورة، وأبرزا على أنه لولاهما لما كان للثورة التحريرية المباركة أن تقوم وتستمر وتحقق أهدافها، وأعلي من شأنهما أيما إعلاء، ورفع قدرهما إلى عنان السماء، واستبعد بذلك دور الفكر والأدب من حياة الإنسان الجزائري بهذه الطريقة الخرقاء، مما جعل بعض الناس يظنون ـ وبعض الظن إثم ـ أن الأديب والأدب لا علاقة لهما بالحياة ولا أثر لهما فيها، في حين أن أدباءنا كما يثبت الواقع والتاريخ قد أسهموا في الثورة المظفرة بقسط وافر، وبجهد لا مزيد عليه، فهم الذين حملوا عبئها من قبل أن تولد، وهم الذين رعوها بعدما ولدت حتى شبت وقوي عودها، وهم الذين سخروا لها عبقريتهم، ونفخوا في رجالها ساسة وجنودا روح العزم والتصميم حتى اشتعل أوارها واشتد ضرامها، وبذلوا لها جهدهم، وأعطوها ما لم يعط لها أحد من العالمين، حتى أن الكثير منهم سجنوا ونكل بهم أيما تنكيل، كما قضى بعضهم فيها، والبعض الآخر قضت عليهم قوات الاحتلال الفرنسي الغاشم بالرصاص، لأنهم رفضوا الاحتلال وطالبوا بالخلاص، ويشهد الله على أن الأدب الجزائري وأدباءه قد ثبتوا في ميدان الجهاد ثبوت الجبال الراسيات، وكافحوا الاحتلال الفرنسي بشجاعة لا تبارى، وناضلوه بالأقوال والأفعال، نضال المؤمنين الصادقين، وتحملوا في ذلك مرّ الأذى والآلام، ما يضيق بذكره هنا الوقت والمقام، وحتى نثبت صحة ما نزعم، وصواب ما سلف وتقدم، دعونا ننظر في آثارهم، ونستجلي منها مواقفهم وأخبارهم.
إن الناظر في تراثنا الأدبي والمتأمل فيه، سيجد أن الأديب الجزائري ناثرا كان أو شاعرا، قد لعب دورا هاما على ثلاث مستويات وقد أبلى فيها جميعا البلاء الحسن، وأول هده المستويات هو:
1 – التمهيد للثورة:
لقد ساهم جل الأدباء في التمهيد للثورة وذلك عن طريق شحذ الوعي السياسي لدى عامة الجزائريين، وتبصرتهم بما حاكه ويحيكه لهم المحتل الفرنسي من مكائد ومؤامرات ترمي إلى تفريقهم وتشتيت شملهم ومنعهم من جمع صفهم، وتوحيد كلمتهم، حتى يبقوا على ضعفهم، ولا تكون لهم قوة تمكنهم من التصدي لطغيانه، وتعينهم على دفع أذاه وعدوانه، نجد ذلك ماثلا فيما خلفه لنا من آثار شعراء الثلاثينيات من القرن العشرين، ويأتي في مقدمتهم الشيخ الإمام عبد الحميد ابن باديس رحمه الله الذي وإن كان مقلا في الشعر إلا أن قليله ذلك سخره لهذه القضية بالذات، وقصيده الذي ألقاه بمناسبة الاحتفاء بذكرى المولد النبوي سنة 1936 والمعروف عند العامة من الناس بـ: ” شعب الجزائر مسلم” هو دعوة صريحة للشعب الجزائري للاستعداد للثورة وتنبيه للمنهج الذي يجب اعتماده، وتحديد للوسائل التي ينبغي توظيفها، وتوضيح للغاية التي يتوجب استهدافها والتركيز عليها، فها هو يقول فيه عن الغاية من الثورة وهدفها:
حتى يعود لقومه من عزهم ما قد ذهب
ويرى الجزائر رجَّعت حق الحياة المستلب
وهو يعني بحق الحياة المستلب حق الشعب الجزائري في أن يعيش حرا مستقلا غير مستعبد.
وها هو يحدد الوسائل المساعدة على بلوغ الغاية فيقول:
يا نشء أنت رجاءنا وبك الصباح قد اقترب
وتأتي إشارته للنشء هنا تنبيها إلى أن المعول على الشباب دون سواهم لمصادمة المحتل، وإرغامه على الجلاء عن الجزائر، وعلى الآخرين الدعم والمساندة، أما عبء الثورة والكفاح المسلح فلا يطيقه إلا الشباب، ولذا وجب إعداده وتهيئته لهذه المهمةالجليلة نفسيا، وخلقيا وبدنيا حتى ينهض بها على أكمل ووجه، ويقوم بها خير قيام.
ثم ها هو يعرض فيه المنهج الواجب تبنيه واعتماده لنجاح الثورة وتحقيق أهدافها:
خذ للحياة سلاحها وخض الخطوب ولا تهب
وارفع منار العدل وال إحسان واصدم من غصب
أذق نفوس الظالمـيــــــــن السم يمزج بالرهب
واقلع جذور الخائنيــــــ ـــــن فمنهم كل العطب
واهزز نفوس الجاميــ ــــنفربما حيي الخشب
وهو يشير هنا إلى أن الثورة تتطلب الجرأة وتحتاج إلى الشجاعة والإقدام، وهي لا يمكن أن تقوم وتدوم في شعب يسوده الظلم وانعدام المسؤولية، بل لابد من منع التظالم بين أفراد المجتمع، وتربيتهم على المسؤولية، وإشاعة روح التسامح والتراحم فيما بينهم، حتى تسري بينهم روح التكافل والتضامن، عندها فقط يمكن الاستعانة بهم، والتعويل عليهم للقيام بالثورة، ومن مقتضيات المنهج الثوري أن يواجه المحتل بكل عنف وشراسة، وتصفية الخونة جسديا لحرمان المحتل من خدماتهم، وللحيلولة دون استشرائها في المجتمع، كما تقتضي الثورة مشاركة الجميع واندماجهم فيها ولذا يتوجب مجابهة المحايدين وحملهم على الانخراط فيها، حتى لا يتخذ منهم العدو ذريعة لرفض الثورة وعدم الاعتراف بها بدعوى أن ليس كل الشعب معها.

2- التحريض على الثورة والدعوة إليها:
وعلى هذا المستوى قدم أدباءنا الكثير الكثير، فدعوا إلى الثورة مبكرا، ودأبوا على التحريض عليها، والدعوة إليها، ويأتي في مقدمتهم الشيخ محمد العيد آل خليفة رحمه الله، فها هو يدعو بصريح العبارة إلى الثورة والتمرد على المحتل الغاشم في قصيده” صوت من الغيب” قائلا:
يا شعب قم على الهمـــــــو م والشؤوم ثائرا
يا شعب جد الجد فانـهـــــــــــ ــض واكسب المفاخرا
وهذا الشيخ محمد الأخضر السائحي رحمه الله يحذو حذوه، ويقفو خطوه، فينسج على منواله وينظم نشيدا سنة 1935 لجمعية الطلبة الزيتونيين الجزائريين يستنفر فيه الشباب للثورة فيقول:
سندرأ بالسيف عنك العذاب ونرفع بالعلم فيك العلم
فمن للجزائر غير الشباب يجاهد بالسيف أو بالقلم
يتوق إلى العيش حرا مهابا يرى الحرب مستعرا كالسلم
فإنا بنو الفاتحين الأول بلادي وأشبال تلك الأسود
لنا نهج وإسوة في العمل سيرضيك منا ويرضي الجدود
وكان الجهد الجبار الذي بذله الكتاب والشعراء على هذا المستوى، عاملا مهما في التهيئة الذهنية والنفسية للشعب لتقبل الثورة، وأسهم دون شك في تعزيز الثقة بالنفس، مما ساعد على التحرر من الخوف من الآخر، وفجر تلك الرغبة المكبوتة فيالثورة على المحتل البغيض لدى شبابنا، الذي كان يتلمظ غيظا مما كان يلحقه المحتل بشعبهم من ألوان الإذلال والمهانة، وما كان يمنعهم من التصدي له، والثورة عليه، إلا الخوف من قلة التأييد وامتناع الدعم من جموع الشعب، والساسة الذين كانوا يتشبثون بالحلول السلمية ويعولون على انتزاع الحقوق بالمفاوضات السياسية، والذين كانوا يتخوفون من عواقب الجنوح إلى الكفاح المسلح، ويشددون على الشباب في ذلك، فتدخل الأدب ليحل هذه الإشكالية، وسخر الأدباء أقلامهم لانتقاد تلك الأساليب التفاوضية العقيمة، وحرضوا الناس عامة والشباب منهم خاصة على حمل السلاح والتصدي للعدو بالنضال والكفاح، ونبهوا إلى أن فرنسا تستغل التفاوض للمماطلة وتضييع الوقت،ليضجر الناس وينفضون أيديهم من القضية الوطنية كلية، وهي لا ولن تعترف بالحقوق كما يظهر ذلك في قول محمد العيد آل خليفة رحمه الله في القصيد التالي:
ولعل من نظم السياســـــ ـة أن نغش وأن نغر
ولعل منها أن يدســـــــــــ ـس لنا ونجذب للحفر
ولعل منها أن يبســـــــــــ ــس لنا لنحلب كالبقر
ولعل منها أن نمــــــــــــا طل كي يساورنا الضجر
وهذا الشاعر أحمد معاش الباتني رحمه الله يتنفر شعبه للثورة فيقول:
إلام يكيد الكائدون وتنظر ويمتهن الأعداء حماك وتصبر
إلام أخي يجتاح كل بلادنا عدو لدود بالمبادئ يكفر
عهدتك نضاحا عن الحق والحمى وفي حومة الهيجاء لا تتقهقر
عهدتك لا ترضى الدنية والأذى ترى الموت أولى من دنياك وأجدر
ليقول بعدها:
يزري تقدم أخي للحق تحظى بنيلهفخصمك بالكلام ويسخر
إذا ظلم الباغي وطال عتوه فليس له إلا المدافع تزأر
3- مباركة الثورة وتأييدها:
أما على هذا المستوى فقد تسابق الأدباء من كتاب وشعراء فور الإعلان عن الثورة، إلى مباركتها وتأييدها والإشادة بها، ودعوة الناس إلى الالتفاف حولها، ومد يد العون لها ولرجالها، وبذلوا أقصى الجهود في التجييش والحشد لها، وذلك بالتأكيد على أنها هي الحل الأمثل لتحرير الإنسان والأوطان من ذل الاحتلال والطغيان، كما يظهر ذلك واضحا جليا من القصيد الذي دبجه يراع الشيخ محمد الشبوكيتحت عنوان: ” معركة الجرف” وهو صاحب رائعة” جزائرنا يا بلاد الجدود” فها هو يقول فيه:
تحقق الأمل المنشود وانطلقت كتائب النصر من أعلى روابينا
وآمن الشعب أن المجد تصنعه بالاتحاد وبالرشاش أيدينا
فما السياسة أجدت غي مطالبنا ولا الشكوى أفادت عبر ماضينا
إن السياسة أوهام مضللة يا طالما عرقلتنا عن مرامينا
وطالما اوهنت قوى جماعتنا وطالما شتت أحرار وادينا
وكم أضعنا من الأوقات أثمنها وكم لهونا فهل كنا مجانينا…؟
الله أكبر، لاح الفجر وانبعثت أنغام ثورتنا الكبرى تناجينا
أنت الدواء لشعب عز مرهمه فطالما داؤه أعيا المداوينا
وهكذا وقف الأدب والأدباء إلى جانب الثورة وساندوها بكل قواهم، وانبروا ينوهون ببطولات رجالها الأشاوس، ويشيدون بصمودهم وثباتهم في المعارك، داعين الشعب إلى الثبات والتصدي والإصرار على إنجاز أهداف الثورة
مهما كانت التحديات وكيفما كانت التضحيات، كما يبينه قول الشيخ محمد الأخضر السائحيرحمه الله، في قصيده الملحمي “قصة ثائر” حيث جاء فيه:
سنمضي لنرفع هذا العلم ليخفق حرا بأعلى القمم
فإما قضينا حقوق الذمم وعدنا وإما طوانا العدم
ولكن سنمضي لكي يخفقا
سنمضي ندوي مع المدفع وإن نحن متنا ولم نرجع
فإنا وقفنا ولم نركع وسوف أقول وقولوا معي
لأرض الجزائر طول البقا
والحديث يطول في هذا المضمار، ولعل الفرصة تسنح في قابل الأيام للغوص أكثر في هذا الموضوع والكشف عن الروائع الأدبية التي جادت بها قرائح شعرائنا وكتابنا فثورة الفاتح من نفمبر لم تكن كباقي الثورات فقد كانت غضبا لله وللقيم الإنسانية الخالدة وإلى ذلكم الحين أستودعكم الله….

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق