تحاليل وآراءحدث وتعليق

حركات التغيير وفقه الطهارة.! الشيخ كمال أبوسنة

Sans-titre2 قوة أهل الحق تكمن في قوة صلتهم بربهم، فإذا انقطعت هذه الصلة لم يعد هناك فرق بينهم وبين أهل الباطل، فإنْ تساووا في الذنوب والمعاصي كانت الغلبة لمن يملك العدّة والعدد، فكم من فئة مؤمنة قليلة غلبت فئة كافرة كثيرة ، بإذن الله، حين توفرت الأولى على الإيمان والتقوى فنفعها ذلك، وتمكنت من الثانية جراثيم الضلالة والآثام فلم تُغن عنهم كثرتهم من الله شيئا.

نحن في هذا العصر بحاجة إلى إعداد جيل التربية الإيمانية كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- في دار الأرقم بن أبي الأرقم أيام كان يشتغل على تكوين ثلة من الرجال المؤمنين الصادقين الذين حملوا راية التغيير في عصر الجاهلية الأولى، فحقق الله -عز وجل- على أيديهم بناء أعظم مشروع رأته الإنسانية في ذلك الوقت وهو “المجتمع المسلم الأولى” المرتبط برب الأرض والمساء، فاستحق أفراده رضا الله عنهم وإنها لإحدى أعظم النعم ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِن الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (سورة التوبة الآية: 100).

إن إغفال حركات التغيير المعاصرة للجانب التربوي في سعيها نحو هدف تأسيس المجتمع الوثيق الصلة بالله رب العالمين جعل مجهودها لا يُثمر، وخطواتها تتعثر، وتخسر ولا تظهر، وما زاد الطين بلة أن صفوفها تُخترق ليلا ونهارا، سرا وجهارا، من طرف أدعياء همّهم نيل المغانم الكثيرة، والارتزاق باسم المبادئ والقيّم، وصدق الله العظيم حينما خاطب نبيه -صلى الله عليه وسلم- في بداية عهده بالنبوة قائلا:﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ إعلانا منه أن الفرد الذي يحمل بين جنبيه نفسا مريضة، وصاحب شخصية انتهازية نفعية، غير مؤهل لأن يكون على رأس القيادة أو التوجيه في طريق الدعوة، بل وجوده في القافلة سيزيدها خبالا، ويُرْبِك سيرها بالفتن، وفيها سماعون يتأثرون بلحن القول كما قال تعالى:﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمْ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (سورة التوبة الآية:47).

يقول سيد قطب –رحمه الله- في تفسيره “الظلال” عند قوله تعالى:﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ : “..وطهارة الثياب كناية في الاستعمال العربي عن طهارة القلب والخلق والعمل..طهارة الذات التي تحتويها الثياب، وكل ما يلم بها أو يمسها..والطهارة هي الحالة المناسبة للتلقي من الملأ الأعلى. كما أنها ألصق شيء بطبيعة هذه الرسالة. وهي بعد هذا وذلك ضرورية لملابسة الإنذار والتبليغ، ومزاولة الدعوة في وسط التيارات والأهواء والمداخل والدروب؛ وما يصاحب هذا ويلابسه من أدران ومقاذر وأخلاط وشوائب، تحتاج من الداعية إلى الطهارة الكاملة كي يملك استنقاذ الملوثين دون أن يتلوث، وملابسة المدنسين من غير أن يتدنس..وهي لفتة دقيقة عميقة إلى ملابسات الرسالة والدعوة والقيام على هذا الأمر بين شتى الأوساط، وشتى البيئات، وشتى الظروف، وشتى القلوب!”.

إن طهارة الغاية تُوجب طهارة الوسيلة التي تجمع رجالا يحبون أن يتطهروا، والله يحب المتطهرين، لأن التغيير لن يتم إلا إذا غيَّر دعاة التغيير ما بأنفسهم، وصدق من قال:

يا أيها الرجل المعلم غيره

هلا لنفسك كان ذا التعليم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيّها

فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
لا تنه عن خلق وتأتي مثلــه

عار عليك إذا فعلت عظيم

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق