البصائرمقالات مختارة

شعيرة الصوم..و الشرود عن المقاصد د. محمد عبد النبي

05

حين يطول الأمد بالناس يخفّ اهتمامهم بالشرائع، و يزيدهم زحام المطالب الدنيوية بعدا عن مقاصد ما شُرع،  وتذوي في نفوسهم شعلة التدين الحقيقي، لحساب تدين يكون أقرب إلى العادات و التقاليد، بدليل أن الشعائر العبادية لا يكاد يتحقق من مقاصدها المقررة في حياتهم العامة ما يهيِّيء لهم الحد الأدنى من الاستقامة، فضلا عن مقام الخيرية الذي يُفترض أن تكون عليه الأمة، كما ورد في القرآن الكريم.

أخرج ابن خزيمة(3/242) و الحاكم(1/595)-و صححه- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس الصيام من الأكل والشرب، إنما الصيام من اللغو والرفث، فإن سابك أحد أو جهل عليك فلتقل إني صائم، إني صائم.

النفي في هذا الحديث ليس على حقيقته، و الإمساك عن شهوتي البطن و الفرج مقصود لذاته و لغيره، و مراد النبي صلى الله عليه و سلم حث الناس على التركيز على الغاية من شعيرة الصوم، التي هي الإمساك عن اللغو  والرفث، و عدم الانجرار إلى الرد على الجهل بالمثل، و هي جزء من المقصَد الأشمل الذي ورد التنصيص عليه في القرآن، في قوله تعالى{لعلكم تتقون} و حصول التقوى  يحجز عن كل المناكر، و ينقل المسلم من موقف الحرص على عدم الوقوع في الخطأ فحسب، إلى موقف من يتدرج في مراقي الفلاح، بعيدا عن اهتمامات تُبقي الأغيار أسارى لاعتقادات و فهوم، تفرضها سطوة نزوات ليس لها علاقة بحقيقة العبادة التي يؤدّون.

و حين يقول النبي صلى الله عليه و سلم:”رب صائم حظه من صيامه الجوع و العطش..” (صحيح ابن خزيمة:3/242) أو حين يقول أيضا:”مَن لم يدَع قول الزور و العمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه و شرابه“(البخاري:3/26) فإنه يؤكِّد النظرة المقاصدية لهذه الشعيرة العظيمة، و لا يدعو أهلَ الغفلة إلى ترك الصيام، و لا زعم أحد من علماء الأمة أن من قارف المنكر عليه أن يترك الصيام ! لكن هذا لا يمنع من أن النبي صلى الله عليه و سلم يريد أن يوقظ في الناس الإحساس بقيمة الصوم، و أن مَن لم يفقه حقيقته قد لا يُقبل منه صيامه و قيامه، و لذلك يحرص عموم الناس-حرصا مبالغا فيه-على ما يبطل الصوم، من قطرة ماء تسللت إلى الحلق، و لا تكاد تجد من يخشى على صومه من غِيبة خاض فيها، أو نميمة يسعى بها إلى الفتنة، أو قطيعة رحم يصر عليها، أو اعتداء على المال العام أو الخاص، مما له عقوبة شديدة في كل شهور السنة.

الإمساك عن الأكل طريق لكسر الشهوة، و تهيئة النفس للطاعة بكل أشكالها، ليصبح المسلم أهلا لاستقبال النفحات و البركات، أما أن يمسك المرء عن الطعام و الشراب-يقِظا أو نائما- فإذا ما غربت الشمس أقبل على كل ما يشتهيه بنَهم، و ربما خاض في الأعراض، و كل أنواع الجهالة: فهذا ما عرف حق ربه، و لا فقه أسرار العبادة و الصيام، و قد يخرج الصيام و يتركه أسوأ مما ما كان عليه !

قد تكون التقوى المرجوة حين تعمر القلب-و لو بأدنى مقاماتها-تمثل مقصد الصيام في أعلى مراتبه، و قد يكون الإمساك عن آثام الجوارح الحد الأدنى الذي لا يمكن تجاوزه، أما مَن يجعل مِن الإمساك عن الطعام و الشراب غاية، ليجترح بعد ذلك المناكر التي كان يقيم عليها قبل رمضان: فيبدو أنه ليس لله حاجة في أن يدع طعامه  وشرابه، كما أخبر النبي صلى الله عليه و سلم، هذا قد يجادل في أن صيامه صحيح، و يفرح بذلك، و أما أصحاب المدارج فيؤتون ما آتوا، و قلوبهم توجل من عدم القبول !

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق