بحوث و دراسات

النخبة الإصلاحية الجزائرية وسؤال التنوير في القرن 19 وبدايات القرن 20 أ د. مولود عويمر

awimar

 إن سؤال التنوير الذي طرح في أدبيات العديد من العلماء والمفكرين العرب والمسلمين بداية من الثلث الأول من القرن التاسع عشر كان هدفه تغيير أحوال العالم العربي والإسلامي الذي أصابه التخلف في أشكاله المتعددة.

  وكان هاجس هؤلاء العلماء والمفكرين هو تجاوز كل المعوّقات القائمة آنذاك من أجل تأسيس نهضة حقيقية ترتكز بالدرجة الأولى على مقوّمات الأمة الحضارية، وكذلك الاستفادة من التجارب النهضوية الحديثة في أوروبا الغربية.

  والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: إلى أي حد ساهمت النخبة الإصلاحية الجزائرية في هذا الحراك التنويري؟ أو بمعنى آخر: هل اقتصر دورها في نقل أدبيات النهضة التي أنتجها المفكرون في المشرق والمغرب والترويج لها في الجزائر، أم أنها ساهمت بفعالية في طرح الإشكاليات الجوهرية، وشاركت في معالجتها بمنظور جديد؟

  سأجيب هنا عن هذين السؤالين من خلال دراسة بعض نماذج مثل: الشيخ محمود بن العنابي والشيخ عبد القادر المجاوي، والشيخ محمد بن مصطفى بن الخوجة وعبد الحليم بن سماية وأبي يعلى الزواوي وغيرهم من رواد الإصلاح والتنوير في الجزائر في القرن 19 وبدايات القرن 20. 

محمود بن العنابي أو فجر التنوير

  عاش الشيخ محمد بن محمود العنابي بين 1189 ـ1267 هـ/ 1775-1851 م. وهو ينتسب إلى أسرة عريقة، فقد كان جده حسين بن محمد مفتيا للمذهب الحنفي. درس الحفيد الحديث على جده وتعلم الفقه واللغة على والده والشيخ عبد القادر بن الأمير المفتي المالكي. كان يتمتع بحافظة قوية واطلاع واسع على العلوم الشرعية والعلوم الحديثة.

  وتقلد عدة مناصب منها القضاء والإفتاء. كما شارك في أعمال الحكم والسلطة، فقد قام بسفارة إلى المغرب في سنة 1816 بتكليف من الداي عمر باشا إلى سلطان المغرب مولاي سليمان من أجل المساعدة على إعادة بناء الأسطول الجزائري الذي قصفته بريطانيا. وقد وجد الاستقبال والحفاوة لدى سلطان المغرب وحقق له بعض مطالبه.

  استقر الشيخ ابن العنابي في مصر في طريقه إلى الحج، واتصل خلال إقامته في الإسكندرية بمحمد علي باشا حاكم مصر آنذاك فأكرم مثواه، وعيّنه مفتيا ومدرسا بجامع الأزهر تقديرا لمكانته العلمية واعترافا بجهوده التنويرية في زمن غرق فيه العديد من العلماء في مناقشة مسائل عقائدية وفقهية لا صلة لها بتقدم المسلمين وتحررهم من التخلف في ميادينه المتعددة والالتحاق بركب النهضة والتطور.

  ومما لا شك فيه أن أصداء أعمال الشيخ العنابي كانت تصل إلى الجزائر التي كانت هي أيضا في أمس الحاجة إلى أفكاره التجديدية. وهكذا نجده يعود إلى وطنه استجابة لدعوة حاكم البلاد الداي حسين الذي كلفه بالإفتاء.

غير أن احتلال الجزائر في 1830 وتسلط المقيم العام الجنرال كلوزيل واصطدامه بجرأة الشيخ العنابي في مقاومته للسياسة الاستعمارية، كل هذه الأسباب دفعته إلى مغادرة الجزائر من جديد مكرها متجها مرة أخرى إلى الإسكندرية.

  وعاش فيها معززا مكرما طيلة حكم محمد علي (المتوفى 1849م). غير أن خلفاءه في الحكم لم يعرفوا قدر الشيخ ابن العنابي، فاختار العيش في عزلة وصمت إلى أن توفيّ سنة 1267 هـ / 1851 م.

  لقد ألف الشيخ ابن العنابي العديد من الكتب، وقد أحصى له الدكتور أبو القاسم سعد الله في كتابه النافع: ” رائد التجديد الإسلامي محمد بن العنابي” سبعة عشر كتابا ورسالة وإجازة، نذكر منها: صيانة الرياسة ببيان القضاء والسياسة، “السعي المحمود في نظام الجنود”، “العقد الفريد في التجويد“، “لمعان البيان في بيان أخذ الأجرة على القرآن“، “التحقيقات الإعجازية بشرح نظم العلاقات المجازية“…الخ.

  غير أن معظم هذه الكتب بقيت مخطوطة، ومكدسة في خزائن المكتبات المصرية والتركية والفرنسية، وتستنجد بمن ينفخ فيها الروح ويخرجها من الظلمات إلى النور.

  إن المتأمل لمسار حركة التنوير في العالم العربي والإسلامي في العصر الحديث يدرك بوضوح مدى مساهمة النخبة الإصلاحية الجزائرية في الاهتمام بسؤال النهضة في وقت مبكر، وتناوله بمقاربة إبداعية منذ عام 1826 مع الشيخ محمود العنابي صاحب كتابي: “صيانة الرياسة ببيان القضاء والسياسة“، و”السعي المحمود في نظام الجنود“.

  لقد وضع الشيخ ابن العنابي أفكاره الإصلاحية والتجديدية في كتابه ” السعي المحمود في نظام الجنود“. وقد كان الفضل للدكتور محمد بن عبد الكريم الجزائري في تحقيقه ونشره. كما كان للدكتور أبي القاسم سعد الله فضل السبق في الكتابة عن ابن العنابي وأفكاره التجديدية.

  يتضمن كتاب ” السعي المحمود في نظام الجنود” بابين. الأول خصصه المؤلف للأمور الحربية، والثاني للأمور السياسية. غير أنه خصص 16 فصلا للموضوع الأول (ص 51 -199)، بينما جمع كل ما تعلق بالموضوع الثاني في فصل واحد ( ص201-219).

  وخصص المؤلف خاتمة الكتاب لذكر أسباب النصر والقوة منطلقا في ذلك من الآية الكريمة: ” ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز. الذين إن مكّنّاهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر“. (سورة الحج، الآية 40 و41).

  أما منهجه في هذا الكتاب فهو يقدم رأيا في مسألة سياسية أو عسكرية ثم يدعم ذلك الرأي بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية والأبيات الشعرية والمشاهد التاريخية. ولابد من الإشارة هنا إلى اعتماد ابن العنابي كثيرا على كتاب ” سراج الملوك” للفقيه والعالم الأندلسي أبي الوليد الطرطوشي.

  والجدير بالملاحظة هنا هو أن الشيخ العنابي لم يشر في هذا الكتاب إلى من كتب قبله في موضوع السياسية والحرب مثل “المقدمة” لابن خلدون و” طبائع الملك” لابن الأزرق و “الأحكام السلطانية” للماوردي، وهي كلها كتب قيمة في علم السياسة وفقه العمران.

  ماذا ابن العنابي يقصد بالأمور الحربية؟ إنها تمثل في نظره ” كل ما أنتج قوة محسوسة أو معقولة على الأعداء وإرهابهم وإغاظة نفوسهم وأتباعهم.” ففي مجال الإصلاح العسكري، دعا الشيخ العنابي إلى بناء جيش عصري قادر على مواكبة التحديات الجديدة التي تعصف بالعالم العربي والإسلامي.

  وكان لا يرى في الاقتباس من النظم العسكرية الأوروبية في التسليح والتجهيز الحديث والنظام والصرامة عيبا ومخالفة لروح الإسلام. بل الحاجة تقتضي من المسلمين الاستفادة من التطور الحاصل في أوروبا في هذا المجال لتحقيق المقصد وهو حفظ الأنفس والدين بالوسائل الحديثة مستمسكين بروح الآية الكريمة: ” وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة“.

  كما شدد ابن العنابي على مواصفات القيادة لأنها هي التي تحدد إستراتجية الدفاع ووسائل الحرب ومساراتها لذلك يجب أن تتوفر فيها الكفاءة، وتتمتع بالخبرة الحربية والمروءة والشجاعة والحزم لتكون قدوة للجنود ومفتاحا للنصر.

  وقد قال في هذا الشأن: ” فلا يولي إمارة الجند إلا أعلمهم بالحرب وتدبيره، وأجمعهم لخصال الكمال، إن وجد، وإلا فلا يعدل عن أعلمهم بالحرب، وأشدهم رأيا، وأثبتهم قلبا، بشهادة تجربته وامتحانه، لا بمجرد حسن الظن.”

  وشدد على أواصر الاحترام والطاعة من جانب الجندي، والرفق والاستشارة من جانب القائد. فالتناغم بين الطرفين هو مصدر القوة والنصر.

  لقد دافع عن السياسة الشرعية ورأى أنه من الواجب الاهتمام بها، وانتقد من نادى إلى الإعراض عنها، وهو موقف يدل على سوء فهم لمعنى السياسة التي حرص ابن العنابي منذ مدخل الفصل الثاني على التعريف بها لرفع أي لبس. فالسياسة في نظره هي: “حسن التدبير وجودة الرأي” وهي أيضا : “القانون الموضوع لرعاية الآداب والمصالح وانتظام الأحوال“.

  وفي مجال الإصلاح السياسي دعا ابن العنابي إلى إرساء الحكم الراشد الذي لا يقوم –في رأيه- إلا على ثلاثة مبادئ: فالمبدأ الأول هي الليونة ويقصد بها المرونة وعدم التشدد في الموقف، والتسامح والتعامل مع الآخر بالإحسان.

أما الأساس الثاني فيتمثل في الشورى ومعناها الإنصات إلى الآراء المختلفة وعدم الاستبداد بالرأي والانفراد بالحكم والقرار.

وأخيرا شدد ابن العنابي على الكفاءة، وهي إسناد الأمر إلى من تتوفر فيه المعرفة والخبرة والتجربة والقدرة، وليس إلى من يجري وراءها، ويبيح كل محظور من أجل الوصول إليها وإن كان هو غير مؤهل لها؛ فقد كتب في كل هذه المعاني: ” إن مبنى السياسة الشرعية ثلاثة أمور: اللين وترك الفظاظة، والمشاورة، وأن لا يستعمل على الأعمال والولايات راغب فيها أو مطالب لها.” واعتبر “الاستبداد بالرأي وترك المشاورة” من ” أقبح ما يوصف به الرجال –ملوكا كانوا أو سوقة“.

  والملفت للنظر في هذا الباب هو الفصل السادس عشر الذي تحدث فيه عن جواز تعلم العلوم الآلية التي لها منفعة في أمر الدين من الكفار.

  وهكذا، سبق الشيخ ابن العنابي المصلح المصري رفاعة رافع الطهطاوي في الدعوة إلى الأخذ بأسباب التطور أو ما نسميه اليوم بالنهضة العلمية وإن كان مصدرها العالم الغربي. لقد نادى هذا العالم الجزائري بهذه الأفكار الجديدة في سنة 1826 وهي السنة التي سافر فيها الشيخ الطهطاوي إلى فرنسا مرافقا للبعثة العلمية المصرية، ولم يظهر مشروعه التجديدي إلا في الثلاثينات من القرن التاسع عشر.

  لقد كانت الفكرة السائدة في عصره هي أن الاقتداء بالغرب في تطوره والاقتباس من العلوم الحديثة هو تشبه بالكفار وخروج عن الملة الإسلامية، في حين اعتبر الشيخ ابن العنابي أن العلم ملك للإنسانية، تتداول الأمم على إثرائه وإرساء قواعده وبناء نظرياته والاستفادة من تطبيقاته لتحقيق سعادة الإنسان في الحياة.

  وفي هذا المضمار، ضربت الحضارة الإسلامية مثلا نموذجيا في الأخذ من علوم الأقدمين، والعطاء العلمي للقادمين، فلم يمنع المسلمون أنفسهم من الاستفادة من المعارف السابقة، ولم يحرموا غيرهم من تراثهم وإبداعاتهم واكتشافاتهم التي لا يستطيع أحد أن ينكرها في محالات متعددة.

  ولا شك أن الحضارة المعاصرة بزعامة الغرب ما هي إلا امتداد للحضارات المتعاقبة وتراكم لتجاربها وإسهاماتها وعطاءاتها، ومن أهمها الحضارة الإسلامية.

  لقد قدم الشيخ ابن العنابي فصولا في الإصلاح السياسي والعسكري لإنقاذ العالم العربي والإسلامي من سباته العميق، والاستجابة للتحديات المختلفة التي تواجهه من كل جهة، غير أن آراءه التجديدية لم تلق آذانا صاغية وعقولا صافية وعزائم قوية وقادة واعية.

  وهكذا صارت البلدان العربية التي لا تهتم بالأفكار الحية فريسة صائغة للاستعمار والاستعباد، وبقيت غارقة في التخلف في مجالاته المختلفة.

-يتبع-

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق