كلمة الرئيس

فظاعة التفجير والتكفير في مواجهة منهجية التفكير بقلم د. عبد الرزاق قسوم

271

كنا نريد، ونحن في شهر التأمل والتفكير، مستلهمين من قيم الصوم، وكنوز التفسير، كل تخطيط للمصير في تحسين التدبير.

كنا نتوق في ظل هذا الجهاد الروحي، أن تنعم أوطاننا، وكل أمتنا، بنعمة الاستقرار، وطيب العيش، وصفاء السير والمسير.

غير أن شياطين الإنس، بعد أن صُفدت شياطين الجن، أبت إلا أن تنغص علينا، صفو الحياة، فتعلن علينا النفير، فتنفح في الكير، وتسد ألوان القتل والتفجير والتدمير.

روعت أمتنا –إذن- وهي تعيش، سبحات الروح، مع الله في ملكوت الصوم، تتأمل معاني القرآن، منزلة إياه على واقع الإنسان، فتطرد بذلك، تلبيس الجان والشيطان، روعت الأمة بالرغم من كل ذلك، بفضاعة التفجير والتدمير في تونس، والكويت، والصومال، ومصر، زارعة البؤس، واليأس، لحكمة نجهلها، ويعلمها الخبير القدير.

فمن يقف خلف هذه المآسي الفضيعة؟ ومن يخطط، لترويع أمتنا بهذه الفجيعة؟ وكيف نتجاوز تأزمنا، ونقضي على أسباب “الفتنة الكبرى” بكيفية سريعة؟

إننا نوشك أن نفقد القدرة على التعبير، إذ تعطلت لغة الكلام لدينا، من هول الصدمات، وبشاعة التكفير.

ألسنا، كما ندعى، خير أمة أخرجت للناس، نأمر بالخير والمعروف، وننأى عن كل وسواس خناس؟ ألم يميزنا ربنا، بالإسلام الذي هو دين الأمن، والأمان، والسلام؟ فأين الخلل إذن، هو في فهم النصوص، أم في تسلل اللصوص، أم في ضبابية الحكم والفصوص؟

أيا كان، الذي فكر، ودبر، وعبر، وقدر، فإن التفجير الذي طال، سُواح تونس، الآمنين المطمئنين، الذين قصدوا هذا البلد المسلم، في شهر رمضان، ثقة في إسلام شعبه، وإيمانه بربه، فإن التفجير مدان بكل لسان، ومن كل إنسان.

ذلك أن هؤلاء الضحايا، لا ناقة لهم ولا جمل في ما يحدث، في قمة الحكم، وما قد يعاني هذا أو ذاك، من بطالة، أو إقصاء أو ظلم. ثم إن إسلامنا، قد أدبنا، حين أمرنا، بأن نحمي أهل الذمة، الذين يعيشون، في كنف المجتمع المسلم، فلماذا الغدر بهم، والإجهاز عليهم، وفيهم النساء، والأطفال، والعجزة، والعمال.

وفي مصر الكنانة، التي طالما حذرنا القائمين على شأنها، أن حذار، فإن المقدمات الخاطئة لا تؤدي إلا إلى النتائج الفاسدة. فقمع الحرب، وملء الزنزانات، وجماعية  الحكم بالإعدامات، ومنع التجمعات والمظاهرات، لن تؤدي كلها إلا إلى مزيد من التشنجات والاحتقانات ، وتأليب قوى الشر على ارتكاب المزيد من الفظاعات..

إن مهاجمة النائب العام المصري، بالطريقة التي تمت، أيا كان ما قد يؤاخذ عليه، هو جريمة أودت بحياة المرافقين، والواقفين والعابرين، ومن يتحمل دماء كل هؤلاء؟

كما أن الهجوم على العسكريين من شباب مصر في سيناء، وفي غيرها، وقتل المسلحين في سيناء، وفي غيرها، هو بدون مواربة، نتيجة فاسدة لمقدمة خاطئة.

لقد نادينا من الجزائر، باسم جمعية العلماء، أن يا إخواننا في مصر، حكاما، ومعارضة، تعالوا إلى كلمة سواء تجمع بينهم، هي مصر، في أنبل، وأجمل دلالتها ومعانيها. ولكن التصريحات الاستفزازية، التي خرج بها مسؤول مصر الأول عقب الأحداث الدامية، والداعية إلى تسريع الإجراءات القانونية لتنفيذ الإعدام في المحكوم عليهم، سياسيا، لن تزيد الطين إلا بلّة، ولن تعمل إلا على إضافة النار إلى البارود، والحال، أن الشديد هو من يملك نفسه عند الغضب.

تالله، لقد آلمتنا، ولا تزال تؤلمنا مصر مما تعانيه، وأن النافخين في الكير، الداعين إلى  مزيد من القمع، وإلى الثأر والانتقام لا يجلب الخير لمصر، بل إنهم يعملون على إلهاب النيران الخامدة، وإشعال أحقاد القلوب الفاسدة.

إن الحل في مصر، واضح للعيان، على الصادقين المخلصين من أبناء مصر، هو أن يقتدوا بالجزائر في حل نزاعهم، بالحوار، والمصالحة، بالمصارحة والمصافحة، ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [سورة فصلت، الآية 34].

فما كان الحل الأمني، وحده، هو أنجع السبل لفك النزاعات، وإنما يكون الحل ببذل العلماء، والحكماء، مساعيهم الحميدة،  للتقريب بين المتنازعين، ورأب الصدع بين المتخاصمين.. وقد سبق أن أعلنا في جمعية العلماء، بأننا على استعداد للتعاون مع دار الإفتاء المصرية، ومشيخة الأزهر، وغيرها، لبذل الجهود، والقضاء على  الجحود، وتحييد الأسنة والبنود، للتمكين للطيبين من الشهود، بوضع وثيقة تكون معاهدة خلود.

دعونا، نخرج من فضاعة التفجير، والتدمير والتبذير، إلى رحابة التأمل والتفكير، ونحن في شهر الصوم الأثير… ليتذكر كل واحد أن فكرة دم أي مواطن، هي أغلى من أية مصلحة مهما غلت.. فنعمل على حماية المواطن، وحقن دمه، وعودة البسمة إلى فمه، ومسح الدمعة من عينه..

 فما كانت الأحقاد، بالوسيلة الناجعة، ولا كانت الانتقامات، بالأداة الرادعة، فتعالوا جميعا، سِراعا إلى طاولة  الحوار، فإن الوقت يمضي سريعا، ولا عذر للمتخلفين أو المخلفين. وكما يقول أمير الشعراء أحمد شوقي:

نصحت ونحن مختلفون دارا              ولكن كلنا في الهم شرق

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق