البصائرمقالات مختارة

بين الكاميرا المخفية والخفية بقلم أ. محمّد بومشرة

boumechra

اشتهر الإعلام الغربي ببثّ حصّة هزلية مع عامّة النّاس، يُقلقونهم ليتسلّى المشاهد ويضحك. حيث يقوم المنشّط للحصّة الهزلية مع بعض معاونيه بوضع الضّحيّة في إحراج لنلاحظ ردّة فعله إمّا إيجابية وإمّا سلبية، ويكون هذا القلق المصطنع من قبل المنشّط متوسّط أو دون المتوسّط مراعاة للضّحية وحتّى لا يتأثّر ويخرج عن المألوف.

غير أنّ هذه الحصّة عند العرب تنشط إلاّ لرمضان المبارك، تجاوزت حدود قلق الضّحية إلى توتير أعصابه لتكون ردّة فعله أسوأ، لأنّها تجاوزت حدّ المعقول إلى تهويل الضّحية وإرهابه، قد يصل الأمر بالضّحية إلى الارتباك بل الهلع والفزع وقد يُبتلى الضّحيّة بمرض خطير كالسّكّري أو غيره من ارتفاع ضغط الدّم.

ففي دولة عربية دعا المنشّط لهذه الحصّة نجما معروفا من الرّجال أو النّساء إلى غرفة ليكون ضحيّة الكاميرا المخفية، وبعد الاستقبال الحار انصرفوا وتركوه وحده وبعد قليل وضعوا أفعى ضخمة تزحف أمامه وتركوه يسبّ ويشتم ويتعلّق بجدران الغرفة طالبا الحماية.

وفي دولة أخرى يقوم المنشّط بدعوة النّجم الضّحيّة ليتجوّل في البحر على يخت ثمّ يفاجأ بسقوط زميله في البحر وهو في الوقت نفسه شريك في اللّعبة ليرى بعدها انتشار الدّم على سطح البحر ثمّ يبدأ اليخت يغرق، وهنا تسمع من يسبّح الله بحمده وآخر يضبّح ويصيح.

وهناك منشّط هستيري يأخذ ضحيّته المعروفة في الفن أو غيره ليحمله إلى نزهة على الحافلة يرافقونه ممّن هم شركاء في اللّعبة القذرة، فتنطلق الحافلة في أمن وسلام، ولمّا تبتعد كثيرا وتغيب البنايات عن الأنظار حيث الفلاة لا شجر ولا حجر ولا إنس ولا جان، يوهمون الضّحيّة أنّهم وقعوا في حاجز أمني مزيّف يستعملون فيه أسلحة من رشّاشات أوتوماتيكية ومسدّسات وقنابل يراها الضّحيّة بأمّ عينيه، ويبدأ الشّركاء في الصّراخ والعويل فيرتبك بل تتوتّر أعصابه عند مشاهدته هذا المنظر المرهب والمرعب، فيلجون الحافلة ويوثقون له الوثاق ليوهمونه بالاختطاف من قبل الإرهاب ليبدأ الضّحية في ذكر الله بالتّهليل والنّطق بالشّهادتين.

وهناك من أدخلوه في غرفة بعدما حاوروه في موضوع الجنّ والشّياطين أغلقوا عليه الباب وتركوه وحده ليرى أشياء تتحرّك وحدها وتسقط مزهريات وإطارات صور لتتكسّر ليقتنع أكثر أنّه مُحاط بالعالم الآخر وعليه سيُؤذونه، لكن يتذّكر آية الكرسي وآيات أخريات وأدعية، أو تغيب عنه ليستغيث بمن يسمعونه.

ولمّا يحين وقت نهاية المقلب يخبرونه أنّها الكاميرا المخفية لتعود الضّحية إلى الرّشد ويضحك على المقلب الذي وقع فيه، ويتنفّس الصّعداء حامدا الله تعالى أنّه ليس حقيقة، ومنهم من ينقلب على المنشّط بالسّبّ والشّتم والضّرب، وليتهم يسمّونها بالكاميرا الملعونة.

وانتقلت هذه العدوى حتّى مع عامّة النّاس لأسمع بعض شبابنا في الحافلة أو السّوق أو المستشفى أو الأماكن العمومية ليقول ساخرا لمن وقع في غضب: لا تغضب إنّها الكاميرا المخفية.

وأخوف ما أخافه على الأوطان العربية من شبابها إذا ما رأوا العدو في طريقه لاحتلالهم يحسبون أنّها الكاميرا المخفية.

ويوم انقلب الانقلابيون على الشّرعية بمصر، ويوم شُرع في قتل شعب بأكمله بسوريا، ويوم استمرّ المجرمون في ذُبح إخواننا بالبورما ذبحا فظيعا على أيدي إرهاب الرّهبان البوذيّين والعالم في غفلة وكاميرات الإعلام مخفية فعلا، ويوم وقع الهجوم الدّموي على سياح آمنين بشواطئ تونس فكان الضّحية عندها يحسب أنّ الذي يقع له ربّما هي من ألاعيب الكاميرا المخفية ففي تلك اللّحظة المروّعة والمخيفة بحق والتي سمع صوت الرّصاص ولون الدّم الأحمر يسقي تلك الرّمال والجثث منتشرة وأنين الجرحى وصراخ من نجا، كان النّاجي منهم ينتظر من يقول له إنّها الكاميرا المخفية.

ويا للأسف فالمسلمون يموتون كلّ يوم ببطء إنّها فرصة عدوّ الماضي عدوّ الإسلام والمسلمين، ليقضي على الإسلام حين يتقاتل المسلمون فيما بينهم.

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق