أركان خاصةمختارات أدبية

الداء السياسي المزمن (1) بقلم: الشيخ محمد مكركب

الشيخ محمد مكركب الشيخ محمد مكركب

  عبارة:(الإخوة الأعداء) صارت تجري على كل لسان، بسبب كثرة الفتن، والتقاتل بين أبناء المسلمين، القتال الذي ظل جَمْرُهُ مُخَزَّناً تحت الرماد، منذ الخليفة الراشدي الرابع، ولم ينج شعب من الشعوب من هذا الداء العضال، فما من قطر إلا وأصابه ريح الوباء، وإذا كَشَفْتَ القناع عن مواطن الصراع بَانَ لك فيروس الداء السياسي واضحا. وقد جاءت العدوى من مَواطنِ الصراعِ اليهودي، والنصراني، منذ القرون الأولى للميلاد، وانتقلت إلى القبائل الأسيوية، ومنها إلى القبائل العربية..وقد وصفهم الله تعالى بأنهم كانوا على شفا حفرة من النار، بسبب شركهم، والتقاتل بينهم..فألف بينهم بالإسلام، ومع ذلك ما زال بعض الطوائف يقاتل بعضهم بعضا، لا يسمعون نداء الله، ولا يستجيبون لأمره. إذ قال:﴿ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا والخطاب للصحابة، ولمن يأتون من بعدهم،  فاذكروا، أيها المؤمنون، المتنازعون، اذكروا نعمة الإيمان إن كنتم مؤمنين، واذكروا نعمة الإسلام إن كنتم مسلمين، اذكروا النعمة التي أنعمَ بها عليكم، حين كنتم أعداء، يقتل بعضكم بعضًا، عصبيةً في غير طاعة الله، ولا طاعة رسوله، فألف الله بالإسلام بين قلوبكم، فجعل بعضكم لبعض إخوانًا، بعد إذ كنتم أعداءً، كنتم تتواصلون بالعصبية، والعنصرية، والقبلية، ها أنتم الآن تتواصلون بألفة الإسلام، إن كنتم مسلمين حقا وصدقا، واجتمعت كلمتكم على الكتاب والسنة، إن كنتم حقا من أتباع القرآن والسنة؟.

  قال محاوري: إن الإخوة الأعداء، لا يزالون مصرين على تفرقهم، وعصبيتهم، لماذا تغلبت فيهم العصبية على نداء الأخوة الإيمانية؟ رغم أن الدعوة إلى الأخوة والاتحاد دعوة إلهية، ومع ذلك لم يستجيبوا لله ولا للرسول؟!

  قلت: إنه الداء السياسي المزمن. داء العنصرية، والطائفية، داء: (نحن، وهم) الداء الذي بسببه قُتِل الملايين في الحربين العالميتين، فبعض اليهود قالوا للناس بأنهم شعب الله المختار، ويجب أن يتميزوا على العالم بخيريتهم المزعومة، فقابلهم النازيون وقالوا إنهم الجنس الطاهر الذي يجب أن يسود العالم، ويملك الجميع؟ وغيرهم لا يساوون شيئا؟!..وعندما غزت الجيوش الفرنسية الجزائر سنة (1830م) قالوا: إنهم جاءوا لنشر الحضارة والمدنية، على أساس زعمهم، وادعائهم أنهم متحضرون وشعوب المغرب العربي متخلفون، في زعمهم، فباسم الحضارة الكاذبة التي جاءوا بها دمروا، وخربوا، وقتلوا..والقتل والحصار والتجويع الذي يمارس على الشعب الفلسطيني منذ (1948م) كله بسبب الداء السياسي، على أن العنصر اليهودي، ومنه الأوروبي هو الذي يجب أن تكون له الكلمة، ولو على حساب كل المبادئ والقيم، والقوانين، والمعاهدات الدولية، والتاريخ..

  قال محاوري: ولكن اعتداء الكفار على المسلمين معلوم السبب، ولا يبعث على الحيرة والعجب، إنهم كفار..فاعتداؤهم على المؤمنين من خصائص كفرهم..إنما المحزن حقا اعتداء مؤمنين على مؤمنين؟!..

  قلت: هذا الذي أردنا بيان خطره، واتقاء شره. إنه الداء السياسي..فعندما يتمكن فيروس الداء السياسي في أذهان المتشبثين بمصطلحات (نحن، وهم) وبعنصرية خالف تعرف، باعتقاد أن:(لهم كل المدح، ولغيرهم كل القدح) عندها تكون الكلمة لشياطين الإنس والجن، ويتحرك شعار حمية الجاهلية، على أثير الإرجاف، وتنتشر نار الحساسيات والأحقاد عبر غابات الدسائس والعناد، ويعود الشعراء الجاهليون، ليقول أحدهم:(ما هو إلا من غزية إن غوت..غوى، وإن ترشد غزية يرشد) فيقابله الأشد تعصبا منه،بقوله:(ألا لا يجهلن أحد علينا ..فنجهل فوق جهل الجاهلين) ويتحرك الجمر، من تحت الرماد، ويمتد اللهب، ويتعالى الدخان، فتغيب الحقيقة عن أعين الملاحظين، وينطمس رأس الخيط، وتزداد القضايا تعقيدا..

  قال محاوري: ولكن وقت الشعراء قد فات، وما فات مات، والمسلمون الآن يحفظون قول الله تعالى:{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} ولا يفخر أحد على أحد بالنسب، والقبيلة، فليس الفخر عند المسلم بـ (غزية) ولكن بـ :(بالإسلام والأمة الإسلامية)..

  قلت: هناك ما هو أشد تحريضا وتحريشا في وقتنا الحاضر من حمية الجاهلية، وأضر من إرجاف الشعراء، والذي هو أخطر وأسرع في نشر الفتن من النار في الهشيم، بل وشره أسرع في الانتشار من شرر النار. إنه نظام الشبكة العنكبوتية، وأولاده. فصار المغفلون، والمحرضون، والمرجفون، والجاهليون المحدثون ينشرون على صفحات، شبكة التواصل الاجتماعي، ليس ما يفرق بين المرء وزوجه فقط، وإنما ما يفرق، بين المواطنين، وبين الشعوب، ويؤججون نارا بين سكان مدينة بأكملها، ينشرون الحقد والسفاهة، والإفك والبهتان، ولا يخافون الله تعالى..

  قال: ما هي أسباب هذا الداء السياسي الذي تحكم في أذهان المصابين به؟ حتى بلغ بهم الأمر أنهم يرفضون أمر الله؟.

  قلت: أما زلت لم تفهم؟ من أخطر أسباب الداء السياسي ذلك السبب النفسي الذي يسمى:(العنصرية) إنه مرضٌ نفسيٌ خطير، أول من أصيب به إبليس لعنه الله، عندما قال عن آدم عليه السلام:﴿ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ وقال فرعون عن موسى عليه السلام:{أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ ..}إن تلقيح فيروس الداء السياسي يبدأ بـ:(أنا خير منه) أنا الذي ينبغي أن أكون شيخ القبيلة؟ وقبيلتي هي التي ينبغي أن تكون سيدة القبائل؟ وأنا الإمام في مذهبي، ومذهبي فوق كل المذاهب؟ أنا الذي ينبغي أن أكون أفضل من الجميع؟ أنا..أنا.. تقول له: من قال لك بأنك على الحق الذي لاشك فيه حسب ظنك، وأن غيرك على الباطل الذي لاشك فيه، في زعمك؟ يقول لك: قال شيوخنا؟! وحتى الذين خرجوا على مجتمعهم، وعلى أنبيائهم، خرجوا بسبب هذا الداء السياسي القاتل، بِسَبَبِ داءِ حبِّ الاستعلاء بالباطل.أخبرنا الله تعالى عن قوم شعيب، عليه السلام، من الملإ الذين تمردوا عليه ﴿قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ(سورة هود:91)

  كان شعيب، عليه الصلاة والسلام، خطيبا فصيحا، ذا قدرة علمية، وحجة نبوية، وبلاغة بيانية، ومع ذلك يقولون له عنادا واستكبارا وأنانية:﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ قالوا له ذلك لِمَا أصابهم من الاستعلاء والاستنكاف، ولأنهم لا يسمعون إلا لشيوخهم وزعمائهم، ولو كان غيرهم أنبياء، أو أعلم العلماء.. إنه مرض العصبية، وداء العنصرية، وحمية الجاهلية..

 إن المتعصبين المصابين بالداء السياسي المزمن، يتعللون بالخصوصية الدينية، والعادات المذهبية، كما أخبرنا الله تعالى عن المشركين، الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا. للثبات على دين الأجداد، في حين أن تنازعهم يرمي إلى توريث التمايز السياسي، والعنصرية العرقية..هذا السبب الذي جعل أبا طالب عم الرسول، صلى الله عليه وسلم، يموت على ملة قومه..ورفض دعوة خاتم النبيين حيث دعاه ليكون من المسلمين، وحرم أبو طالب نفسه بعنصريته، من طريق الخير، طريق الدعوة إلى الإسلام، واختار بعصبيته طريق الشر..وظن هو ومن حرضوه على رد دعوة محمد، صلى الله عليه وسلم، بأن موقفه ذلك، وثباته على دين أجداده أنه رجولة، وبطولة، وعظمة. في حين أنه الخسران المبين..والحمد لله الذي هدانا نحن معشر المسلمين في العالم، إلى وحدة الدين، وأخوة الإيمان، وحذرنا من التفرق والعصيان. فقال تبارك وتعالى:﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ. مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ(سورة الروم:30/ـ32).

  قال: هل من موعظة بليغة للمسلمين عامة، والمتنازعين منهم خاصة؟ والذين لا يزالون مصرين على العداوة والتقاتل بينهم؟

  قلت: أما تعلم أن النبي، صلى الله عليه وسلم، حذر من هذا الداء السياسي؟ قال: كيف؟ قلت: اسمع هذا الحديث.. روى مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله عنهما، عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أنه قال:[إذا فُتِحَتْ عليكم فارسُ والرومُ، أيُّ قومٍ أنتم؟] قال عبدُ الرحمن بنُ عوف رضي الله عنه: نقول كما أمرنا الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:[أَوْ غَيْرَ ذلك، تتنافسون، ثم تتحاسدون، ثم تتدابرون، ثم تتباغضون، ثم تنطلقون في مساكين المهاجرين، فتجعلون بعضهم على رقاب بعض][كتاب الزهد والرقاق.رقم: 2962].

  أما تستطيع أن تشتري السعادة الدائمة بأن تكون من الخالدين في الجنة؟ قال: كيف؟ قلت: العمل بموعظة الله تعالى في القرآن. قال: مازلت لم أفهم، قلت: وهذه هي مشكلة الكثير من المسلمين المتصارعين، أنهم ما زالوا لم يفهموا القرآن..أن تقول لكل أخ أخطأ في حقك،﴿لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ فهذا الفاهم بصبر ساعة على اعتداء أخيه نال الفوز المطلق بالجنة..أما أخوه المعتدي الذي قال له:(لأقتلنك) فبتهوره ساعة خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين..

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق