كلمة الرئيس

حيّ على العمل! وأيّ عمل؟ بقلم أ.د عبد الرزاق قسوم

27013 أ.د عبد الرزاق قسوم

  بعد أن انكسرت حرارة فصل الصيف، وضعف نجم شمسه فأفل، ولاح هلال الدخول الاجتماعي، بالاستهلال، واستهل، وفتحت أبواب المدارس، وتحركت في الحقول مناجل وجرّارات المغارس.

  أذّن، مؤذّن الأمل، أن حي على العمل، ولكن أي عمل؟ نفض الجميع عنهم غبار النوم والكسل، وانضووا تحت لواء النهوض، والتقييم والتقويم، وضبط عدسات المستقبل لتحديد المخططات بأجل.

  في هذا المناخ الطبيعي، والاجتماعي المتميز، تنادى أبناء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين إلى القطب الجامعي، بمدينة القليعة المنيعة، لعقد الجامعة الصيفية العالية الرفيعة.

  وفي جو، احتضنته الطبيعة الريفية بكل أنواع جمالها، ولفه دفء الاستقبال الإنساني الحميم، بمختلف أطياف وده، انكب العلماء، والخبراء، على دراسة معالم المستقبل المؤسساتي الفعال، بروح المنهجية والموضوعية، المطبوعة بطابع الخلق المتعال.

  كان لابد لأبناء الجمعية، وعيا منهم بالدور المنوط بهم، الذي تعلقه الأمة عليهم، وفي ضوء التحديات المتصاعدة والمتلاحقة، كان عليهم –إذن- أن يتحاوروا، في هدوء وحب، ومسؤولية، لرسم الغد الواعد. وقد نجحوا –من خلال ورشات خمس- ضمت الخبراء، والعلماء، في الخروج بتصور واعد، حدد مسؤولية كل عامل في الحقل الجمعوي، وأزال الغموض الذي كان سائداً في تداخل الصلاحيات، واللامبالاة، وانعدام الفعاليات.

  هكذا –إذن- جاءت نتائج الجامعة الصيفية في طبعتها الثانية، المطبوعة بطبعة جمعية العلماء، جاءت هذه النتائج لتجيب عن مجموعة من التساؤلات المطروحة في الساحة، لعل أبرزها:

  • ما جدوى وجود جمعية العلماء اليوم؟ وهل يتمثل وجودها، في مجرد الانتماء، وحمل بطاقة الاقتداء، ثم الانزواء بعيداً عن الميدان الوطني، وعن كل الأضواء؟

  • هل يكمن وجود الجمعية، في مجرد إصدار بيانات التنديد أو التأييد، في وسط تعج ساحته بالغليان، في كل ميدان؟

  • ما علاقة تنظيم الجمعية، بمنهجية التنظيم الناجح، الذي يتسم بضبط الهياكل، وتحديد البرامج، والسهر على وضع المحاضر، وربط الصلات –صعوداً ونزولاً- بين الشُّعب الولائية والبلدية، والقيادة الوطنية؟

  • ما مدى مصداقية الحضور الجمعوي للجمعية في المجال التربوي، والثقافي، والإعلامي، والسياسي، سواء على الصعيد المحلي، أو الإقليمي أو الوطني؟

  • هل نجحت جمعية العلماء في استقطاب القوى الحية الفاعلة في المجتمع، كالنساء، والشباب، والأطفال، ورجال الأعمال، ومختلف الكفاءات العلمية وذوي الخبرة المهنية والعلمية والتكنولوجية؟ هل استطاعت الجمعية أن تتغلغل في الجامعة، وأن تدخل الملعب، وأن تتكفل بانشغالات المرأة، وأن تكون فاعلة في المسجد، والنادي، والديوان السياسي؟

  أسئلة مشروعة، ما فتئ يطرحها البعض –عن حسن أو سوء نية- في الحقل الوطني، ولا مجال للإجابة عنها إلا بالفعل الذي يفوق القول.

  تلك كانت، الروح التي سادت الجامعة الصيفية في طبعتها الثانية، فواجهت التحدي بالتصدي القائم على المنهجية العلمية، والواقعية الوطنية، والوسطية الدينية، فحسست الجميع بوجوب التغيير البنّاء، وبعثت الجميع في رحلة جديدة إلى الحياة، ديدنها أداتية الغربال، والمصفاة، بحيث يسقط الساقط ويبقى الصالح والصافي.

   فإذا كانت الجمعية، قد نجحت خلال سنواتها الماضية، في تعبئة طاقات ذات إخلاص وكفاءة هي التي حفظت للجمعية وجهها، وضمنت لها هياكلها، وحققت ما أمكن من انجازاتها، فإنها بالمقابل، قد كشفت، بثقل مهامها، صعوبة أدائها، عن إعاقة البعض عن مواكبة متطلبات الجمعية وما أكثرها، فحبسهم حابس التفعيل، وبقوا معلقين في السبيل، ومذبذبين بين الاستفاقة والإعاقة.

  لذلك جاءت توصيات ورشات الجامعة الصيفية لتدق ناقوس التنبيه، فتوقظ البعض من سباتهم، وتزيد البعض من تعبئتهم وجهادهم.

فحي على العمل! ولكن أي عمل؟

فيا إخوتنا، من أبناء وبنات جمعية العلماء!

  إن النضال داخل الجمعية، ليس لقباً يكتسب، ولا بطاقة يستظهر بها، ولا حضوراً لندوة، أو اجتماع. إن العمل داخل الجمعية يتطلب استعدادا نفسياً خاصاً، يقوم –أولاً- على القناعة بمبادئ جمعية العلماء، والالتزام بمنهجها الوسطي، المعتدل، المتفتح والمتسامح، والعمل اليومي الذؤوب لنشر وتثبيت أعمال الجمعية في قلوب وعقول ذوي القابلية لها، وإقناع المشككين في رسالتها، والجاهلين بحقيقتها، بالكلمة الطيبة، والسلوك القويم، والمثالية الأخلاقية المطلوبة.

  فحي على العمل! ولكن العمل الذي يتطلب بذل الغالي والنفيس، أسوة بالماهدين الأولين من علمائنا، الذين كانوا يجوبون الجبال، والأودية، ويقطعون الفيافي سيراً، أو ركوباً على الحيوانات لإيصال كلام الله، وشعار الوطن باسم الجمعية.

  كما أن على العاملين في عمل جمعية العلماء أن ينخرطوا، في المنظومة العلمية التكنولوجية المعاصرة، بحيث يخضعوا وسائل التكنولوجيا للعمل الدعوي، فيكونوا حلقة وصل فاعلة، بين طموحات ومطالب، وآمال الجماهير الشعبية، وبين السلطة، لرأب الصدع، وملإ الهوة، وإزالة القطيعة، والذوبان في معزوفة الوطن الصحيحة، والمنظومة الدينية الفصيحة، لنصنع المجتمع الجزائري، المتوازن، المتكامل، الذي يطبعه الحب، والتسامح، فلا يضيق بالاختلاف، ويقوم بدور الاستئناف في العمل الحضاري المنشود.

وأختم بما قاله الشاعر اللبناني بدوي الجبل:

 ويارب صن بالحب قومي مؤلفاً        شتات قلوب، لا شتات دروب

ويا رب، لا تقبل صفاء، بشاشة        إذا لم يصاحبهــــا، صفاء قلوب

[ديوان بدوي الجبل – ص 66]
أوسمة

مقالات ذات صلة

2 تعليقات

  1. السلام عليكم ور حمته تعالى و بركاته تحية طيبة و بعد، أود أن أضيف تعليقا موضوعيا حول المقال المشار اليه أعلاه و المعنون ب حي على العمل و أي عمل؟ لأستاذنا الدكتور عبد الرزاق قسوم فأقول (كاتبا ) و بالله التوفيق إذا أريد لأي عمل مؤسسي أن تكون له ثمرته في الواقع لا بد من توفر عناصر تتعلق بالفرد اولا والمؤسسة ثانيا و بالمجتمع ثالثا…فالذي يتعلق بالفرد أن يكون – بعد الاخلاص لله” تصديق العمل ” من خلال بذل الجهد (العضلي و الفكري ) و التضحية بالمال و الوقت ، فهذه معادلة نفسية لا يحققها الا ” أولوا العزم ” من الرجال و ما اقلهم …أما الثانية فهي العمل المؤسسي -رغم وجوده واقعا في الجزائر و جمعية العلماء نموذجا – إلا أنه يفتقر للقيادة الرشيدة التي تتوفر على الهمة العالية ووضوح الهدف و التربية بالقدوة و مواكبة لغة العصر و الانفتاح على الآخر و الولوج الى اعماق المجتمع – و ان لم تكن هذه فيكون البعد كل البعد عن الواقع المعاش و الغوص في الأفلاطونيات دون علم و في كثير من الأحيان الحكم من بعيد على الناس دون معرفة واقعهم او التفكير في طريقة تقرب المؤسسة منهم فلا هم فهموا هدفها و لا هي استطاعت التأثير فيهم …. و هذا ما يقتضي دراسة من الداخل من أجل تحصينها من الانحراف و الاختراق و البعد عن التسييس و القبلية و غيرها من الآفات المؤسسية و الاجتماعية و حتى الاقتصادية فللمؤسسة استقلاليتها حتى الفكرية رغم وجود مرجعيتها في ظل احترام المبادئ العامة للاسلام و القوانين المنظمة للعمل المؤسسي في اقليمها…فما احوج مؤسساتنا لرؤية داخلية لمحاربة التردي و رفع التحدي المنشود ألا و هو خدمة دين الله و الوطن؟أما الثالثة فالمقصود بالمجتمع هو الاحاطة بتركيبته الطبقية و نخبه المؤثرة دون اقصاء فتكون للمؤسسة الدور المحوري للمجتمع من خلال دوران المجتمع بمكوناته المختلفة في فلكها و هذا لن يتأتى إلا بالفهم الدقيق لأهدافها و العمل الوثيق بين أفرادها …فيقال في علم النفس أنك إذا أردت رسم وجه جميل و قمت بتركيب احسن عينين و أحسن انف و أحسن فم …فقديكون في النهاية رسما بشعا وكذلك في الرياضة الكروية غذا أردت أن تكون فريقا فلا يمكنك احضار افضل اللاعبين في العالم لنه بالنهاية سيكون اضعف فريق …فالجمعية في “محتواها” نخبة لا يمكن تجاهلها لكنها ليست بالضرورة نخبة المرحلة التي تود المؤسسة الوصول اليها….ثم لماذا التساؤل حول الاستقطاب ؟ الجمعية موجودة في قلوب الجزائريين لكن بروح التاريخ فقط دون الحاضر فهل هناك خلل حتى يتم طرح جملة من الأسئلة في المقال المعقب عليه؟ نعم و أظنها بداية التفكير العميق في وائل عمل الجمعية و حبذا لو كان للمقال عنوان على النحو الآتي ” جمعية العلماء… نظرة من الداخل ” …و الله أعلم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق