البصائرمقالات مختارة

موت النُّقود عرض: أ. نورالدين رزيق

Sans titre 8 أ.نور الدين رزيق

لأهمية هذا الكتاب و ما طرحه مؤلفه من أفكار و بدائل لوسائل الدفع التقليدية وأخرى حديثة في عالم النقد و المعاملات المالية  وتعميم للفائدة نقدم هذا العرض الموجز..

التعريف بموضوع الكتاب:

كتاب هذا الأسبوع يُعدُّ تصويرًا دقيقًا لِمَا طرأ على النقود من تحوُّلات في عصْر المعلومات؛ إذ تحوَّلت من نقْد ورقي يتمُّ دعمُه بوعد من الحُكومة المُصدِرة بالتحويل إلى ذهب، إلى الصُّورة الحالية التي لا تَعْدو أن تكونَ النقود فيها وهمًا، أو فكرة.

ويُبيِّن الكتاب أيضًا كثيرًا من الأعمال الاقتصاديَّة التي تنتشر في البُورصات، ويستعرض قضيةً مهمَّة، وهي انعدامُ الفروق بين الأدوات الماليَّة، كالأسهم والسَّندات، وبيوع الخيارات، والعقود الآجِلة لدرجةٍ عجيبة، وما ينتج عنها من لوازم على السوق، والاستثمار، والاقتصاد الحقيقي غير المالي.

يتألَّف الكتابُ من ثمانيةَ عشرَ فصلًا: الفصل الأوَّل منها: عنوانه (النقود الإلكترونية)، وقد طرَح فيه المؤلِّف رؤيته لِمَا يشهده العصر الحاضر من مُتغيِّرات في شكل النقود، وطُرق تداولها؛ إذ أوضح أنَّ النقود التي تُستخدم ليست مبنيَّةً على الورق والمعدن كما كانت, بل تغيَّرت إلى شيءٍ أثيري متقلِّب، وتحوَّلت من التقييم الحُكومي، حيث تُساوي أوقية الذهب 35 دولارًا أمريكيًّا، إلى شكل إلكتروني جديد، عبارة عن مجموعات من الواحد والصِّفر، وهي وحدات الحَوسبة الأساسية. وبهذه الصورة أصبحت النقود أشبهَ ما يكون بالظِلِّ، شكله بارد رمادي، يُمكن رؤيته، لكن لا يُمكن لمسُه، وليس له أبعاد فعليَّة.

وفي الفصل الثاني – الذي حمل عنوان (العامل الكمِّي) – تحدَّث المؤلِّف عن تبادُل الأدوار بين التجَّار والمتُداولين بالأسهم، وبين عُلماء الرياضيَّات والتقنية الحديثة، حيث حلَّ الأخيرون مكان الأوليِّين في سوق النقد العالمي، وبيَّن أنَّ كثيرًا من المُعاملات المالية تحوَّلت من شكلها القديم السَّلبي بشراء أصل، أو القيام باستثماره، أو الاحتفاظ به، إلى شكل جديد يتمثَّل في الحصول على نقود، عن طريق إحداث تغيُّرات طفيفة في القِيمة، من خلال مُبادلات مُتعددة.

وتعرَّض المؤلِّف في هذا الفصل كذلك إلى مشكلة كون المصارفِ التقليديَّة عاليةَ التكاليف بالنسبة للشركات الماليَّة الحديثة الآن، وأثر ذلك في المصارف مستقبلًا.

كما خلَص المؤلِّف إلى نتيجة تشكّل رسالة الكتاب، وهي أنَّ الاقتصاد الإلكتروني أدَّى إلى الانفصام التامِّ بين الاقتصاد الحقيقي الذي يتمُّ فيه صُنع المنتجات، وتبادُل السِّلع والخدمات، وبين الاقتصاد المالي الذي تُباع وتُشترى به المنتجات الماليَّة لغرض واحد هو الربح المالي فقط.

الفصل الثَّالث: كان عبارة عن نظرة تأريخيَّة، تحدَّث فيها المؤلِّفُ عن بدايات الاقتصاد الإلكتروني، ومجموعة الشركات الكُبرى التي كان لها دورٌ في رواج سوق المعلومات.

وتحت عنوان: (الدولار عديم الوزن) عقد المؤلِّف فصلًا رابعًا، شرَح فيه القِصَّة الكاملة لإعلان الرئيس الأمريكي نيكسون، بإلغاء الغِطاء الذَّهبي للدولار، مُؤثِرًا تقديم السرعة على الأداء الأكثر جودةً, وما واكب ذلك الحدَثَ من ظروف, وما تكبَّدته البنوك التجارية، ومصارف التسليف العقاري من خسائر، والتي زادت عن 400 مليار دولار.

الفصل الخامس -حمل عنوان (تخزين القيمة)، وهنا تحدَّث المؤلف بإسهابٍ عن كيفية تصريف النقود الإلكترونيَّة، بشكل مُغاير للنقود المدعومة بالذَّهب، وقام بتعداد مزايا النقد الجديد، وأنه طريقة سهلة للمُعاملات, ووِحدة ممتازة لقياس القيم، وإمكانية نقله دون أدنى مشقَّة، وبأقلِّ تكلفة, مع إمكانية نَسْخه على الحاسوب، والاحتفاظ به، وتحويله من عُملة بلد إلى عُملة بلد آخر، في وقت قصير جدًّا.

مع إمكانية تحويل قيمته من سندات إلى أسهم.

وفي الفصل السَّادس: تحدَّث المؤلِّف عن توليد النقود حيث ضمَّن هذا الفصل قِصةَ إنشاء المصرف المركزي الأمريكي، الذي كان الهدفُ منه إصدارَ النقود، وتجنُّب الفَشَل المصرفي، حتى أن انتهي به الأمر؛ لفقدان جانب كبير من قوَّته ونفوذه، لحساب القِطاع الخاصِّ.

أمَّا الفَصل السَّابع، فكان حديث المؤلِّف فيه عن الآلة العالَميَّة لتوليد النقود, فتناول خروجَ النقود الإلكترونية عن نِطاق سيطرة الأجهزة الحكوميَّة المُتخصِّصة، وأوضح أنَّ هناك شيئًا سحريًّا في النقود الحديثة، هو أنَّنا نوجد نقودًا، كُلَّما قُمنا بعملية إقراض، وكُلَّما زاد الإقراض زادت النقود، وإذا زادت النقود بمعدَّل زيادة استخدامِها، فإنَّ الأسعار تبقى ثابتة نِسبيًا، وأسعار الفائدة مُنخفضة نِسبيًا، وأن الطريقة الوحيدة أمام المصرف المركزي لخفض عرض النقود تتمثَّل في سندات الخزانة بالسوق المفتوحة.

ويخلُص المؤلِّف إلى خُلاصة، وهي أنَّ المصرف المركزي موجودٌ الآن في الصُّورة إلَّا أنَّه ضعيف, ولا شكَّ أنَّ هناك صلاحياتٍ قانونيةً للمصارف المركزيَّة؛ للحدِّ من توليد النقود, ولكن الأمر استغرق 16 سنة من المصارف المركزيَّة العالَميَّة لوضع احتياطي على حسابات اليورودولار. وأنَّه في المقابل لو أرادتِ المصارف المركزيَّة مجتمعةً في الوقت الحاضر الحدَّ من توليد النقود في القطاع الخاصِّ لَمَا استطاعت.

ثم جاء الفصل الثامن؛ للحديث عن اضطراب الاقتصاد الإلكترونيِّ العالَمي, والذي ركَّز فيه المؤلِّف على أسباب انهيار السُّوق الماليَّة العالَميَّة، وما نتَج عنه من خسائر قُدِّرت بالتريليونات؛ بسبب التضخُّم المعلوماتي، ومع ذلك لم يتضرَّرْ سوى قليل من الناس، كما تحدَّث المؤلِّف عن مُشكلة 19 أكتوبر 1987م، التي عُرِفت بالاثنين الأسود عندما خسِر المُستثمرون في البورصة 500 مليار دولار في ذلك اليوم، ونتج عن هذه الأزمة انهيار الاستثمارات الأجنبيَّة، على سوق الأسهم في نيويورك في اليوم التالي؛ لاقتناص الفُرصة في شراء أسهم شركات أمريكيَّة قويَّة بِسعر زهيد، وهرَب صِغارُ المُستثمرين إلى سندات الخزانة، وشهادات الإيداع، التي تُعدُّ الأكثر أمانًا، بينما استولَى المُستثمرون الكبار على أغلب سوق الأسهم.

ويطرح المؤلِّف سؤالًا، وهو: لماذا حدَثت المشكلةُ؟ وذكر من الأسباب انشغالَ خطوط الهاتف بين المتعاملين والسَّماسرة, وذلك بعكس الأجهزة الحاسوبيَّة التي كانت تنقل الصورةَ أولَا بأول إلى العالم ممَّا استدعى من المتعاملين العالميِّين بيع استثماراتهم، وبداية الهلع في السوق الماليَّة, والسبب الآخَر هو وجود الوسطاء في السُّوق.

انتقل المؤلِّف للفصل التاسع، الذي حمل عنوان (المغامرون في الفضاء الحاسوبي)، وفي هذا الفصل تَركَّز حديث المؤلِّف عن الاختلافات المُتعلِّقة بالانهيارِ الاقتصادي في 19 أكتوبر 1987م، والانهيارات الاقتصاديَّة التي سبقته، مُبيِّنًا أنَّ هذه الأزمة لم يتبعها كسادٌ، كما حدَث في الأزمنة السابقة، وأنَّه على الرغم من الخَسارة الفادِحة في الثروات المتُرتِبة على هذه الأزمة، لم يتضرَّر بسببها أشخاصٌ كثيرون، كما أنَّ انهيار اليوم الأسود لم يُحدِث أثرًا ماليًّا، فلم يرفعْ أسعار الفائدة، ولم يسبِّب هلعًا، ولا قلَّص حجمَ التجارة، ولا خفَّض الإنفاق الاستهلاكي، ولا أعاق النموَّ، بل إنَّ الأعوام التي تلَتْه كانت جيِّدة.

تحدَّث المؤلِّف في الفصل العاشر: عن الخسائر الإلكترونيَّة، وفي هذا الفصل يتكلَّم المؤلِّف بإسهابٍ عن أسباب البُطء في الخسائر التي وقعَتْ على مدار ثلاث سنوات، في أسواق المال اليابانيَّة، والتي تمَّت على مدار ثلاث سنوات ما بين عامي 1989م و 1992م، حيث تراوحت هذه الخسائر ما بين 250 إلى 300 مليار دولار في كُلِّ مرَّة، وأنَّ تلك الخسائر كانتْ ردَّ فِعل طبيعي، لكون الأسهم اليابانيَّة مُبالغًا في تقييمها.

وتحت عنوان (معادلات النقود) جاء الفصل الحادي عشر؛ ليتحدَّث فيه المؤلِّف عن الكيفية التي استطاع بها مجموعةٌ من عُلماء الحاسوب والرياضيَّات، الفائزين بجائزة نوبل، أن يَسحبوا سوقَ وول ستريت من المُتاجرة في المُنتجات الِسلعيَّة، إلى عالَم من التجريد البَحْت، حيث يوضِّح كيفية عمل السوق الماليَّة بالأدوات التي اخترعها هؤلاء العلماءُ، مبيِّنًا الفرق بينها وبين الوضع السابق.

ويأتي الفصل الثاني عشر؛ ليكون الحديثُ فيه عن فتْح الطَّريق لإعداد البرامج المُختصَّة, حيث يتحدَّث المؤلِّف عن تطور برامج الحاسوب؛ لتكون وسيلةً للتحوُّط من المخُاطرة، ولإدارة النقود.

ثم عقَد المؤلِّف الفصل الثالث عشر بعنوان (الحواسيب تُدير المسرح) حيث يتناول الحديثَ عن كيفية إسهام ابتكار تأمين المحفظة الاستثماريَّة في انهيار بورصة وول ستريت, كما تحدَّث في هذا الفصل عن هاين ليلاند، الذي حصَل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة هارفارد، وهو الذي ابتكر تأمين المحفظة الاستثمارية، التي تهدف إلى حِماية الاستثمار بواسطة ما يُسمَّى بالمُراجحة، وهي البيع في سوق، والشراء في سوق آخَر؛ بهدفِ الاستفادة من فروق الأسعار.

في الفصل الرابع عشر يتحدَّث المؤلِّف عن (القُوَى المُتضادة)، وهنا يطرح المؤلِّف تساؤلًا عن كيفية زيادة الاقتصاد الإلكتروني من اضطرابِ المحيط الاقتصاديِّ والاجتماعيِّ.

أما الفصل الخامس عشر: فيتحدَّث المؤلف عن الأسواق الماليَّة، والتعقيدات الإلكترونيَّة، مبيِّنًا كيف أنَّ أكثر الأنظمة الممتازة تركيبًا ودِقَّةً هي أيضًا أنظمةٌ هشَّة, ومبيِّنًا أيضًا أسباب ذلك، مع ضَرْب العديد من الأمثلة، التي تُبرهِن على هذه الرؤية.

ويَتحدَّث المؤلِّفُ في الفصل السادس عشر عن كيفية دعْم السوق الإلكترونيَّة العالمية بالأساليب الجديدة، وكيف تنتشر بها الإشاعات، بما يخلق مزيدًا من التقلُّب.

وفي الفصل السابع عشر – الذي حمَل عنوان (التكلفة الاجتماعيَّة للسوق الإلكترونيَّة) -: يقدِّم المؤلِّف عرضًا تاريخيًّا للتغيُّر الذي حدَث في تركيبة الاقتصاد العالمي، ضاربًا المثل بالولايات المتحدة الأمريكيَّة، مؤكِّدًا أنه في قرن الاستعمار – القرن التاسع عشر – كانت السِّلعُ التي تُباع في أمريكا منتجة محليًّا – كما هو الحال في بريطانيا وألمانيا – ثم بدأت الحاجة لتوحيد المقاييس وتحديدها بعد الاكتشافات العلميَّة العديدة، بحيث يتمُّ توحيد الأوزان والمكاييل والأطوال؛ حتى تُباع وتُشترى في السوق البريطانيَّة.

وممَّا تناوله أيضًا في هذا الفصل الكلام عن ماكلوهان، الذي تنبَّأ قبل ثلاثة عقود من تأليف الكتاب بأنَّ الاتحاد السوفيتي بمركزية اقتصاده الموجَّه، وعلاقته الاقتصاديَّة، وتقييده للمعلومات بذلك كلِّه آيلٌ للسقوط؛ نتيجةً لهذه العولمة الإلكترونيَّة.

كما خلَص المؤلِّف أنَّ الدول والاقتصاديَّات والشركات التي لا تتمتَّع بمرونة التأقلُم مع التقدُّم الإلكتروني الاقتصادي العالَمي لن تستمرَ، وسيبقى مَن تتوفَّر لديه هذه المرونة.

ثم اختتم المؤلِّف الكتابَ بفصل أخير، عنوانه (إعادة التوازن لعالم متقلِّب)، وقدم فيه رُؤيتَه عن كيفية التخفيف من الاضطرابات التي قد تطرأ على الاقتصاد العالَمي، وطُرُق منْع الفوضى والتوتُّر الآخِذَينِ في الاتِّساع.

والكتاب فريدٌ في موضوعه، وقد بذَل فيه مترجمُه جُهدًا يُشكَر عليه.

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق