بحوث و دراسات

هُنري لاوُوسْت: نصف قرن في رحاب الفكر الإسلامي بقلم أ.د مولود عويمر

 

10255611_848490235231499_3561347305499179306_n أ.د مولود عويمر

   بدأ المستشرق الفرنسي هنري لاووست (1905-1983) مشواره العلمي بنشر بحث معمق في عام 1932 في “مجلة الدراسات الإسلامية” لصاحبها المستشرق الشهير لويس ماسينيون حول نشاط الحركة الإصلاحية السلفية في العالم الإسلامي. وتواصلت أعمال لاووست بعد ذلك بدون توقف على مدى نصف قرن، فألف خلاله كتابا عن محمد رشيد رضا، ثم تخصص في دراسة تراث تقي الدين ابن تيمية وترجمة بعض كتبه. كما كتب حول أبي حامد الغزالي وعماد الدين ابن كثير وأبي الحسن الماوردي وأبي العلاء المعري وأحمد بن حنبل… وختم حياته العلمية بنشر بحث نفيس عن عبد الرحمان بن خلدون، وإصدار كتاب حول “التعددية في الإسلام” (1983). وها نحن نعرض لأبرز محطات في حياة هذا المستشرق، ولبعض أعماله العلمية الباقية.

 

مسيرة في طريق الاستشراق:

بدأت قصة هذا المستشرق القدير في بلدة فرين-سور- إسكو بشمال فرنسا حيث ولد في يوم 1 أفريل 1905. كان والده إيميل لاووست مستشرقا معروفا. وقد عين في مهمات علمية في المغرب منها تدريس لغة وحضارة البربر في المعهد العالي للدراسات المغربية بالرباط الذي أسسه المقيم العام الفرنسي الجنرال ليوتي من أجل تكوين النخبة الإدارية والثقافية المغربية. وقد التحق الابن هنري بوالده في عام 1915.

درس الشاب هنري في ثانوية الرباط، وتعرف فيها على عدد من المستشرقين الفرنسيين المعروفين مثل هنري تيراس وريجيس بلاشير الذي استمع إلى دروسه حول مقدمة ابن خلدون، فسحره بطرحه الراقي، وأسلوبه الواضح، وصرامته في العمل، ودقته في العرض والتحليل.

ثم أكمل لاووست دراساته في ثانوية لويس الأكبر بباريس. والتحق في عام 1926 بالمدرسة العليا للأساتذة التي تخرج منها في سنة 1928 متحصلا على شهادة الليسانس في اللغة العربية والفلسفة. واستفاد من منحة المعهد الفرنسي بدمشق لتحسين لغته العربية وتطويرها بمجالسة حلقات بعض علماء دمشق والاحتكاك بالمجتمع السوري.

وعاد بعد سنة إلى باريس لإعداد شهادة الدراسات العليا والتبريز التي حصل عليها في سنة 1930. وعين بعد عام باحثا في المعهد الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة، فمكث فيه حوالي ست سنوات منكبا على البحث العلمي والإنتاج الأكاديمي.

في عام 1936 غادر القاهرة متوجها إلى الجزائر للتدريس في المدرسة العليا بقسنطينة المختصة في تكوين المترجمين والإداريين الجزائريين. لكن فترة التعليم لم تطُل، إذ عين سكرتيرا عاما للمعهد الفرنسي بدمشق ثم مديرا له. وقد عرف هذا المعهد في عهده نشاطا علميا معتبرا، ونشر أعمالا مهمة في مجال الدراسات العربية.

وجد لاووست في هذه المؤسسة العلمية كل الشروط المساعدة على الكتابة والبحث، فانكب على إتمام رسالة الدكتوراه التي كان يعدها حول“بحث في آراء ابن تيمية الاجتماعية والسياسية”  (1939) تحت إشراف المستشرق الشهير لويس ماسينون. وقد كان خير خلف له، سواء في التدريس في كوليج دو فرانس، وإدارة “مجلة الدراسات الإسلامية”، وفي رئاسة اللجنة الوطنية للتبريز في تخصص اللغة العربية لمدة 20 سنة (1955-1975).

  وفي عام 1946 عُين لاووست أستاذ كرسي اللغة العربية والحضارة الإسلامية بكلية الآداب بجامعة ليون، دون أن ينقطع عن إدارة المعهد الفرنسي بدمشق. كما مارس منصب أستاذ علم الاجتماع الإسلامي في كوليج دو فرانس من عام 1956 إلى غاية وفاته.

  أختير عضوا في هيئات ومؤسسات علمية مرموقة، أذكر منها: المجمع العلمي العربي بسوريا (1942)،مجمع اللغة العربية بمصر (1948)، الجمعية التاريخية الجزائرية (1956)، لجنة اللغات والحضارات الشرقية التابع للمركز الوطني للبحث العلمي، وأكاديمية العلوم بباريس (1974).

  كان لاووست كثيرا ما يدافع في هذه المؤسسات عن تطوير الدراسات العربية، ويناقش موضوع مستقبل الدراسات الشرقية مع أصدقائه المستشرقين، وقد عبّر عن ذلك بقوله: “كنا مقتنعين- أنا وبلاشير- بأهمية الدراسات الشرقية، سواء على مستوى البحث الأكاديمي، وعلى مستوى الفعل الثقافي الذي يجب أن نمارسه في الأراضي الإسلامية.”

  استفاد من حق التقاعد في عام 1975 فاستقر في بلدة سان سير أومن دور (قريبة من ليون) حيث يملك دارا واسعة تضم مكتبته الثرية بالمصنفات والمخطوطات في مجال التراث العربي والإسلامي، لكنه لم يتوقف عن العطاء العلمي، فقد واصل أبحاثه بجد وكد، غير أنه عان في السنوات الأخيرة من أمراض صحية عديدة أثرت عليه كثيرا. بعد إجراء عملية جراحية في عام 1982، انتقل للعيش في دار الراحة برونْي، ولم يمض عاما في هذا المكان “المهجور” حتى فارق هذه الحياة في 12 نوفمبر 1983.

  أما ما يتعلق بإنتاجه من كتب ومقالات ومحاضرات وترجمات فسأتطرق إليه لاحقا لكن أود أن أشير هنا على الأقل إلى مشاركاته في العديد من الكتب المخصصة لتكريم المستشرقين أمثال: لويس ماسينيون (1957)، هاملتون جب (1965)، لويس غاردي (1978)، مونتغومري وات (1979) ، وقد جمعت أغلب هذه المقالات والبحوث في كتاب عنوانه: “التعددية في الإسلام”، وصدر في باريس في عام 1983.

 

حفريات في التراث الإسلامي:

  ألف لاووست كتبا عديدة في موضوع الفكر السياسي الإسلامي قديما وحديثا، ونشر بحوثا ودراسات في هذا المجال في أشهر المجلات التاريخية والإستشراقية، نذكر منها على سبيل المثال: المجلة الآسيوية، مجلة الدراسات الإسلامية، نشرية الدراسات الشرقية، أرابيكا، كراريس الحضارة الوسطية، إفريقيا الفرنسية، إسبيريس تامودا…الخ.

  نال تراث ابن تيمية نصيب الأسد في الأعمال الأولى للاووست، فقد أنجز حوله رسالة الدكتوراه كما سبق ذكره، عنوانها “بحث في آراء ابن تيمية الاجتماعية والسياسية”، ثم نشرها في القاهرة في سنة 1939. وأولى لتراثه اهتماما يزداد بوضوح ويطغى على أعماله لفترة طويلة، فترجم كتابيه: “السياسية الشرعية”، و”الحِسبة”، ونشر سلسلة من المقالات والبحوث العميقة حول فكر هذه الشخصية العلمية، وأصبحت جميعها مرجعية لكل المهتمين بتراث الإمام ابن تيمية على المستوى العالمي.

  كما أهتم لاووست وبدرجة أقل بالإمام أبي حامد الغزالي،  فألف حوله كتابا عنوانه: “السياسة عند الغزالي” (1970). وهو جانب قلما ينتبه إليه الباحثون العرب والمسلمون ومن هذه الاستثناءات أذكر هنا الدكتور محمد فتحي الدريني الذي كتب في هذا المجال، بينما يركز غالبية الباحثون على الجوانب الفقهية والفلسفية والروحية والتربوية عند حجة الإسلام. بل الغريب في الأمر أن ثمة مفكرا عربيا كبيرا يميل إلى الاعتقاد بأن الإمام الغزالي لم تكن له أية مواقف سياسة.

وأشير هنا إلى أن لاووست لم يغفل أيضا الجانب التربوي عند الغزالي، فقد نشر في عام 1976 مقالا في مجلة الدراسات الإسلامية حول ” بيداغوجية الغزالي من خلال كتابه “المستصفى في علم أصول الفقه”.

وخصص لاووست بحثا لأبي الحسن الماوردي تناول فيه فكره ونشاطه السياسي (1968)، وهو يعد في نظره من أكبر المنظرين للفكر السياسي، فقد وضع قواعده في كتابه “الأحكام السلطانية”، وهو كذلك فاعل سياسي ودبلوماسي ماهر. ولا تزال تأثيراته قائمة وعميقة في الفكر الإسلامي المعاصر.

وختم لاووست مشواره العلمي بنشر بحث نفيس (20 صفحة) حول “الفكر السياسي لابن خلدون”صاحب التجربة في ميدان الحُكم، وله الخبرة في التنظير الفلسفي لعلم السياسة. كما درس فلسفته في التاريخ، التي نجد ملخصها في هذه العبارة: ” طبّق ابن خلدون قواعد النقد على التاريخ بكل معاني الكلمة، وحاول أن يعلّل الحوادث التاريخية على ضوء نظرياته الاجتماعية”.

  وتطرق لاووست بشكل موسع إلى الاختلاف السائد في تراثنا الفقهي والفلسفي في كتابه “الفرق في الإسلام” (1965) ليبرهن على أن الإسلام لم يكن واحدا وإنما متعددا عقائديا وفقهيا وفلسفيا. وكان هذا التعدد حصيلة الاجتهاد والتأويل، فنظر إليه أحيانا بعين الرضا والتفاهم، وأعتبر مصدرا للصراعات والنزاعات أحيانا أخرى.

  كتب لاووست دراسات عديدة حول تاريخ المذهب الحنبلي في العصر العباسي وعهد المماليك وبدايات حكم العثمانيين. وفي 1955 نشر مقالا في مجلة “أرابيكا” عن شخصية علمية إسلامية مرموقة عنوانه: “ابن كثير مؤرخا”. ثم طوّر هذا المقال وقدمه في محاضرته الافتتاحية في كوليج دو فرانس في 3 ديسمبر 1956، تناول فيها جوانب أخرى من هذا العالم المسلم الموسوعي المتوفى في عام 1373 م.

  لم يهتم لاووست كثيرا بالأدب العربي، فكان ذلك من اختصاص صديقه رجيس بلاشير الذي نشر كتبا وبحوثا عديدة في هذا المجال. غير أن لاووست كتب بحثا نفيسا حول الشاعر العربي أبا العلاء المعري شارك به في مؤتمر علمي نظمه المجمع العربي السوري في عام 1944. وقد نشر هذا البحث المكتوب بالعربية ضمن أعمال ذلك الملتقى الأدبي، وباللغة الفرنسية في “نشرية الدراسات الشرقية” التي كان يصدرها المعهد الفرنسي بدمشق.

 

قـضـايا مـعـاصـرة:

  ومما لا ريب فيه أن الدكتور لاووست اهتم كثيرا بدراسة تراث الإسلامي القديم، فإن هذا لا يعني أنه لم يظهر اهتماما بالغا للتراث الإسلامي المعاصر، بل لقد بدأ به لما كان باحثا في المعهد الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة في بداية الثلاثينيات، ثم انتقل إلى دراسة الفكر الإسلامي القديم بدون انقطاع.

  كان لاووست يعي وإلى حد كبير الأزمة التي كان يعانيها الاستشراق في تواصله مع الرأي العام الأوروبي منذ نهاية الحرب العالمية الأولى. من هنا شدد على ضرورة تجديد الدراسات الاستشراقية التي كانت غارقة في البحث في القديم فقط، بينما تسير المجتمعات العربية والإسلامية نحو المستقبل، وتتغير ذهنيات العرب والمسلمين بحكم الاحتكاك بالحضارة المعاصرة. وبالتالي وجدت الشعوب الأوروبية أنفسها أمام عالم عربي مختلف عن الصورة النمطية التي رسمها المستشرقون في دراساتهم التراثية، ولم يعد الرأي العام الغربي يفهم الحركات التحررية العربية، ويستوعب مطالبها، ويتفاعل معها بشكل إيجابي بسبب شح المعطيات وقلة المعلومات الراهنة.

  وبالفعل، وصل لاووست إلى قناعة راسخة في هذا الاتجاه، عبّر عنها بوضوح تام بقوله: “ليس من النافع فقط بل من الضروري أن يضم علم الإسلاميات إليه درس أحوال الإسلام في الوقت المعاصر أيضا، والاتجاه العلمي الذي أخذ به منذ سنوات كثير من مباحثنا الاجتماعية والتاريخية والسياسية جدير بأن يكون لنا دليلا حسنا في درس ما يجري الآن من الحوادث العربية والإسلامية وفي إحصائها وتقديرها إحصاء وتقديرا قياسيين.”

  تحقيقا لهذه الرؤية وتجسيدا لها على أرض الواقع، اهتم لاووست بدراسة المجتمع المصري المعاصر في جوانبه المختلفة فكانت حصيلة جهوده نشر عدة بحوث ودراسات في مجلات ثقافية وأكاديمية، وسأقتصر هنا على ستة منها.

  تناول في بحثه الأول السلفية ومواصفتها العامة واتجاهها الراهن مركزا على أعمال الإمامين جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده والشيخ محمد رشيد رضا، والأستاذ محب الدين الخطيب… وعالج في بحثه الثاني المستفيض موضوع التعليم العربي في مصر في مختلف المراحل، مبرزا جهود الحكومة المصرية في هذا المجال، مدعما كل ذلك بجداول وإحصائيات دقيقة.

  وتطرق في المقال الثالث إلى ” القاهرة ودورها في الإسلام المعاصر”، وهو دور محوري نظرا لعدة اعتبارات ثقافية وسياسية تتمتع بها مصر. وتعرض في المقالة الرابعة لتطور الحياة الاجتماعية للمرأة المصرية من خلال متابعة نشاطات الحركة النسوية التي مرت في نظره بثلاث مراحل، وعلى رأس كل واحدة منها يوجد رمز فكري: قاسم أمين، باحثة البادية، هدى شعراوي. كذلك تعمق لاووست في دراسة التطور الثقافي والسياسي في مصر المعاصرة. وأخيرا درس النهضة العربية في العالم العربي وتفاءل بشكل مفرط بمستقبلها.

  تجدر الإشارة إلى أن لاووست كان يدرس تطور المجتمع المصري لكن عينيه منصبتان أيضا نحو المجتمعات الإسلامية في المغرب العربي التي تحتلها فرنسا، لذلك يوجّه نتائج دراساته السابقة إلى الحكومة الفرنسية لعلها تساعدها في حل مشكلات اجتماعية وثقافية وغيرها في كل من الجزائر والمغرب وتونس. فهو يقول بكل وضوح: ” فبالنظر في التجارب التي حاولتها منذ ربع قرن الأقطار العربية بالمشرق الأدنى نتمكن من جمع أطراف المسألة الأهلية ومن هاته التجارب نستمد- لا قواعد موجودة- ولكن معلومات قيمة من شأنها أن تعين على حل بعض المشاكل الحالية بإفريقية الشمالية.”

لقد نشر لاووست كتابه الأول في دمشق في عام 1938 درس فيه أفكار وآراء العالم السوري الشهير محمد رشيد رضا، الذي استقر منذ عام 1898 في العاصمة المصرية بجوار أستاذه الإمام المجدد محمد عبده. وهناك أصدر مجلته المعروفة المنار التي تعنى بالعلوم الشرعية والدعوة والإرشاد والإصلاح. وكان ذلك الكتاب في الأصل رسالة ثانية أعدها لاووست لنيل شهادة الدكتوراه، ثم عدل عن هذا المشروع خوفا أن ترفضه جامعة السوربون بحجة أن محمد رشيد رضا مازال آنذاك على قيد الحياة. والكتاب تضمن ترجمة ودراسة وتحليل لكتاب “الخلافة”.

  ومن خلال تتبعنا لأعمال لاووست نلاحظ أنه بدأ حياته العلمية بدراسة الفكر الإسلامي المعاصر ثم تفرغ تماما للبحث في التراث، ولم يعد إلى القضايا المعاصرة إلا عرضيا ونادرا، متناقضا مع انتقاداته للمستشرقين الأولين التي أشرنا إليها في بداية هذا المبحث. لعل لاووست اقتنع بأن أفكار وآراء المفكرين الذين درسهم من ابن تيمية إلى ابن خلدون مرورا بالماوردي والغزالي لم تعد من التراث، بل هي أصبحت من صميم الفكر المعاصر، إما لعجز العقل المسلم على الإبداع، وإما لاستغلال الغرب الاختلاف الذي ظهر في الفكر الإسلامي القديم لتمزيق العالم العربي كما هو الحال اليوم.

 

هكذا أُستقبلت أعماله في العالم العربي:

  لقد عاش هنري لاووست في المغرب وسوريا ومصر والجزائر، وزار دولا عربية أخرى في مهمات علمية، ونال تقدير كل العلماء والباحثين العرب الذين التقى بهم خاصة المثقفون السوريون بحكم منصبه مديرا للمعهد الفرنسي في دمشق لفترة طويلة، وعضويته في المجمع العربي السوري منذ عام 1942. وقد تعاون لاووست مع الباحث السوري الدكتور سامي الدهان في إعداد كتاب يؤرخ لكل أعمال هذا المجمع تحت عنوان: “إنتاج المجمع العلمي العربي بدمشق (1921-195). وصدر الكتاب فعلا في عام 1951 بالفرنسية على نفقة المعهد الفرنسي بدمشق.

  كذلك نالت أعماله تقديرا مميزا من الباحثين، واعتبروها فتحا جديدا في الدراسات الإستشراقية، خاصة كتابه “بحث في آراء ابن تيمية الاجتماعية والسياسية”، الذي وصفه الأستاذ محمد كرد علي رئيس المجمع العلمي السوري بـ “التحفة الثمينة”، ذلك بأن المؤلف “نفذ إلى روح شيخ الإسلام ابن تيمية، وغاص كما يغوص العالم الذي لا مآرب له غير خدمة الحقائق في كتب الإمام…فاستخرج لآلي بديعة في منازع ابن تيمية في الاجتماع والسياسة تمثلها، وكتبها بأسلوب عال باللغة الفرنسية.”

  وقد ترجم هذا الكتاب إلى العربية من طرف الدكتور محمد عبد العظيم علي، وقدّم له وعلّق عليه الدكتور مصطفى حلمي، وصدر عن دار الأنصار بالقاهرة. كما عرّبت بعض بحوثه ودراساته، أذكر منها على سبيل المثال: “الثقافة الإسلامية”، “فائدة درس التعليم العربي بمصر”، المرأة المسلمة بمصر. وحقيقة، كل أعماله جديرة بالتعريب والاستفادة منها.

  تجدر الإشارة إلى أن أعماله حول ابن تيمية والمذهب الحنبلي قد استقبلت استقبالا حسنا في المملكة العربية السعودية التي رعت هذه الشخصية العلمية المرموقة، وأصدرت فتاويه الكاملة ووزعتها مجانا عبر العالم، وكذلك تنتصر دائما للمذهب الحنبلي في المسائل الفقهية. وقد زار لاووست مدينة الرياض، ورحبت به كثيرا الهيئات الرسمية السعودية. وترأس لفترة معتبرة جمعية العلاقات الفرنسية السعودية التي من أهدافها تبادل الزيارات وتنظيم الندوات الفكرية، وكان من ثمارها –على سبيل المثال- عقد ندوة دولية حول: “حقوق الإنسان في الإسلام” في باريس في شهر 1972 برعاية وزارة العدل السعودية.

  أما بشأن آراء المثقفين والعلماء العرب في شخصية هنري لاووست وقيمة أعماله الاستشراقية إضافة إلى رأي الأستاذ محمد كرد علي، السالف الذكر، فإنني أضيف هنا ثلاث شهادات حسب تسلسلها التاريخي.

  الشهادة الأولى هي للمثقف الجزائري محمد الصالح مايسة مدير مجلة “المغرب” الصادرة في الرباط في الثلاثينيات من القرن الماضي، عبّر فيها عن كفاءة هذا المستشرق وإنصافه نحو الإسلام والمسلمين، فقال: “إن الأستاذ لاوست أول مستشرق –فيما نعلم جمع إلى أعلى الشهادات الغربية شهادات من المدارس العربية نفسها، وقد ساعدته قابلية الشباب وإقامته الطويلة بالشرق العربي ودراساته لشتى الحركات الإسلامية القديمة والحديثة على فهم قضايا العالم الإسلامي الحاضر، الأمر الذي يمتاز به على جل المستشرقين، ومن المعلوم أن لكل زمان رجاله.”

  الشهادة الثانية هي للمفكر العربي الأستاذ محمد المبارك، عميد كلية الشريعة في جامعة دمشق، يقول فيها بأن هذا المستشرق الفرنسي كان يتمتع “بفهم عميق وتتبع دقيق وإنصاف”، كما أنه يتميز على غيره من المستشرقين “بحياده وتقديره للثقافة الإسلامية حق قدرها.”

  أما الشهادة الأخيرة، فهي للمفكر المغربي الدكتور محمد زنيبر خصصها لكتاب “الفِرق الإسلامية” ذات الشهرة الواسعة عند المهتمين بالفلسفة والعقيدة والعلوم السياسية في الغرب وفي العالم العربي والإسلامي، فقال: “هو كتاب جامع في الموضوع يمكن قارئه من نظرة مجملة على الفرق وتطورها خلال القرون الأربعة عشر التي قطعها الإسلام من تاريخه وهذه النظرة رغم كونها مجملة، فهي متدفقة ومركزة وقابلة للتوسيع والتفصيل، مما يجعل الكتاب صالحا في آن واحد لجمهور القُراء وللعلماء المختصين إذ يجدون فيه توجيهات ونظرات طريفة مفيدة للبحث.”

  وأقول في الختام إن هنري لاووست كان منصفا في غالب الأحيان في دراسته لتراثنا الإسلامي في القديم والحديث، وساهم في إغناء الدراسات الإسلامية بأعمال ذات قيمة علمية وفكرية بالغة. غير أننا لا يجب أن ننسى ونحن ندرس إنتاجه الرصين أن نعرف أولا بأنه بقي سجينا للمركزية الغربية، وإن حاول أحيانا كثيرة التحرر منها؛ ونعلم ثانيا أنه ساهم في تحقيق مشروع التأثير الحضاري الغربي في العالم الإسلامي في حدود معينة، بما يضمن دائما للغرب مصالحه العظمى بواسطة ما عبّر عنه لاووست بعبارة “الولاء السياسي المبني على الاختيار والتعليل”.

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق