حدث وتعليق

إغراق الأنفاق بمياه البحر..جريمة أخرى بحق الفلسطينيين بقلم حسين لقرع

 

LAGRAA أ. حسين لقرع

  شرعت مصر يوم الجمعة 18 سبتمبر الجاري في تنفيذ “تجربة” جديدة لتدمير الأنفاق التي تربط غزة بسيناء، وذلك من خلال ضخّ كميات كبيرة من مياه البحر في أنابيب مليئة بالثقوب في خندق بعمق 5 إلى 6 أمتار يمتدّ على مسافة 14 كيلومتراً، أي على طول حدود غزة مع مصر، وتتسرّب مياه البحر من هذه الثقوب بشكل منتظم وحينما تملأ الخندق تتجه آليًّا إلى أي فتحة نفق وتمتدّ داخله، ما يؤدي لاحقاً إلى انهياره الحتمي بعد أن يتشبّع بالمياه. وبهذه الكيفية تضمن مصر تدمير كل الأنفاق دون أن تكون بحاجة إلى البحث عنها وتدميرها.

  اللافت للانتباه في هذه الخطوة العدائية الجديدة من مصر تجاه غزة تحت غطاء “مكافحة الإرهاب”، أنها تأتي في الوقت الذي كان فيه الفلسطينيون منشغلين تماماً بالانتهاكات الصهيونية اليومية للمسجد الأقصى وإصرار نتنياهو على التقسيم الزماني والمكاني للمسجد تمهيداً لهدمه لاحقا وإقامة الهيكل المزعوم مكانه، وقد تداعى الفلسطينيون الجمعة قبل الماضية الموافقة لـ 18 سبتمبر 2015 إلى مظاهرات صاخبة في فلسطين والعالم الإسلامي نصرة للأقصى، وسموها بـ“جمعة الغضب” وخرج الفلسطينيون فعلاً في مسيرات حاشدة في غزة والضفة والقدس، وخرج الآلاف من العرب والمسلمين في شتى العواصم والمدن، وكان الفلسطينيون ينتظرون أن يخرج المصريون معهم للتظاهر والتنديد بالانتهاكات اليهودية للأقصى وإبداء التعاطف معهم، ولو على استحياء ككل المظاهرات العربية والإسلامية، كما انتظروا من النظام المصري أن يندد، ولو ظاهرياً، بهذه الانتهاكات حفاظا على ماء وجهه أمام شعبه والفلسطينيين وكل المسلمين، وهو أضعف الإيمان، لكنهم صُدموا بمياه البحر تتسرّب إلى بيوتٍ برفح الفلسطينية على حدود سيناء، وتغرق الشوارع أيضاً، صبيحة “جمعة الغضب” وتبيّن لهم لاحقاً أن الأمر يتعلق بقيام النظام المصري بـ“تجربة” تستهدف إغراق كل الأنفاق بمياه البحر!

   وتكمن خطورة الأمر في عدة جوانب.

 الأول: إنها ستُحكم الحصار الصهيوني الجائر على غزة بشكل نهائي وتعزلها عن العالم الخارجي بشكل تام، وهو ما لم ينجح فيه الكيان الصهيوني ومصر مبارك منذ بداية الحصار في عام 2007، بسبب لجوء الفلسطينيين إلى حفر عددٍ كبير من الأنفاق لتعويض الأنفاق التي تكتشفها مصر في كل مرة وتدمرها، أما آلية مياه البحر، فستقضي تماماً على الأنفاق وبالتالي ينجح الحصار الصهيوني للقطاع، والذي تشارك فيه مصر بسبق إصرار وترصّد للأسف الشديد ولاسيما في عهد السيسي الذي يكنّ حقدا شديدا لحماس وهو مستعدّ لعمل كل شيء للقضاء على حكمها لغزة وإنهاء المقاومة للكيان الصهيوني. ولا يُخفى عن لبيب أن الأنفاق كانت تضمن للمقاومة تدفق الأسلحة الإيرانية عليها، وبتهديمها لن يكون بمقدور المقاومة إدخال تشكيلات جديدة من الصواريخ، وأسلحة أخرى، لتعويض ما تخسره في أي حرب مقبلة وستكون لقمة سائغة في يد العدو الصهيوني الذي تتدفق عليه أحدثُ الأسلحة الأمريكية.

   وفي ظلّ غلق معبر رفح، فإن إغراق كل الأنفاق سيفاقم الأزمة الإنسانية في غزة، ويحوّلها في يد الصهاينة، إلى ما يشبه “الميت في يد غساله” كما يقول المثل الجزائري.

   أما الجانب الثاني فيتعلق بخطورة مياه البحر على التربة والمياه الجوفية وبيوت الفلسطينيين في رفح على الشريط الحدودي مع مصر؛ إذ أن ملوحة مياه البحر ستتلف المحاصيل الزراعية الآن، وتجعل التربة ذات ملوحة عالية تتعذر معها الزراعة مستقبلاً، ما يصيب الكثير من الفلسطينيين الذين يعتاشون على محاصيل أراضيهم في مقتل. كما أن هذه المياه المالحة ستختلط بسهولة بالمياه الجوفية وتجعلها مالحة بدورها، ما يجعلها غير قابلة للاستهلاك كمياه شربٍ وريّ، وحينما تتسرب كميات كبيرة من مياه البحر إلى خارج الأنفاق بعد تشبّعها فستنهار بيوت الكثير من الفلسطينيين في رفح، لأنها مشيّدة أصلاً على فتحات أنفاق كما هو معروف.

   لذلك يحقّ للداعية المعروف عوض القرني أن يطلق على هذه الخطة لإغراق الأنفاق وصفَ “العمل الإجرامي الخياني”؛ فعوض فتح معبر رفح وإغاثة الفلسطينيين في غزة بشتى السبل، يعمل النظامُ الانقلابي في مصر على تدمير المقاومة بشتى الطرق، وإحكام الحصار الصهيوني عليها، وقد شرع في خطة إغراق الأنفاق يوم “جمعة الغضب” التي كانت فيها الأنظار مصوّبة تجاه الأقصى الذي يدنّس كل يوم.. أليست هذه جريمة نكراء في حق الفلسطينيين؟

   لقد بغى الانقلابيون في مصر وتجبّروا وتجاوزوا كل حدود الدين والأخوّة العربية والإنسانية دون أن يجدوا من يقف في طريقهم أو ينتقد أفعالهم المستهجَنة، إذ لم نسمع بلدا عربيا واحدا انتقد هذا النظام على الإغلاق شبه الدائم لمعبر رفح، ولا على إقامة منطقة عازلة على حدود غزة، ولا على إغراق الأنفاق، كما لم نسمع موقفا دوليا قويا.. الجميع متواطئ معه ضد 1.6 مليون فلسطيني مستضعَف في غزة، ذنبه الوحيد أنه تمسّك بمقاومته ورفض التسويات الذليلة ومسارات السلام الوهمية التي لم يجنِ منها غير ابتلاع فلسطين وتهويد مقدساتها.

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق