بحوث و دراسات

ألبرت حوراني (1915-1993) مستشرق عربي؟ بقلم أ.د مولود عويمر

 

10255611_848490235231499_3561347305499179306_n أ.د مولود عويمر

  لم تكن المعاهد الإستشراقية المعروفة في الغرب يديرها فقط المستشرقون الأوروبيون، وإنما ثمة مراكز وأقسام للدراسات الشرقية أسسها علماء عرب أو مسلمون، وأشرفوا على تكوين أجيال من المستشرقين الأوروبيين والباحثين العرب المختصين في مجال الدراسات العربية والإسلامية، ومن بين هؤلاء الأساتذة البارزين: ألبرت حوراني في إنجلترا، وفيليب حتي في الولايات المتحدة الأمريكية، وفؤاد سزكين في ألمانيا، ومحمد أركون وعلي مَراد في فرنسا، …الخ. هل كانت لهذه البيئة الغربية تأثير على منهجهم العلمي وإنتاجهم المعرفي وعلاقتهم الوجدانية بثقافتهم، وصلتهم بمصير أمتهم، أم على العكس من ذلك استفادوا من الإمكانات المادية والفرص المتاحة لخدمة تراثهم والتعريف بحضارتهم؟ سأقتصر الجواب في هذا المقال على نموذج واحد، وهو المؤرخ والمفكر ألبرت حوراني، وسأعود إلى النماذج الأخرى في مقالات أخرى بحول الله.

حوراني خبير في وزارة الخارجية البريطانية

  ولد ألبرت حوراني في مانشستر ببريطانيا في 31 مارس 1915 من أبوين لبنانين هاجرا لبنان ليعمل في تجارة القطن في هذه المدينة. درس الفلسفة والعلوم السياسية والاقتصادية في كلية مدلين بجامعة أكسفورد، وتخرج منها في سنة 1936 حاملا شهادة الليسانس. وفي تلك السنة سافر إلى لبنان ودرس في الجامعة الأمريكية ببيروت سنتين.

  عاد إلى بريطانيا ليلتحق بالمعهد الملكي للشؤون الخارجية التابع لوزارة الخارجية البريطانية الذي كان يشتغل فيه المستشرق المعروف هاملتون جب والمؤرخ الشهير أرنولد توينبي. وبقي حوراني على صلة قوية بهذين العالمين، فقد تأثر بالصرامة العلمية التي كان يتصف بها الأول في أعماله الاستشراقية، وقدراته التنظيمية والتسييرية، وأعجب بمنهج الثاني في تفسير التاريخ ودراسة الحضارات الإنسانية.

  كلف حوراني في عام 1939 بانجاز تحقيقات في المشرق العربي ثم عهد إليه في سنة 1943 بتحليل الأخبار والتقارير بمكتب الاستعلامات بمكتب وزير الدولة البريطاني للشرق الأوسط، المقيم آنذاك في القاهرة.

  عند الخروج من الحرب العالمية الثانية في عام 1945، انضم حوراني إلى المكتب العربي في القدس، وبعد سنة انتقل إلى المكتب العربي في لندن فمكث فيه إلى غاية 1948. وجمع خلالها المعطيات عن طريق الزيارات والتحقيقات الميدانية، ساعدته على فهم المجتمعات العربية، ودراسة تطور العالم العربي في جوانب متعددة. وقد استغل هذه المادة العلمية لكتابة بحثين: البحث الأول عن سوريا ولبنان، والبحث الثاني عن الأقليات في العالم العربي. سنعود إليهما لاحقا.

في رحاب جامعة أكسفورد العريقة

  في عام 1948، قرر ألبرت حوراني العودة إلى الجامعة لمواصلة دراساته العليا. وبما أنه كسب ثروة من المعطيات التاريخية والميدانية حول العالم العربي، اتجه إلى التخصص في التاريخ العربي الحديث والمعاصر وإعداد شهادة الدكتوراه في هذا المجال. في عام 1951، عيّن أستاذا للتاريخ في كلية سانت أنطوني بجامعة أكسفورد العريقة. وبقي في هذا المنصب إلى غاية 1979. ودرس عليه في هذه الكلية العديد من الطلبة الأوروبيين والعرب الذين اختاروا التخصص في تاريخ العرب الحديث. وكان من أشهرهم المؤرخ الفرنسي أندريه ريمون، والمؤرخان المصريان مجدي وهبه، ومحمود المنزلاوي، والباحث الفلسطيني وليد الخالدي، والمؤرخ العراقي جميل السيار.

  لقد شكلوا –باستثناء السيار- الدفعة الأولى من طلبة الدكتوراه التي درست على يد حوراني مادة الشرق الأوسط العربي بين 1805و1948. وكان الفوج يضم 12 طالبا. وقد وصف ريمون منهج حوراني في التدريس، فقال أنه كان يعتمد على عرض الأحداث، وشرح الخلفيات وتحليل الأفكار والمواقف، واستخلاص العبر. كما كان مشرفا قديرا ترك بصماته على طلبته الذين كانوا يعدون أطروحاتهم العلمية تحت إشرافه. ولم تتوفر كل هذه الصفات في أساتذة آخرين لذلك كانت حلقة درسه من أنجح حلقات الدرس في الكلية.

  ونتوقف هنا أيضا عند شهادة جميل السيار الذي لخص ذكرياته مع أستاذه في منتصف السبعينيات من القرن العشرين، وهي تتطابق مع شهادة أندري ريمون رغم طول الفترة الزمنية التي تفصل بينهما، وهي ربع قرن، فقال: «أذكر محاضراته وكم كنت أود أن يطول الوقت لأستمتع بما يحدثنا به! لقد كان عام 1977 نقطة فاصلة في حياتي كوني تعرفت بهذا الإنسان الرائع والمفكر اللامع. وازدادت معرفتي به وعلاقتي معه طوال السنوات الماضية (…) لقد كان تأثير ألبرت حوراني كبيرا (…) درست على يديه أعداد كبيرة من الباحثين والطلبة في دراسات الشرق الأوسط (…) كان يحتفظ بذكريات خصبة عن بعض من عمل معهم أو التقى بهم. كان يعتز بنخبة من أبناء الشرق الأوسط، ولم يقبل عنده إلا من يتخيل فيهم الذكاء وقوة الإرادة والأصول العالية (…) ويشعر بالفخر كل من حادث ألبرت حوراني وتتلمذ عليه أو زامله واستفاد منه.»

  وإذا كانت هذه هي نظرة الطلبة إلى أستاذهم، فإن الأستاذ عبر عن حبه لطلبته حينما أهدى إليهم كتابه: “تاريخ الشعوب العربية”.

  كذلك تعاون حوراني مع الأستاذ هاملتون جب في الإشراف على مركز دراسة الشرق الأدنى. وفي سنة 1957 تأسست كلية سانت أنطوني في أكسفورد، فكلف ألبرت حوراني بإدارة القسم الخاص بالشرق الأوسط.

  هذا إذن عرض وجيز لحياة حوراني في جامعة أكسفورد الذي لا تكتمل صورته إلا إذا أضفنا إليها جانبا آخر وهو البحث العلمي والإنتاج الفكري.

 

كتب ودراسات في التاريخ العربي

  إضافة إلى التدريس في جامعة أكسفورد وغيرها من الجامعات المرموقة في العالم مثل هارفارد والجامعة الأمريكية ببيروت، اشتغل حوراني، شأنه في ذلك شأن كل العلماء الكبار، بالبحث العلمي وإنتاج المعرفة والكتابة إلى أن توفّي في 17 جانفي 1993.

  كانت باكورة أعماله نشر كتاب حول “سوريا ولبنان” في سنة 1946 معتمدا على معايناته الميدانية وعلى عدد من الوثائق المتوفرة آنذاك. ورغم نقصه باعتراف المؤلف نفسه، إلا أن هذا الكتاب كان في تلك الحقبة التاريخية مرجعا أساسيا لفهم تاريخ الشام والتحولات الاجتماعية فيه واستيعاب الحراك السياسي فيه. وأتبعه بعد عام بكتاب “الأقليات في العالم العربي”.

  وفي سنة 1961 أصدر بحثا في بيروت حول رؤيته للتاريخ. وفي سنة 1962 نشر كتابه الشهير ” الفكر العربي في العصر الليبرالي 1798-1939″ الذي نال شهرة كبيرة، وأعيد طبعه عدة مرات.

  ونشر بعده مجموعة من كتب وهي: “أوروبا والشرق الأوسط” (1980)، “نشأة الحداثة في الشرق الأوسط”. (1981)

  في عام 1991 نشر كتابه “الإسلام في الفكر الأوروبي”. وفي نفس السنة صدر له كتاب “تاريخ الشعوب العربية”. وقد نال هذا الكتاب شهرة واسعة في وقت وجيز، وطبع منه 150 ألف نسخة، وترجم إلى عشرين لغة منها العربية.

  إضافة إلى الكتب السابقة، نشر ألبرت حوراني دراسات في عدة مجلات غربية، بلغ عددها أكثر من 150 مقالا وبحثا.

  وقد حان الوقت الآن لكي نتساءل: ما هي طريقته في الكتابة؟ يجيب عن هذا التساؤل صديقه الدكتور نقولا زيادة، فيقول: «كان ألبرت يعد نفسه إعدادا وافيا عندما يفكر بكتابه مقال، ولكن عندما يكون الأمر متعلقا بكتاب فقد يأخذ إعداده سنوات. فالفكر العربي في عصر النهضة قضى في الإعداد له نحو أربع سنوات. أما كتابه عن ” تاريخ الشعوب العربية” فقد أخذ التفكير فيه والتخطيط له وإعداده ووضعه نحو خمس عشر سنة. وفي أثناء إعداده لهذه الكتاب نشر مقالات متفرقة حول نواح متعددة في الموضوع كي يتأكد من نقاط ونواح خاصة، أملا في أن تتضح له الأمور وتنجلي.»

  لعل من أبرز علامات التقدير للأستاذ حوراني والاعتراف بجهوده في تطوير الدراسات العربية في الجامعات الغربية هي تأسيس جائزة باسم ألبرت حوراني تقدمها سنويا رابطة دراسات الشرق الأوسط لأحسن كتاب في مجال الدراسات الشرقية.

حوراني في العالم العربي

  ترجمت بعض أعمال ألبرت حوراني إلى اللغة العربية. منها: “الفكر العربي في عصر النهضة 1798-1939″، نشرته دار النهار ببيروت وترجمه إلى العربية كريم عزقول، وكتاب “تاريخ الشعوب العربية” الذي ترجمه أسعد صقر، وأصدرته دار طلاس بدمشق في سنة 1997، و”الإسلام في الفكر الأوروبي” نشرته الدار الأهلية للنشر والتوزيع في بيروت سنة 1994.

  وأعدت ترجمات مختصرة وعروض وتقاريظ لأهم كتبه وأعماله في أشهر المجلات العربية بأقلام مفكرين ومؤرخين معروفين، أذكر هنا: رضوان السيد (المستقبل العربي)، محمود السمرة (العربي)، فاضل جكتر (المعرفة)…الخ. ولا بأس أن أنقل هنا رأي المفكر إدوارد سعيد في كتاب “تاريخ الشعوب العربية”: «إن رشاقة أسلوبه في الكتابة وقدرته المبدعة على التوصل إلى لب الموضوع تجعلان من دراسته مادة ممتعة للقراءة.. إنه واحد من الأساتذة القلائل القادرين على رسم خطوط لوحة تمتد مكانا من المغرب إلى الخليج، وزمانا من النبي محمد إلى الحرب العراقية الإيرانية.. تجميع بارع للحقائق.. من الصعب إيفاء هذا الكتاب حقه من الأهمية.».

  أما الدكتور محمود السمرة فقد عبر عن رأيه في كتاب “الفكر العربي في عصر النهضة 1798-1939” بقوله: «ورأي أن كتاب الأستاذ حوراني هو أعمق ما صدر من دراسات في الموضوع الذي تناوله. والعمق، والشمول، والتواضع، والنظرة الإنسانية، صفات جليلة في كل ما صدر للمؤلف من كتب.»

  ولقد واجهت لألبرت حوراني انتقادات كثيرة من طرف الزعماء الوطنيين والمفكرين القوميين بعد صدور كتابه “الأقليات في العالم العربي”، فقد اعتبروا “مسألة الأقليات مشكلة عابرة قد تجاوزها العرب، وأن كتاباته حولها لا معنى لها.”

  كما ترجمت بعض دراساته إلى اللغة العربية، ومن بين تلك الدراسات النفيسة، أذكر بحث: ” الوضع الراهن لكتابة التاريخ الإسلامي والشرق الأوسط” الذي ترجمته المؤرخة الفلسطينية الدكتورة خيرية قاسمية، ومقال: “هاملتون جب: إنجازات مستشرق” الذي عرّبه الباحث سلام فوزي.

  وعلى العموم، فإن كتابات ألبرت حوراني جاءت لتسد فراغا في مجال التاريخ العربي المعاصر لم يكن يقدر أن يسده في تلك الفترة التاريخية إلا نفر قليل من الباحثين العرب. وإن عددا كبيرا من الدراسات التي ظهرت فيما بعد هي نتيجة لبحث طويل وتراكم خبرات والاستفادة من أعمال سابقة، ومن بين هذه الأعمال المهمة: كتابات ألبرت حوراني.

  لقد لاقت تلك الأعمال قبولا عند الباحثين العرب على الرغم من اطلاعهم عليها في لغتها الثانية أو الثالثة، وذلك نظرا لعمق تحليله ودقة وصفه وموضوعيته في كثير من الأحيان. وتزداد قيمتها عندهم حينما يعلمون أن هذه المؤلفات هي موجهة بالدرجة الأولى إلى غير العرب للتعريف بتراثهم وثقافتهم وتاريخهم في وسط ثقافي طالما ظلم هذا التراث الإسلامي والعربي، وأنكر إسهاماته في الحضارة الإنسانية، وشوّه حاضره في مختلف وسائل الإعلام.

  وأخيرا، أقول إن ألبرت حوراني كان أحيانا باحثا عربيا ينظر إلى الشرق بعين عربية، وكان أحيانا أخرى مستشرقا منصفا يدرس الشرق بنظرة إعجاب والشعور بالألم والأمل. ولقد لخص جزء من هذا الكلام حينما قال: «لقد ولدت هنا وتلقيت تعليما انجليزيا كالانجليز تماما… رغم أنني لم أفقد صلتي بعائلتي. فلم يزل لنا بيتنا في مرجعيون. ولم أزل أحتفظ بود كبير للبنان وللعرب. أنا شخصيا لا أحب تعبير الاستشراق. وأعتبر نفسي مؤرخا اجتماعيا وفكريا يستخدم المقاييس الأوروبية الغربية في دراساته.»

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق