حدث وتعليق

وقف التنسيق الأمني مع الاحتلال: خطوة نحو عودة السلطة الفلسطينية إلى صف شعبها أ.حسين لقرع

 

 لقرع حسين أ. حسين لقرع

  يشكّل قرارُ السلطة الفلسطينية إيقاف التنسيق الأمني مع الكيان الصهيوني، خطوة جريئة نحو فكّ الارتباط الأمني مع الاحتلال والعودة إلى صفوف الشعب الفلسطيني مجدداً والاتساق مع آماله في مقاومة الاحتلال والتصدي لقمعه المتصاعد ولانتهاكاته المستمرة للمسجد الأقصى المبارك، وإذا “صمدت” السلطة على قرارها هذا، فسيكون ذلك مقدمة لتغيير غير هيّن في فلسطين والمنطقة.

   يُعدّ “التنسيق الأمني” بين السلطة الفلسطينية والاحتلال الصهيوني، إحدى الثمار المرّة لاتفاق أوسلو الموقع في سبتمبر 1993 بين الطرفين، حيث يشترط الاتفاق أن تقوم قوات الأمن الفلسطيني التي ستُشكّل لاحقاً ويصل عددُها إلى 12 ألف رجل أمن، بالتنسيق مع قوات الاحتلال، لإجهاض أيّ أعمال تقوم بها مختلفُ فصائل المقاومة، وهذا بهدف تهيئة الأجواء لاستمرار مفاوضات “الوضع النهائي” بين سلطتي البلدين إلى غاية إيجاد حلول لكل القضايا المؤجلة منذ اتفاق أوسلو 1993، وهي قضايا قيام الدولة الفلسطينية والقدس واللاجئين والمياه..في آفاق عام 1999.

   وتبعاً لذلك، تشكّلت الشرطة الفلسطينية، وأشرف الجنرال الأمريكي دايتون على تدريبها على كيفية مواجهة عناصر المقاومة التي تريد القيام بعمليات مسلحة ضد الاحتلال الصهيوني في الضفة وكذا غزة التي كانت لا تزال ترزح تحت الاحتلال الصهيوني آنذاك.

   وتسبّب هذا التنسيق في انشقاق الصف الوطني الفلسطيني وحدوث خلافات وصراعات وعداوات مستحكمة بين السلطة الفلسطينية وحماس وباقي فصائل المقاومة، بعد أن قامت الشرطة الفلسطينية بمطاردة المئات من عناصر المقاومة في الضفة وغزة وإلقاء القبض عليها والزجّ بها في السجون قهراً وتعسّفاً، وأدى ذلك إلى اهتزاز صورة الرئيس الراحل ياسر عرفات في قلوب ملايين الفلسطينيين والعرب والمسلمين وكل الشرفاء في العالم، والذين أعابوا عليه تحوّله من زعيم كبير لمقاومة الاحتلال الصهيوني إلى رئيس سلطة شكلية تسخّر رجال أمنها لملاحقة المقاومين ومنعهم من ضرب الاحتلال.

   لكن الصورة تغيّرت بشكل جذري حينما عاد الرئيس عرفات من منتجع كامب ديفيد في أواخر شهر أوت من عام 2000، بعد أن أجرى مفاوضاتٍ مباشرة شاقة مع رئيس الوزراء الصهيوني آنذاك إيهود باراك حول قضايا الوضع النهائي، وبإشراف الرئيس الأمريكي آنذاك بيل كلينتون، والذي تبيّن أنه لم يكن وسيطاً نزيهاً، بل كان منحازاً بشكل سافر إلى جانب حليفه الصهيوني ومارسَا معاً ضغوطاً هائلة على عرفات لدفعه إلى القبول بتقديم تنازلات خطيرة تتعلق بقضايا القدس والأقصى وإسقاط حق اللاجئين في العودة إلى وطنهم مقابل تعويضات مالية..وغيرها من القضايا العالقة منذ اتفاق أوسلو.

   وبعد أن تأكّد الرئيس عرفات -رحمه الله- من أن الصهاينة والأمريكيين يريدون كل شيء مقابل تنازلات شكلية هزيلة تتعلق بالاعتراف بقيام دولة فلسطينية منزوعة السلاح وتخضع لمراقبة الاحتلال، أي بلا سيادة حقيقية على أراضيها وأجوائها ومياهها الإقليمية، واستغلّ بداية الانتفاضة الثانية التي اندلعت في سبتمبر 2000، ردا على تدنيس أرييل شارون للمسجد الأقصى، للتراجع تماماً عن المسار التفاوضي العبثي، وقيادة الانتفاضة الثانية طيلة أربع سنوات جنباً إلى جنب مع حماس وباقي فصائل المقاومة؛ إذ فتح السجونَ على مصراعيها وأطلق المئات من عناصرها لتشارك في الانتفاضة ثم تقودها إلى “العسْكرة” لاحقاً، وأوقف عرفات “التنسيق الأمني” تماماً مع الاحتلال وأطلق يد المقاومة ضد الاحتلال في غزة والضفة، فنجحت في دحر الاحتلال وإجبار شارون على الانسحاب بجيشه ومستوطنيه جميعاً من قطاع غزة في عام 2005، أما في الضفة فلم يكتمل للمقاومة النجاح بعد اغتيال الرئيس عرفات في نوفمبر 2004 بالبلونيوم المشعّ وفي ظروف غامضة تتمازج فيها الخيانة الداخلية مع سطوة الاحتلال وجبروته.

   وإثر ذلك، توقفت الانتفاضة الثانية في الضفة، وبدأ عهدٌ جديد بقيادة الرئيس الجديد محمود عباس، كان عنوانه الرئيس التخلي عن المقاومة بذريعة الحفاظ على أرواح الفلسطينيين الذين يخوضون مواجهة غير متكافئة مع الاحتلال، والعودة إلى المسار التفاوضي، وكانت عودة “التنسيق الأمني” بين الأمن الفلسطيني والاحتلال بمثابة تحصيل حاصل لهذا التوجّه الجديد الذي اختار عنوان “السلام خيارٌ إستراتيجي وحيد”!.

   وكان من نتائج ذلك، عودة الأمن الفلسطيني إلى مجدداً إلى مطاردة المقاومين في الضفة وغزة والزجّ بهم في السجون، وإجهاض عملياتهم المسلحة، لكن الأخطر من ذلك هو أن المقاومة في غزة اتهمت السلطة بالتسبّب في اغتيال الكثير من المقاومين وحتى قادتهم عبر إرشاد الاحتلال إلى أوكارهم السرية، وبدأت الخلافات تتصاعد بين السلطة وحماس بسبب اغتيال العديد من قياداتها وإطاراتها وخبرائها العسكريين في غزة، ثم تطوّر الوضعُ بشكل خطير في عام 2007 وبدأت المواجهات المسلحة بين الشرطة التابعة للسلطة الفلسطينية وكتائب حماس، وفشلت الجهود العربية والدولية في إيقاف حمام الدم، وفي منتصف عام 2007، حسمت حماس الصراعَ لصالحها في غزة، وطردت قوات الأمن الفلسطينية منها، وانقسمت فلسطين بذلك، بشكل غير مسبوق في تاريخها.

   وكردّ فعل على ذلك، قامت السلطة الفلسطينية بتشديد الخناق على عناصر المقاومة وتكثيف حملة المطاردات والاعتقالات ضدها في الضفة، و”نجحت” في تقزيم وجود حماس في الضفة وشلّ المقاومة فيها، ما جعل الصهاينة يعبّرون مراراً عن “امتنانهم الشديد” للسلطة الفلسطينية التي خلّصتهم من خطر مئات المقاومين لتحفظ بذلك “أرواح مئات المستوطنين والجنود والشرطة”، بل إن الأوساط السياسية والإعلامية الصهيونية اعترفت مراراً بأن السلطة الفلسطينية قد قضت تماماً على أيّ أثر للمقاومة في الضفة الغربية!

   ونتيجة لذلك، أصبح نحو نصف مليون مستوطن بالضفة الغربية ينعم بالأمن، ما جعل الصهاينة يتفرغون لتكثيف الحركة الاستيطانية بالضفة والقدس، وتقويض أساسات المسجد الأقصى، دون أن يخشوا ردود أفعال الشعب الفلسطيني ما دامت “شرطة دايتون” الفلسطينية تتصدى لهم في كل مرة بـ”حزم” و”قوة” وتقمع أي مظاهرات سلمية احتجاجية. وكان الصهاينة يحتالون على السلطة الفلسطينية بمفاوضات ماراطونية اتخذت من قضايا “الوضع النهائي” غطاءً لإكمال مخططات الاستيطان والتهويد دون أن يحصل الفلسطينيون على أي تنازل جدي، وبعد 22 سنة كاملة، اتضح للطرف الفلسطيني تماماً أن مفاوضاته مع الكيان الصهيوني كانت عبثية ولا طائل منها، فأوقفتها منذ أشهر، لكنها لم تلجأ إلى تفجير انتفاضة ثالثة كبديل للمفاوضات، فشجّع ذلك الصهاينة على اتخاذ قرار تقسيم المسجد الأقصى زمانيا ومكانيا بين المسلمين واليهود في الآونة الأخيرة، وتصعيد القمع على كل فلسطيني يتصدى لانتهاكات الأقصى، واتخذ قرار باستعمال الرصاص الحي على المتظاهرين…

   وإزاء كل هذه التطورات، استفاقت السلطة الفلسطينية أخيراً على وقع الحقيقة المرّة، وهي أن السلام غير ممكن مع العدو الصهيوني، وأن مفاوضات 22 سنة كاملة انهارت، واتفاق أوسلو وصل إلى طريق مسدود، وأن العدو عازمٌ على تقسيم الأقصى تمهيداً لهدمه وإقامة الهيكل المزعوم مكانه، وقمع الفلسطينيين الذين يرفضون ذلك بالرصاص الحي، وهنا أقدمت السلطة أخيراً على اتخاذ قرار إيقاف التنسيق الأمني بعد أن هددت به مرارا ولم تملك الشجاعة لاتخاذه.

   هو قرارٌ جريء لا يسعنا إلا مباركته ودعمه، فقد يكون بمثابة خطوة لعودة السلطة الفلسطينية مجدداً إلى صفوف شعبها كما عاد عرفات في سبتمبر 2000 بعد 7 سنوات من “التيه” والمفاوضات الفارغة مع العدوّ..نرجو أن يعود عباس في أواخر عمره بدوره إلى شعبه، ويتصالح مع المقاومة ويطلق سراح مسجونيها في الضفة، ويشرف بنفسه على قيادة الانتفاضة الثالثة التي بدأت ملامحها تلوح في الأفق، لتغيير الوضع على الأرض ووضع حد للهوان والذل الذي يعيشه الفلسطينيون في بلادهم منذ أكثر من 6 عقود.

   نرجو فقط أن لا يكون قرار وقف التنسيق الأمني تكتيكا مرحليا للضغط على الاحتلال قصد تحسين شروط التفاوض معه في الأشهر القادمة، وهذا احتمالٌ قائم بدوره.

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق