كلمة الرئيس

فقبّل شهيدا، على أرضها…. بقلم أ.د عبد الرزاق قسوم

قسوم أ.د عبد الرزاق قسوم

  تبارك، رحم المرأة الفلسطينية، وبارك الله، في خصوبتها. إنها لم تزل الأم الودود الولود، التي تلد لنا الأبطال من النساء والرجال، وتنجب لنا الفدائيين والفدائيات من كل الأجيال.

  فبفضل المرأة الفلسطينية، كبر كل شيء، في فلسطين. فلم يعد فيها أطفال بالرغم من الانتساب الزمني. فحتى المواليد الفلسطينيين صاروا يولدون كبارا. فالطفل الفلسطيني يخرج إلى الحياة مسلحا بروح المقاومة كالطير الأبابيل يجمل مصاصة الحليب بيد، وحجارة المقاومة باليد الأخرى، ذلك أن العدو الصهيوني الغاشم، لا يفرق في القتل بين الطفل والكهل، ولا بين الفدائي حامل البندقية، أو التلميذة حاملة  المحفظة المدرسية، فالكل سواسية أمام قتل الأعداء، وقمع الصهاينة الدخلاء، وينبغي في هذا أن “نشكر” المستوطنين الألداء، وحماتهم الحكام السفهاء، فقد عمقوا بقمعهم وعينا، ووحّدوا بصَلَفهم صفّنا، وجنّدوا بظلمهم شعبنا.

  فما كان لهذه الانتفاضة المباركة العارمة أن تُبعث من جديد، عاملة، كاملة، شاملة، تزرع الهلع في نفوس الظالمين، وتشيع الروع في قلوب المستوطنين الغاصبين، وتعيد الأمل للوطنيين الحائرين؛ لولا العدوانية العمياء، والقمعية النكراء، والهمجية البلهاء، التي بثها الصهاينة في القدس الشريف وما تبعها من تخويف، وتجريف، وتزييف.

  لقد آمن من في القدس الشريف جميعاً، ومن في فلسطين كلها، والمؤمنين بالقضية الفلسطينية العادلة، أن طريقاً واحداً لتحرير القدس، واستعادة الأرض، هو طريق الحجارة والبندقية، وأسلوب المقاومة الاستشهادية، والبسالة الفدائية. فالفلسطيني المقاوم الذي يطلب الحياة، يجابه صهيونياً معتدياً يخاف المماة، ويفر أمام الرماة، ويبيع سلاحه من أجل النجاة.

  ورب ضارة نافعة، فقد أيقظنا المستوطنون الصهاينة من سباتنا، وأعادوا إلينا ما ضاع من ثباتنا، وبعثونا في رحلة جديدة، من أجل استعادة حياتنا، ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ [سورة البقرة، الآية 216].

  إن معاهدات “أوصلو“، ومفاوضات “نيويورك”، ولقاءات “جنيف”، كلها قد نسخت، ومسخت، وطمست، بالدم الفلسطيني المسكوب، والطفل البريء المنكوب، والدور السياسي المقلوب، ليحل محلها، الجهاد المرغوب، والموقف الموحد  “الصلب المطلوب”، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، ﴿يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ﴾ [سورة الروم، الآية 5].

  فللنصر مقدمات وقد وُضعت، وللعُلا علامات، وقد ظهرت، وللدولة الفلسطينية الحرة المستقلة ذات السيادة ضمانات، وقد قربت، فلا يُغّرَّ –بعد اليوم- برفع الزائف من الشعارات، والغثاء من المزايدات، فقد وعى القضية كل ذي عقل يسمع، في العالم أجمع، من الصبية الرضع، إلى الشيوخ الركع، بل وحتى البهائم الرتع.

فللحرية الحمراء باب             بكل يد مضرجة تدق

  إن المارد الفلسطيني يُلقي درسه الضليع والبليغ، على العالم أجمع، بعد أن بحّ صوته، وضاع صيته، وذهب هباء موته.. فقل لهذا العالم، وللعالم العربي على الخصوص، أن يحسن الإصغاء، ويتقن استجابة النداء، ويهب لتقديم الدعم والعطاء، ويقلع عن إتباع سياسة النعامة الحمقاء.

  شهد الله والملائكة، وأولو العلم والعقل قاطبة، أن الشعب الفلسطيني هو الشعب الوحيد، الذي طالت محنته، واشتدت كربته، وتعمقت نكبته، وضاعت في الفضاء صرخته.. أفئن انتفض اليوم، بعد أن ملأ اليأس قلبه، يلام على وقفته، ويندد أعداء الحق بانتفاضته، وهو الذي يتحلى بالدفاع المشروع عن قضيته؟

  وأين كان –لا كان هؤلاء- عندما كان الفلسطيني، يقتل أطفاله أمام عدسات الإعلام، وتغتال حرائره على أيدي الصهاينة الأزلام اللئام، ويزج بخيرة أبنائه في زنزانات الظلام؟

  ماذا فعل دعاة حقوق الإنسان، باللوائح والتصريحات الأممية؟ كيف كان رد المراقبين الدوليين على صلف الصهاينة المتعجرفين، وهم يدوسون كل القوانين العالمية، ويتصاممون عن نداء التعقل والعودة إلى الشرعية الدولية؟

  إننا “نبشر” بني صهيون، بعد أن أغاروا، وجاروا، بأن عهد الشعوب قد لاح فجره، واتضح أمره، بفضل المقاومة، والمداومة، بعد المساومة والملاومة.

  كما نبشر، شعبنا الفلسطيني بأن النصر بان دليله، واتضح سبيله، بشرط واحد ووحيد، هو الإبقاء على الانتفاضة ملتهبة، وإعادة وحدة الفصائل، والإبقاء عليها منتصبة، وليذكروا جميعا مقولة الحكيم القديم: كيف ننتصر على الأقوياء،؟ قال بتوحيد صفوف الضعفاء.

  على أن الفلسطينيين ما كانوا يوماً ما ضعفاء، إلا بسبب خذلان العرب لهم، وعدم الوعي الكافي بقوتهم. فهم أقوياء بالحق الذي يملكون، وبالعتاد الذي يكسبون، وبالجماهير التي عليها يعتمدون.

  فاليوم، وقد انتصبت الانتفاضة المباركة، ونشرت لواءها، وصارت تقدم على مذبح الحرية بناتها وأبناءها، فداء لها، يدرك الجميع أن الفلسطينيُّ قد عرف –حقا- طريقه، وأشعل بريقه.

  وعندما يستوي أمام طالب الحق مفهوم الموت والحياة، ولا يحجم عن تقديم أغلى التضحيات، عندها، أيقن بأن النصر آت، وأن المستضعفين سيحققون المعجزات.

  ويومها أيضا، لا تحزن على ما فات، ولا على كل الأموات، بل وأنشد مع الشاعر علي محمود طه:

فقبّل شهيداً على أرضهـــــــــــــــــــا         دعا –باسمك الله- واستشهدا

فلسطين، تحميك منا، العيون         فإمـــــا الحياة، وإما الردى

***

أخي جاوز الظالمون المدى           فحق الجهاد، وحــــق الفدا 

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق