كلمة الرئيس

أمتا المولود والميلاد بين الإتباع والابتداع بقلم أ.د عبد الرزاق قسوم

 

قسوم  أ.د عبد الرزاق قسوم

  شاءت إرادة الله، أن تجتمع –في هذه السنة- ذكرى مولد سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، وعيد ميلاد المسيح عيسى بن مريم عليه السلام.

  وقد تميز الاحتفال المحتشم، بمولد رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام من أتباعه بالإنشاد والذكر، وإخضاع الشمائل المحمدية للفكر، وإحاطة النعم الإلهية بالتعبد والشكر، كما خلت من هول المفرقعات، وبث الذعر.

  وعلى العكس من ذلك، جاءت الاحتفالات بمولد المسيح عيسى بن مريم من أشياعه، بمزيد من العربدة في السُّكر، وإعلان البواح من الشذوذ والعُهر، وإبداء الكثير من مظاهر الإلحاد والكفر.

  وبالرغم مما يتميز به إحياء المولد النبوي الشريف من مظاهر العفة والطهر، والنأي به عن الفحش والنُّكر، فإن البعض من علمائنا، لا يزالون يعلنون في الناس، بدعية هذا الأمر، ويعتبرونه زوراً من القول، وفُجر.

  في حين يبارك رجال “الديانة المسيحية” ما تأتيه أمة المسيح، من هذه المظاهر المشينة، ممثلة في مشاهد الفسق اللعينة، وأعمال القبح الهجينة، التي تفسد وجه شوارع المدينة، وتشيع بين الناس روح الحيوانية الرذيلة.

  لقد تاهت أمتا محمد والمسيح، بين غلو البعض في النهي عن الإتباع، ولو بالسماع، وبين تصرف البعض الآخر، في “مباركة” كل أنواع الفسق والابتداع.

  فأين الوفاء من الفريقين، للنبيين الطاهرين؟ فهل تغاضى بعض علماء المسلمين، ممن يحرمون الاحتفال بمولد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ويقولون ببدعيته؟ هل تغاضوا عن كل قضايا الأمة الإسلامية وما تعانيه من ظلم واستبداد؟ وما تلاقيه من فساد وإفساد؟

  عجبت لهؤلاء، كيف يحرمون الخروج عن الحاكم الظالم ويعتبرونه في عداد الفتنة؟ وكيف يفتون، بكشف ظهر المواطن المسلم، للطاغية كي يجلده، ويصمت، اتقاء لعواقب الفتنة؟ كيف يجيزون الولاء والطاعة لولي الأمر، مهما أتى من المنكرات والموبقات، ويحرمون اجتماع قوم في بيوت الله، لقراءة القرآن، أو لذكر الله بالإنشاد والدعوات؟

  إن قضايا الأمة الإسلامية –اليوم- أخطر من سُنيّة أو بدعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف. إن الأمة الإسلامية اليوم مهددة في وجودها، وحدودها، وفي هويتها وجنودها، وفي بنوكها وسدودها. إنها تعاني من فتوى الدماء، وهتك الأعراض؛ ومحنة الدخلاء، وخطر الانقراض. وعجبت لمن يبيح قتل دم امرئ مسلم، ويسأل عن دم البرغوث إن كان ينجس أم لا؟

  وتعالوا بنا إلى أشياع المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام، أين يكمن الوفاء له؟ فإذا صح ما ينسب له، فهو يقول: “إذا ضربك أحد على خدك الأيمن، أدر له خدك الأيسر” فأين الغرب وأمة المسيح اليوم من هذه المقولة التسامحية؟

  أليسوا هم من يكبون الأطفال على وجوههم بالصواريخ في فلسطين، وفي سوريا، وفي أفغانستان، وفي غيرها من البلدان؟ أليست جيوشهم هي من تدك البيوت على ساكنيها، بالطائرات، في أكثر بقعة من بقاع العالم؟ نحن أحق بمن يدلي بشهادته عن جرائم أتباع المسيح في بلادنا، بمباركة رجال الدين وقساوسته. فهل يرضى المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام، بما يأتيه أتباعه وهو القائل كما حكاه القرآن على لسانه:﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً، وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً، وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً[سورة مريم، الآيات: 30-32]، فهل يكون من أتباع عيسى عليه السلام، هؤلاء الجبابرة الذين يزرعون الشقاء، في أوساط البؤساء، فيرملون النساء، ويقتلون الأطفال الأبرياء؟

  إن بين الإتّباع والابتداع خيط إنساني رقيق المبنى، عميق المعنى، يتجلى في زرع القيم الإنسانية والمبادئ الأخلاقية، والتعاليم الدينية، ولا يدرك دلالة هذا الخيط، إلا الراسخون في العلم الرباني، والخلق الإنساني.

  وإنه ليحز في قلوبنا، أن نرى الهوة تتسع بين الأنبياء وأتباعهم، وبين الحواريين وأشياعهم. فلئن سلمنا مع القائلين بأن أتباع المسيح قد بعدت الشقة بينهم وبين النبي عيسى عليه السلام، بسبب ما أحدثوا من أناجيل، وما غيروا من تعاليم وأقاويل، فصاروا غرباء عن السيد المسيح، في أقوالهم، وأفعالهم، وما يأتون من فجور في سلوكهم وأعمالهم، فكيف نفسر سلوك بعض أتباع الرسول محمد صلى الله عليه وسلم؟

  إن قيم الطهر والعفة، التي نادى بها محمد صلى الله عليه وسلم، هي التي تنص على العدل، وأمة محمد غاب فيها العدل. وإن قيمة الطهر والعفة هي التي تنادي بالحب والسلام ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ[سورة آل عمران، الآية 31]، فأين الحب والسلام في أمة محمد –اليوم- وقد سادها العنف بجميع أنواعه، وتفشى فيها القتل وكل أسبابه؟ كل هذا وينهون عن اتباع الرسول وينأون عنه. أليس حري بنا، أن نتعلق بمحمد، ونتخلق بخلقه؟ فهل كان علماؤنا ضالين متبدعين، حينما كانوا يغتنمون فرصة المولد النبوي، لتذكير الناس بشمائل محمد، وأخلاق محمد؟

  إن الإمام عبد الحميد بن باديس، الذي كتب ذات يوم في الشهاب مقاله الرائع، بعنوان “إلى محمد أيتها الإنسانية!”، إن ابن باديس نفسه، هو الذي وضع لنا نشيده الأروع، في ليلة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، في مدرسة التربية والتعليم بقسنطينة: “شعب الجزائر مسلم”

إن ابن باديس في الشعب نادى      ودوى صوته فعم البلاد

  كما يقول الشاعر الجزائري عثمان بوقطاية رحمه الله.

  فبفضل الله وهديه، فُتح على ابن باديس في ليلة الاحتفال بالمولد النبوي، فوضع دستور الجزائر الثورية، الذي ما يزال يتلى إلى اليوم في المناسبات العديدة. لقد وضع ابن باديس في هذا النشيد المولدي، منهجية التحرير والخلاص، فحدد معالم إثبات الوجود بقوله:

شعب الجزائر مسلم        وإلى العروبة ينتسب

من قال حاد عن أصله      أو قال مات فقد كذب

أو رام إدماجا لــه            رام المحال من الطلب

  كما حدد طريقة الخلاص من العدو الغاشم بقوله:

واهزز نفوس الجامدين       فربما حيي الخشب

واقلع جذور الخائنين          فمنهم كل العطب

وأذق نفوس الظالمين         السم يمزج بالرهب

  هذه إذن سبحات ابن باديس في رحاب المولد النبوي الشريف، تؤكد مدى إتباع الأمة لروح محمد عليه الصلاة والسلام في اتخاذ المولد النبوي، مناسبة للتذكير والتوعية، وتلك حال أمة المسيح في الاحتفال بمولد المسيح.

  فأي الفريقين أحق بالخلود والبقاء، وبالإتباع والابتداع؟

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق