البصائرمقالات مختارة

في الذكرى 80 لجريدة البصائر بقلم د. إبراهيم السامرّائي

 

  يقول الإبراهيمي رحمه الله: “والبصائر سجلّ للحركة العلمية والأدبيّة، وثبت حافل بأعمال جمعية العلماء، وكنز من البيان العربي، تشدّ عليه أيدي الضنانة، وأعدادها تكوّن في كلّ سنة مجلّدا نفيسا، تزان به الخزائن، فعلى قرائها أن يحتفظوا بها…وأمّا ما بذلته أسرة البصائر من جهد، ظهرت آثاره في الأسلوب وجمال الطبع، ودقّة التصحيح، فهو شيء تحتسبه الأسرة في خدمة العربية، ولا تمنّه، وإنّها لترجو فوق ذلك مظهرا”.

(البصائر العدد 45 س 1 السلسلة2/1948 ).

  «ولست أنسى يدا لإخوان الصدق وأنصار البيان عليّ، لست أنسى ذلك الأخ النجفي الذي بالغ فوصف البصائر بأنها أرقى جريدة في العالم العربي من المحيط إلى الخليج، ولا ذلك الأخ البصري النابت في معدن اللسان، الذي أطرى البصائر بما أخجل من ذكره، ولا ذلك الأخ المسلم اللاهوري الذي أثنى وأشاد، ولا ذلك العربي البرازيلي الذي قرّظ البصائر في جريدة إسبانية اللغة أبلغ تقريظ وصور ديباجتها ولست أنسى الأستاذ محمد علي الطاهر الذي أنصف فيما وصف، لست أنسى هؤلاء ولا غيرهم من أهل الفضل الذين لم تحضرني حتى نسبهم في هذه اللحظة، أمّا عالم الشام الأخ الوفي الشيخ محمد بهجة البيطار فإنّني أنشر رسالته في هذا العدد، وإن طال عليها الأمد، لما فيها من تغنّ بأعمال جمعية العلماء، ولو كنّا من عشاق الإطراء لنشرنا من رسائل المعجبين ما يغيظ الحاسدين…هذه لمحة دالة على منزلة البصائر عند صاغة الكلام، وهدى الله أبناءنا الذين نحركهم إلى الكتابة والقول فكأنما نحرك منهم صخرة صمّاء، فإذا بضّوا بقطرة تجنّوا، فإذا خلوا إلى أنفسهم تمنوا، ولو عافاهم الله من داء الغرور لعلموا أن الكتابة في البصائر سلّم إلى المجد وذريعة إلى الخلود، ولفهموا أنّ الأديب الحق فيه من السماء مسحة الصحو، وعليه من السماء صبغة الصفو، وأن طبع الأديب من طبع الماء: سائر، جار، متفجّر ».

البصائر

  «سلخت البصائر هذه السنة من عمرها مرفوعة الرأس، موفورة الكرامة نقية العرض، طاهرة اللسان، لم تتنازل من حقوق الأمّة في دينها ودنياها على شعرة، ولم تعش على خبيث المطاعم، ولم تبع لقرّائها ما حرّم الله من سبّ وكذب، ولم تعوّدهم عوائد السوء من التضليل وقلب الحقائق، ولم تتنزّل لمسافهة السفهاء الذين تحرّكهم المطامع الدنيّة والأيدي الخفيّة إلى مناوشتها والتحرّش بها، ليشغلوها بالباطل عن الحق، وبغير المفيد عن المفيد، وليفتحوا معها واجهة من الخصام ليس من مصلحة الأمّة ولا من مصلحتهم لو كانوا يعقلون، ولكن البصائر تفطّنت لكيدهم وما يضمرون، فأعرضت عنهم، فلجّوا، فاحتقرتهم، ثم وزنتهم فوجدت الغشّ والتزوير  والتضليل والتدجيل وإنكار الحقائق الملموسة، ووزنت جمعية العلماء التي يحاربونها، فوجدت العلم والأعمال المفيدة والمدارس المشيدة، فتركت البصائر الكلمة لهذه الأعمال لتدمغ بنفسها تلك الأقوال، ولو شاءت البصائر لأوقفت كلّ سفيه عند حدّه، ولسقته من الردّ حميما وغساقا…».

(البصائر العدد 45 السنة الاولى من السلسلة الثانية 2 أوت 1948).

  «كتبنا في البصائر تلك الكلمات المتتالية عن فلسطين، وبينا فيها لإخواننا في الشرق العربي أنّ في بني عمّهم أقلاما، وقد أحدثت تلك المقالات أثرها وعرفوا قيمتها، وتناقلتها الجرائد والمجلات، وناهيك بمجلّة الرسالة، فقد نقلت منها مقالة عن الأنجليز، وكتب إلينا طائفة من أدباء الشرق ومفكرّيه يثنون ويعجبون، كتب إلينا كاتب من النجف، وآخر من الموصل، وثالث من طرابلس الشام، ورابع من جبل عامل، وخمسة من فلسطين، وجماعة من مصر، وكاتبان من ليبيا، رسائل كلها إعجاب وثناء مستطاب، وقال الأستاذ فائز الصائغ أستاذ الفلسفة بالجامعة الأمريكية ببيروت حين قرأ مقالة: يافلسطين في العدد الخامس من البصائر ما معناه: إنه لم يكتب مثلها من يوم جرت الأقلام في قضية فلسطين…».

(البصائر العدد 52 السنة الثانية من السلسلة الثانية 11 أكتوبر 1948).

  «والبصائر حين تضع تلك الشارة الثمينة على صدرها، بل ذلك التاج اللامع على رأسها وهو كلمتا العروبة والإسلام، لا تضعها رمزا بلا حقيقة، ولا عنوانا بلا كتاب، ولا حلية على عجوز، بل هي حقيقة صادقة، ومزنة وادقة، وأعمال مبرورة للعروبة والإسلام، لا تزيّد فيها ولا مبالغة، فالبصائر هي مجلى البيان العربي بهذا القطر، وهي حارسة الهدى المحمدي بهذا القطر، وهي المؤتمنة على الفضائل الشرقية بهذا الوطن، في وقت أجلب فيه الاستعمار بخيله ورجله على هذه الثلاثة، ينتقصها ليزهد فيها، وينقصها ليزيد فيها، تمالئه على ذلك نزعتان خبيثتان، كلاهما من غرس يده: نزعة الإلحاد التي هي شرّ ما نسلت الحضارة الغربية، ومن آثارها قطع الصلة بيننا وبين الشرق وروحانيته، ونزعة أخرى: تلبس باسم الشرق العربي، وتأكل الخبز باسمه = زخرف القول غرورا، ولكنّها لا تعمل ما يرضيه، ولا تبني ما يعليه…».

(البصائر العدد 46 السنة الثانية من السلسلة الثانية 23 أوت 1948).

ويضطر الإبراهيمي لأسباب قاهرة إلى التوقّف عن كتابة افتتاحيتها فتنثال عليه رسائل اللوم والعتاب، فيقول:

  «… ويعزّ عليّ- أكثر من ذلك- أن أتلقّى سهام العتب من قرّاء البصائر في الشرق والغرب على هذا الهجر الطويل، فلقد لقيت في مطار القاهرة قبيل رمضان الماضي أخوين فاضلين من شيوخ جامع الزيتونة متوجّهين إلى المدينة المنوّرة وكانا لا يعرفانني إلّا من طريق قراءة البصائر، ففرحا بلقائي وفرحت بلقائهما، وما كاد ينتهي تنازع التحيّة بيننا حتّى وجّها لي العتاب الشديد على حرمان القرّاء من مقالاتي في البصائر، ووصفاها بما هما من أهله من كرم النفس، ورجعت من المطار إلى القاهرة، فتلقّيت في بريد ذلك اليوم عدّة رسائل تنعى عليّ هذا الهجر، وهي في ذلك بين مخفّف ومشدّد، ثم تلقّيت في الأسبوع الأوّل من رمضان عدّة رسائل لم تخل واحدة منها من عتاب…ثمّ سافرت سابع رمضان إلى بيروت، وسمر حولي جماعة من الأصدقاء فكدّروا عليّ صفو السمر بالعتاب، وسافرت بعد يومين إلى دمشق فسمعت العتاب المرّ من جماعة من الأصحاب، ثمّ وردت بغداد في صبح يوم ثالثة، فلقيني بعض المستقبلين وفي يده العددان الأخيران من البصائر، وكنت لم أرهما، ووجّه إلي- على خلاف عادته- أقسى ما سمعته من اللوم بأسلوب شعري…وقد كان هذا كلّه في أسبوعين، وكأنّ القوم كانوا فيه على تواطؤ مع تباعد الديار، فقلت: أتواصوا به؟ أم هو قوم مخلصون؟».

(البصائر العدد 278 السنة السابعة من السلسلة الثانية 9جويلية 1954).

  «لم تصب البصائر في جميع عهودها بأزمة مالية كالتي وقعت فيها هذه السنة، ولم تعان من الضيق المادّي ما عانت في هذه السنة، وقد تعفّفت عن المطاعم المشتبهة والموارد الكدرة، ولو أغضت قليلا وترخّصت لكانت أغنى جريدة في هذا الشمال، فقد عرضت عليها مئات الآلاف ثمنا للإعلان عن شيء تسعه الإباحة ويضيق به المبدأ، فآثرت المحافظة على المبدأ، وعرض عليها مليونان في السنة ثمنا للإعلان عن سلعة تتجاذبها جوانب، منها المريب، فأعرضت عنها ترفّعا، وعرض عليها نصف مليون ثمنا لفتيا، فرأت أن هذا المال هو جزء من آلاف الأجزاء مما يؤخذ من الأمة الإسلامية الجزائرية بهذه الفتوى، فأعرضت عنها، وإنّ صغار النفوس من الفقهاء ليبيعون مثل هذه الفتوى ببضعة آلاف من الفرنكات».

(البصائر العدد 136 السنة الرابعة من السلسلة الثانية 8 جانفي 1951).

  «وكان من أمانيها أن تخلع القديم من الأشكال والمواضيع، وتفتح أبوابا، فتحها ضروري لتطور الحركة العلمية، ولتغيّر الأوضاع العامّة في الجزائر وغيرها، وأن تطوف على صنوف القراء بصنوف الرغائب، فيجد كل صنف منهم فيها ما يرضي نزعته ويروي غلته، ولكن يحول بينها وبين هذه الغاية فقد الأعوان وتزاحم الشواغل…إن السنوات مراحل إلى غاية تقطعها الكائنات الحية الدائبة، وفيها السهول، وفيها الحزون، وفيها الشغاف، وفيها الشعاب، وفيها من مشابه البر الفجاج، وفيها من خصائص البحر الأمواج، والحازم من يقدر ذلك، ولا يثنيه عن غايته شيء من ذلك، وكذلك كانت البصائر وكذلك تكون إن شاء الله».

(البصائر العدد 181 السنة الخامسة من السلسلة الثانية).

  «إنّ هذه النماذج المشرقة التي اشتملت عليها عيون البصائر لهي من الأدب العالي الذي يلزم أن يكون مما تشتمل عليه النماذج الأدبيّة في كتب النصوص المدرسية، وليس هذا الأدب إقليميا، يتصل بالجزائر وحدها، بل إنه ليمثّل الأدب العربيّ العالي نصاعة، ديباجة وشرف أسلوب، وسموّ معان وأهداف، ومن عجب أنّ هذه النماذج لم تنل من عناية الدارسين ما تستحقه من البحث والدرس، وأنها لا تحضر في أيّ كتاب مدرسيّ، بحيث يتهيّأ للطلاب أن يروا أنّ اللغة العالية شيء يشتمل على عناصر الجمال ولا يجور على الفكرة العالية، وربما كان من لوازم الأفكار العالية أن يتهيّأ لها في اللغة القدر البليغ لتحقّق الغاية».

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق