قضايا الأمـــة

تقزيم التربية الإسلامية والتاريخ.. هل من هبّة قوية لفعاليات المجتمع؟ بقلم أ.حسين لقرع

لقرع حسين أ. بقلم: حسين لقرع

   أظهر الجدول الذي أعدّته وزارة التربية حول توزيع الحجم الساعي لمختلف المواد الدراسية في الموسم الدراسي المقبل، أن وزارة بن غبريط قد تحيّزت بشكل صارخ للغة الفرنسية ولم ترض بمكانة لها أقلّ من مكانة اللغة العربية، في حين همّشت اللغة الإنجليزية والتربية الإسلامية والتاريخ، ما يؤكد المخاوف التي أثيرت منذ تولّي هذه الوزيرة قطاع التربية، من أنها ستهمِّش المواد المتعلقة بالهوية الوطنية وتمنح للفرنسية مكانة لم تعد تستحقها في عالم تهيمن عليه الانجليزية.

     منحت وزارة بن غبريط 4 ساعات ونصف ساعة لتدريس الفرنسية أسبوعيا في السنوات الأربع الخاصة بالتعليم المتوسط، وهي المدة نفسها الممنوحة للعربية في عقر دارها، ما يعني ببساطة ووضوح شديدين أن الوزيرة تساوي تماماً بين العربية والفرنسية، برغم أن الفرنسية هي مجرد لغة أجنبية، والعربية هي اللغة الوطنية والرسمية بموجب المادة الثالثة من الدستور، وكان يجب أن تحظى بمكانة خاصة كما تحظى الفرنسية في فرنسا على حساب مختلف لغات العالم، فكيف يستويان إذا لم يكن الأمر يتعلق بتوجّهٍ فرنكفوني مقيت يحاول الحفاظ على مكانة اللغة الفرنسية في الجزائر بشتى الوسائل، والاستمرار في فرضها على الشعب، وتجاهل كل المستجدات الحاصلة في العالم والمتعلقة بهيمنة الإنجليزية التي أضحت منذ سنوات عديدة تحتلّ بلا منازع المرتبة الأولى عالميا كلغة علم وبحث وتطوّر مقابل انحسار متزايد للفرنسية حتى في عقر ديارها؟!

   هذه الحقيقة الناصعة لم تعُد خافية عن أحد، فهي معروفة منذ سنوات، وهناك توجّهٌ عام لدى الجزائريين إلى تفضيل الإنجليزية على الفرنسية كلغة علم وتواصل أيضاً عبر مختلف وسائل الاتصال الحديثة، ويتجسّد هذا الاهتمام في حجم الإقبال على دراسة الانجليزية في إطار دروس تقوية المستوى، وكذا اقتناء الكتب التي تعلّم الانجليزية على حساب الفرنسية التي يتراجع الاهتمام بها لدى الجزائريين من سنة إلى أخرى.. ورغم كل هذه الحقائق الواضحة وضوح الشمس، إلا أن الأقلية الفرنكفونية المتغلغلة في مختلف دواليب الحكم، لا تريد أن تراها، ولا تزال تسعى إلى التمكين للفرنسية في الجزائر بكل الوسائل المتاحة، وفرضها على الأجيال رغماً عنها، وإبعاد الانجليزية عن منافستها، وآخر الأدلة على ذلك منح وزارة بن غبريط لها حجما ساعيا لا تستحقه ومساواتها باللغة الوطنية والرسمية للجزائريين، لتصبح بذلك الفرنسية لغة وطنية ورسمية أخرى، وإن لم تُدرَج في الدستور؛ فلا حاجة لها بذلك ما دام أنصارُها الأوفياء يعملون على التمكين لها في الواقع بشتى الطرق وعلى حساب العربية “المدستَرة” نفسها.

   ومقابل الاستمرار في التمكين للفرنسية على حساب الانجليزية، وفرض الأمر الواقع على الجزائريين رغما عنهم، فقد كشف التيار الفرنكفوني المتغلغل في وزارة التربية مدى معاداته لمواد الهوية الوطنية، من خلال تقزيم مادتي التربية الإسلامية والتاريخ، وعدم منحهما أكثر من ساعة واحدة أسبوعياً، ومن السنة الأولى إلى الرابعة متوسط، لينتقل التلاميذ بعدها إلى الثانوي وهم يجهلون الكثير عن أمور دينهم وتاريخ بلدهم؛ فالواضح أن ساعة واحدة أسبوعياً لا تكفي ليكتسب التلاميذ الكثير من المعلومات والمعارف عن دينهم ولا عن تاريخهم، ولا يتلقون منهما إلا النزر اليسير جدا، أليس هذا دليلاً على أن هناك إرادة لتجهيل الأجيال الجديدة بدينهم وتاريخهم لأغراض في نفوس “اليعاقيب” الفرنكفونيين؟

   نريد أن نفهم كيف يمكن أن نُشبع حاجة التلميذ إلى معلومات كافية عن أساسيات دينه في ساعةٍ واحدة أسبوعيا؟ وكيف يمكن في ظل هذا التهميش الفظيع للتربية الإسلامية أن نبعده عن البحث عن مصادر أخرى لتعلّم دينه ومن ثمة الوقوع بين مخالب التشدد والغلوّ؟ هل يعقل أن نحارب التطرف وندعو إلى الوسطية والاعتدال ونملأ الساحة ضجيجاً منذ عقود ونتّهم المدرسة ظلماً بـ”تفريخ الإرهاب والتطرف”، وفي الوقت نفسه نقزّم التربية الإسلامية في المرحلة المتوسطية، وهي مرحلة حسّاسة في تكوين المراهقين، ولا نمنحهم سوى ساعة واحدة أسبوعيا ليتعلموا الوسطية والاعتدال؟ أهذا تفكيرٌ منطقي؟

   لو كان القوم يعقلون لضاعفوا من ساعات التربية الإسلامية في مختلف سنوات التعليم المتوسط، فلا تنزل عن أربع أو ثلاث على الأقل، حتى يتمّ تلقين التلاميذ معنى الإسلام الوسطي القائم على التسامح والرحمة والتعايش والذي ينبذ الشطط والغلوّ والعنف… ولكن يبدو أن مشكلتهم هي عدم قدرتهم على التعايش مع ثوابت الشعب وقيمه ولذلك يعادونها باسم “مكافحة التطرّف”، ثم يتخذون قراراتٍ أخرى تغذي هذا التطرّف والغلو وهم يعتقدون أنهم يحاربونه.

   إن ما يحصل اليوم في قطاع التربية يستدعي تدخّل كل الفاعلين في القطاع من أساتذة وأولياء تلاميذ وخبراء تربويين لإيقاف المهزلة قبل فوات الأوان، كما يستدعي تحرّك مختلف فعاليات المجتمع من أحزابٍ وجمعيات ومنظمات مجتمع مدني للتنديد بالمؤامرة على مواد الهوية الوطنية، تماماً مثلما فعلوا حينما قام “خبراء تربية” مشبوهون في أواخر جويلية الماضي بـ”اقتراح” تدريس العامية بدل الفصحى لتلاميذ الابتدائي، فلقد كانت هبّة فعاليات المجتمع قوية آنذاك واستطاعت إيقاف المهزلة ودفع رئيس الحكومة إلى إعلان رفض “الاقتراح”، ونأمل اليوم أن تنتفض هذه الفعاليات في هبّة أخرى للتنديد بما يحدث في قطاع التربية والمطالبة بإعادة الاعتبار لمواد الهوية الوطنية وتعزيز تدريس الانجليزية كلغةٍ أجنبية أولى، فذلك وحده هو الكفيل بوضع حد للمؤامرة قبل تنفيذها.

أمرٌ أخير: إلى متى تبقى هذه الوزيرة تحارب عناصر الهوية الوطنية في المدرسة الجزائرية دون أن تجد  من ينبري لها ويطالب برحيلها؟

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق