تحاليل وآراءقضايا الأمـــة

متى نخرج من مرض تهميش الكفاءات؟ بقلم أ. عبد المجيد عبدوس

عبدوس أ. عبد المجيد عبدوس

  كان رحيل الزعيم التاريخي حسين آيت أحمد في 23 ديسمبر 2015 فاجعة وطنية، فحتى قبل أن يعود جثمانه من المنفى في سويسرا، عم الوطن حزن شعبي حقيقي على فقدان المجاهد القائد في ثورة التحرير، والمناضل السياسي الصادق والشجاع.

  يسجل التاريخ أن المجاهد حسين آيت أحمد، قاد أول تنظيم عسكري سياسي لتحضير الإطارات العسكرية للثورة، فبعد خمود شرارة المقاومة الشعبية المسلحة في الجزائر، أنشئت المنظمة الخاصة (o.s)  لتدريب الشبان الجزائريين على استعمال السلاح لطرد المحتل الفرنسي من الجزائر، وتولى حسين آيت أحمد قيادتها من سنة 1947 إلى سنة 1949.

  على غرار العديد من زعماء الجزائر ينحدر حسين آيت أحمد من الريف الذي يشكل حصنا للقيم الوطنية، والأصالة الحضارية، فهو من قرية آث أحمد بمنطقة عين الحمام بولاية تيزي وزو، موطن جده الشيخ محند الحسين أحد رجال الدين المعروفين، أدخل كتاب القرية لحفظ القرآن الكريم وعمره أربع سنوات. ويعتبر حسين آيت أحمد زعيم ومؤسس أول حزب جزائري معارض بعد استرجاع الاستقلال من السياسيين المثقفين، فهو حائز على شهادة دكتوراه في العلوم السياسية، وظل مؤمنا بمبادئه الديمقراطية حتى آخر لحظة في حياته.

  لقد شكل ظهور نتائج أول انتخابات برلمانية تعددية وشفافة في نهاية 1991 عقب صدور الدستور الذي رسم التعددية السياسية، امتحانا حقيقيا لقناعات النخب التي كانت ترفع شعارات الديمقراطية وتنادي بالاحتكام لمنطق الصندوق، ولكن بمجرد ظهور نتائج الدور الأول من الانتخابات التشريعية، وخروج معظم تلك النخب السياسية من الاستحقاق الانتخابي خالية الوفاض، انقلبت على الديمقراطية، وشتمت الناخبين، وطالبت بإيقاف المسار الانتخابي والعودة إلى حكم العصب وتدوير الحكم بينها خارج الإرادة الشعبية، وكان الراحل حسين آيت أحمد من تلك الصفوة الديمقراطية القليلة التي لم تمرغ جبين النضال الديمقراطي في وحل العار والخديعة، فقد وقف بشموخ وثقة في النفس، ليعبر عن عزمه على معارضة منافسه السياسي حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ، فقاد مظاهرة حاشدة بعد انتصار “الفيس”، تحت شعار: «لا لدولة أصولية ولا لدولة بوليسية» وذلك من أجل  تطمين الديمقراطيين الحقيقيين على بقاء القطب الديمقراطي كقوة سياسية ذات حضور شعبي، ولكنه اعترف بالفوز الانتخابي لمنافسه في التشريعيات وقال في تصريح لمن كانوا يدفعونه للتنكر لنتائج الانتخابات: “لقد شاركوا في الانتخابات واختارهم الشعب عبر الاقتراع، دعهم يقدمون ما لديهم خلال عهدتهم إن نجحوا استمروا وإن فشلوا تركوا المجال لغيرهم، المهم أنهم اختيار الشعب ولم يفرضوا عليه فرضا” وعندما كانت الجزائر تغوص في وحل العنف، وتندفع في منزلق التدمير الذاتي بوتيرة جنونية، في منتصف تسعينيات القرن الماضي شعر الرجل من منطلق مسؤولياته التاريخية وضميره الوطني باعتباره أحد آباء ثورة التحرير ومن صانعي الاستقلال الوطني أن يشارك في مبادرة  إيجاد مخرج لمنطق الاقتتال ومحاولة جمع فرقاء الأزمة في ديناميكية سلمية لتحقيق المصالحة الوطنية، فكان من الموقعين على عقد روما (جانفي 1995).

  وإذا كان شعور فئات الشعب الجزائري بمختلف طبقاتهم الاجتماعية، وجهاتهم الجغرافية، وانتماءاتهم السياسية بفداحة الخسارة التي لحقت بالجزائر من جراء فقدان حسين آيت أحمد رجل المبادئ الناصعة والوطنية الصادقة، قد تجلى في متابعتهم المهتمة للتغطية الإعلامية المكثفة لكل ما تعلق برحيل فقيد الجزائر، ومراسيم جنازته ومكان دفنه، وكذلك في تعليقاتهم الملتاعة حول الحدث التي تعطي الانطباع بأن الفقيد كان فردا من أفراد عائلاتهم الخاصة، فإن رجال السلطة والمسؤولين في البلاد لم يبخلوا بدورهم  بعبارات الثناء والتقدير والإشادة بخصال الفقيد.

  فقد وصف رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة الفقيد حسين آيت أحمد في برقية تعزية إلى أفراد أسرته بأنه “قامة تاريخية بأبعاد إنسانية وسياسية أخذت لها مكانا واسعا في تاريخ النضال الجزائري، بل في تاريخ كل حركات التحرر والانعتاق من ربقة الاستعمار في العالم”.

  وجاء في برقية رئيس الجمهورية “لقد شاءت إرادة الله أن يرحل عنا المناضل التاريخي العظيم والزعيم الوطني الصرف، المغفور له وفقيد الجزائر الفذ الحسين آيت أحمد، عطر المولى تربه وأكرم مثواه بعد نضال طويل ومرير في مقارعة الاستعمار داخل الوطن وخارجه”.

  وأنه: “كان مخلصا لوطنه، حريصا على وحدة أمته، جريئا في مواقفه، وفيا لمبادئه، لطيفا في تعامله بناء في انتقاداته، شريفا في معارضته لبعض المسؤولين الذين كثير ما اختلف معهم في نمط الحكم وأسلوب التسيير، لا يساوم ولا يهادن في قضايا وطنه  التي آمن بعدالتها وكافح من أجلها سحابة عمره”.

  أما أحمد أويحي، مدير ديوان الرئاسة والأمين العام بالنيابة لحزب التجمع الوطني الديمقراطي فقد اعتبر الراحل حسين آيت أحمد بأنه: “رمز وزعيم من زعماء الثورة التحررية”، وأن الجزائر “فقدت قائدا، وهو مسؤول سياسي في الجزائر، دخل في الكفاح السياسي من أجل الحرية والديمقراطية..كان يفرق بين الصراع المشروع كمناضل والجزائر”.

  ومن جهته قال عمار سعداني الأمين العام  لحزب جبهة التحرير الوطني: “فقدنا في حسين آيت أحمد شخصا عزيزا هيأه حبه للوطن وخصاله الإنسانية لخدمة البلاد كما لم يقم بذلك سوى الأبطال الأسطوريون لثورتنا العظمية… يجب على مسيرته في الشرف والمثالية وما يجسده اليوم كرمز في الضمير الجمعي الوطني، أن تستمر في إلهام الأجيال الحالية والمستقبلية من المناضلين والسياسيين، مهما كانت حساسياتهم الحزبية”.

  ولكن هل يمكن أن ننسى أن هؤلاء المسؤولين الذين أغدقوا اليوم عبارات الإطراء والإشادة بالفقيد يوجد من بينهم من كان مسؤولا على تهميش آيت أحمد بالأمس ومنهم من بسطوا فيه ألسنتهم بالسوء ووصفوه حتى بالخيانة.

  لنتصور في هذا السياق، إيمانا بأن الدوام لله سبحانه وتعالى، وتصديقا لقوله عز وجل [كل نفس ذائقة الموت]، لو أننا فجعنا في قابل الأيام برحيل أحد أبناء الجزائر من أصحاب القامات التاريخية، ولنفترض أن الأمر تعلق-على سبيل المثال-  بالدكتور أحمد طالب الإبراهيمي الذي نتمنى له طول العمر وموفور العافية، وهو سليل العائلة الشريفة والمناضل منذ ربيع شبابه من أجل استقلال الجزائر وضمان عزتها، ألا نسمع عبارات النعي المتحسر والإشادة والتأسف على فداحة الخسارة التي لحقت بالجزائر؟!

  لقد تعمدت  ذكر الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي في هذا الافتراض المفجع، لأنه من الشخصيات الوطنية المرموقة التي ما زالت إلى يومنا هذا تتعرض للتهميش، فقد منع حتى من تأسيس حزب سياسي يمكنه في الإطار الشرعي والدستوري، من تقديم مساهمته في النهوض بالجزائر واقتراح الحلول التي تخدم الشعب.

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق