بحوث و دراسات

بدايات الصحافة العربية في فرنسا بقلم أد مولود عويمر

 

عويمر مولود أ.د مولود عويمر

  كانت فرنسا أول دولة أوروبية تصدر بها جريدة عربية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر؛ واستمرت صدور الصحافة العربية في هذه البلاد إلى يومنا الحاضر.

  ونحن نسعى في هذا المقال إلى دراسة بداية هذه التجربة الثقافية العريقة من خلال الإجابة عن الأسئلة التالية: ما هي أسماء أهم هذه الصحف العربية في القرن التاسع عشر؟ من هم روادها؟ ما هي أهم المناطق الفرنسية التي انتشرت فيها؟ كيف تعاملت معها الحكومة الفرنسية؟ ما هي المحاور الكبرى التي اهتمت بها؟ وما هي أصداؤها في العالم العربي؟

خلفيات الهجرة

يجب أن نذكر أولا أن الهجرة كانت هجرة الصحفيين، والمثقفين لا الصحف باستثناء صحيفة أبو نظارة زرقاء التي ظهرت من قبل في مصر؛ ثم انتقل بها صاحبها يعقوب صنوع إلى فرنسا؛ في أغسطس 1878. وعن الأسباب التي دفعت الصحفيين العرب إلى الهجرة إلى فرنسا فقد حصرها المؤرخون في النقطتين التاليتين:

 1-سعت فرنسا إلى مد نفوذها إلى العالم العربي؛ في وقت كانت تتنافس فيه القوى الاستعمارية الكبرى كبريطانيا وإيطاليا وروسيا بشدة على تقسيم المناطق التي كانت تحت حكم الرجل المريض ( الدولة العثمانية)؛ فكانت فرنسا تطمع في الشام والمغرب وتونس بعد أن استعمرت الجزائر عام 1830.

  كما سنرى في السطور اللاحقة، أن فرنسا سمحت للعرب المهاجرين بتأسيس صحف عربية التي ترى فيها دعما لتحقيق أهدافها السابقة، فدعمت بعضها بالمال خاصة وأن الصحف التي أنشأتها داخل بعض الأقطار العربية تتعرض لكثير من المضايقات. وأسست أيضا الحكومة الفرنسية جريدة عربية في باريس للدعاية لها وتحسين صورتها في العالم العربي.

2- توفر فرنسا على قدر كبير من حرية التعبير، وكانت الرقابة على الصحفيين قليلة عكس ما كان يتعرض له المثقفون والصحفيون العرب تحت سيادة الدولة العثمانية خاصة في الشام، فهاجروا إلى فرنسا للتعبير عن آرائهم ومواقفهم من خلال الصحف التي أسسوها أو ساهموا فيها بأقلامهم.

الصحف العربية في فرنسا وروادها

  تعتبر “برجيس باريس” أول جريدة عربية صدرت في فرنسا، وقد أصدرها رشيد الدحداح اللبناني في 24 يونيو 1858 بباريس، وكان يديرها الراهب الأب فرنسيس بورغار، واستمرت 4 سنوات إلى أن التحق رشيد الدحداح بباي تونس محمد الصادق الذي عرض عليه العمل إلى جانبه.

  وكانت هذه التجربة ناجحة شكلا ومضمونا، فهي «من أكبر الصحف العربية من حيث ضخامة حجمها وجودة حروفها وإتقان طبعها واتساع مواضيعها، وذاعت شهرتها».

  لقد كانت “عطارد” ثاني صحيفة عربية صدرت في فرنسا، وأول جريدة ظهرت في الأقاليم بعيدا عن العاصمة الفرنسية. وقد أنشأها المستشرق الفرنسي منصور كرلتي في مرسيليا في 9 أكتوبر 1858. وتعتبر سنة 1880 العام الذي عرف صدور عدد كبير من الصحف العربية (الحقوق، الاتحاد، أبو صفارة، أبو زمارة، الرجاء، الأنباء).

  وكان أغلب المؤسسين من مسيحيي الشام (لبنان وسوريا) وتونسيين وبعض المثقفين الفرنسيين الذين أسسوا مباشرة صحفا عربية كالمستشرق منصور كرلتي عضو الجمعية السورية العلمية الذي أصدر صحيفة “عطارد” بمدينة مرسيليا، أو بشكل غير مباشر بدعم العناوين العربية، كالسيد بوردين صاحب مطبعة اللغات الشرقية الذي ساند منصور جاماتي محرر مجلة “الشهرة“.

  لقد كان جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده من أشهر رواد الصحافة العربية المهاجرة في فرنسا. وكان يعقوب صنوع أكثر من ساهم في ظهور قسم كبير من الصحف العربية بإصداره 9 صحف ما بين 1877 و1899. وهذه هي عناوينها: “رحلة أبي نظارة زرقاء”، “أبو نظارة زرقاء”، “أبو صفارة”، “أبو زمارة”، “الحاوي”، “الوطني المصري”، “الثرثارة المصرية”، “التودد”، “المنصف”.

  وأذكر هنا أيضا أسماء بعض هؤلاء الرواد: خليل غانم، وإبراهيم المويلحي، وأديب إسحاق، وعبد الله مراش، والأمير أمين أرسلان، وأنطون فارس، ومنصور جاماتي، وجبرائيل دلال، وميخائيل عورا، وسليم قويطهو، وفضل الله دباس.

التصنيف الزمني والموضوعي

  تختلف الصحف من حيث المدة الزمنية؛ ف “برجيس باريس” و”الشهرة” تصدران مرة كل نصف شهر، بينما كانت “الصدى” و”أبو نظارة زرقاء” و”الاتحاد” و”الحقوق” و”البصير” و”العروة الوثقى” و”الشمس” صحفا أسبوعية. وكانت “مصر القاهرة” المجلة الوحيدة، وهي دورية شهرية. وقد عمرت جريدة “برجيس باريس” أكثر من غيرها حيث دام صدورها خمسة أعوام.

  كما عرفت معظم هذه الصحف فترات مالية صعبة وإنقطاعات في الصدور، وكانت تزول بزوال مؤسسيها أو غيابهم، فقد توقفت “عطارد” بعد شهرين من إصدارها ثم صدرت من جديد في باريس لفترة قصيرة، ثم تعطلت تماما بعد هجرة صاحبها إلى تونس. وتوقفت صحيفة “البصير” لمدة 3 أسابيع، بسبب مرض المشرف عليها.

  وتصدر الصحف الأسبوعية يوم الخميس، وتحتوي معظمها على صفحات قليلة (من 4 إلى 8 صفحات)، وتصدر غالبيتها باللغة العربية، وبعضها تحتوي على صفحات بالفرنسية (أبو نظارة زرقاء)، وأخرى تتضمن مقالات بالعبرية (الشمس). وأخرج يعقوب صنوع جريدة الثرثارة المصرية بثماني لغات.

  ويمكن أن نقسم هذه الصحف من حيث الموضوع إلى ثلاثة أصناف رئيسية:

 1- صحف وطنية وسياسية: العروى الوثقى، مصر القاهرة، أبو نظارة زرقاء، الاتحاد، الأنباء، الرجاء، الشمس، كشف الظنون. وكانت أهم الانتقادات التي جاءت فيها موجهة للحكومة البريطانية والخلافة العثمانية خاصة الخليفة عبد الحميد الثاني. وأصدر أديب إسحاق في عام 1879 جريدة مصر القاهرة للدعاية للحزب الوطني المصري. وأسس إبراهيم المويلحي ثلاث جرائد متتالية لمناصرة الخديوي إسماعيل المخلوع.

2- صحف تابعة للحكومة الفرنسية أو القريبة منها: الصدى التي كانت الناطقة باسم الحكومة الفرنسية والبصير المدعمة من طرف رئيس الوزراء غامبتا (Gambetta) الذي خصص لها 2000 فرنك شهريا لتسديد نفقاتها. ودافعت أيضا كوكب المشرق والمشترى عن المصالح الفرنسية في العالم العربي.

3- صحف ثقافية وعلمية: كانت برجيس باريس والشمس تحتويان على مواضع أدبية مختلفة وتنشر الشهرة مقالات علمية، وتتابع آخر التطورات في مجال الاختراعات والاكتشافات بالإضافة إلى المقالات الأدبية.

  ولاشك أن الصحف السياسية تحتوي على مواضيع ثقافية كما نجد في الصحافة الثقافية أخبارا سياسية.

  وتستمد الصحافة العربية شكلها وتستوحي أخبارها وتقتبس بعض مقالاتها من الصحافة الفرنسية، فـ “الشهرة” كانت تشبه كثيرا مجلةL’illustration  التي تعتبر أما لمجلة Paris-Match الزاخرة بالتحقيقات المصوّرة.

  ولم يعتبر أصحاب الصحف العربية الصحافة الفرنسية منافسة لهم، وخاصة أن بعضهم يكتبون في الجرائد الفرنسية الكبرى، ويملكون علاقات قوية مع الصحافيين الفرنسيين.

التوزيع الجغرافي للصحف ومصادر تمويلها

  تصدر معظم الصحف العربية في العاصمة الفرنسية باريس، وتأتي بعدها مرسيليا ثم تليها أنجي (Angers). ولا ندري بالضبط لماذا اختار منصور جاماتي هذه المدينة الصغيرة والبعيدة عن الحراك الثقافي والسياسي الباريسي ليصدر مجلته “الشهرة“؟

  ولم تعرف المدن الفرنسية الكبرى الأخرى صدور صحف عربية إلا بعد الحرب العالمية الأولى حيث صدرت جريدة “عامل النقل في العالم” في مدينة بوردو عام 1926. وهي كما يوحي عنوانها صحيفة نقابية تدافع على وجه الخصوص عن حقوق العمال الذين يشتغلون في ميناء بوردو الكبير.

  وانتقلت “عطارد” من مرسيليا إلى باريس، وأسسّ رشيد الدحداح جريدة “المشترى” في باريس، واستمرت “الشهرة” سنة واحدة في أنجي؛ ثم توقفت بسبب استقرار صاحبها في باريس. وهذا ما يبيّن أن باريس تبقى المدينة التي استقطبت المثقفين والصحافيين العرب الأوائل، وكل تجربة صحفية خارج العاصمة الفرنسية كانت ظرفية وقصيرة على الرغم من نجاح بعضها كجريدة “الشهرة“.

  وتختلف المصادر المالية للصحف العربية؛ فمنها من تحصل مباشرة على مساعدات من الحكومة الفرنسية كما ذكرنا سابقا؛ ومنها من تقوم على تمويل الجمعية التي أنشأتها كجريدة “العروة الوثقى” التي تحصل على مواردها من اشتراكات وتبرعات أعضاء جمعية العروة الوثقى التي أسسَّها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، والمنتشرة عبر العالم الإسلامي.

  كما لا يتأخر بعض الأمراء العرب الذين يتنافسون على الملك داخليا أو بحثا على الاستقلال عن الدولة العثمانية من إنشاء أو دعم صحف تخدم مصالحهم أو تدافع عن مواقفهم السياسية، ورؤاهم لمستقبل الحكم في العالم العربي.

أصداء الصحف في العالم العربي

  يقاس نجاح الصحيفة بمدى تجاوب القراء معها وإقبالهم عليها ومطالعتها وتوسع رقعة رواجها، وتنوع ردود الأفعال عما تنشره. فهل تحققت هذه المواصفات في الجرائد التي نحن بصدد دراستها؟

  نملك معلومات أكثر عن صحيفة “العروة الوثقى” و”أبي نظارة زرقاء”. ذكرت الباحثة هوما باكدمان أن جريدة العروة الوثقى تصل إلى أكثر من 800 قارئ في العالم الإسلامي وتوزع على هذا الشكل:

مصر (551 ) نسخة، لبنان (114)، تركيا (88)، سوريا (23 )، المغرب العربي (31)، العراق (7)، مكة المكرمة (5)، المدينة المنورة (2). وتصل الصحيفة إلى الهند كما أشارت إلى ذلك الجريدة نفسها.

  وهذه الشهادة لأحد رواد مدارس جمعية العلماء الجزائريين تكشف عن صدى “العروة الوثقى” في الجزائر رغم مرور عدة سنوات على توقفها: ” كان الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله يقرئ لطلابه سيرة جمال الدين وفصول العروة الوثقى التي جعلها في برامج دروسه للطلبة. ولما كان رواج هذا الكتاب ممنوعا فقد كان يحتاط ألا يحضر هذا الدرس سوى الطلبة و يوصيهم بالكتمان (…) وكانت هذه الدراسة تحدث في نفوس الطلاب ما كانت تحدثه فصولها يوم كانت تنشر غضة طرية.”

  وقد بلغت “أبو نظارة زرقاء” 6 آلاف نسخة، وأحيانا 15 ألف. وهذه الأرقام، وإن صحت، تعبرّ عن رواجها؛ فهي جريدة هزلية وناقدة سياسية تستعمل كثيرا اللغة العامية. وذاعت شهرة برجيس باريس “وأقبل الأدباء العرب على الاشتراك بها من جميع الأقطار العربية.” وتصل جريدة “البصير” إلى المغرب، والجزائر، وتونس، ومصر، ولبنان، وسوريا.

  لقد كانت معظم الصحف السياسية تدخل خفية إلى الدول العربية بسبب معارضة الخلفاء العثمانيين، والأمراء العرب الذين سعوا إلى إيقاف الجرائد التي تهاجمهم. لقد نجح السفير التركي بباريس في إقناع الحكومة الفرنسية على طرد إبراهيم المويلحي صاحب “الاتحاد” و”الأنباء” و”الرجاء”، وهي صحف مهاجمة للسلطان عبد الحميد الثاني، ومعارضة لسياسته.

  وعمدت أيضا الحكومة العثمانية إلى إصدار جريدة عربية موالية لها بباريس على يد الأمير أمين أرسلان، وسماها “كشف الظنون” للرد على الصحف العربية التي تطعن في الخلافة العثمانية.

  واستجابت الحكومة الفرنسية لطلب الحكومة البريطانية فحجزت نسخا من “العروى الوثقى” الموجّهة عن طريق البريد في اتجاه العالم الإسلامي. ثم أوقفت تماما الجريدة بعد صدور عددها الثامن عشر.

  ونالت بعض الصحف العربية شهرة واسعة داخل العالم الإسلامي، واكتسب أصحابها خبرة واسعة، فاستعان بعض الأمراء العرب بتجربتهم الصحفية والسياسية والإدارية في مسارهم الإصلاحي. وهكذا، دعا الباي التونسي محمد الصادق بعض هؤلاء الرواد ليؤسسوا جرائد في تونس، فاستقدم من فرنسا رشيد الدحداح مؤسس جريدتي “برجيس باريس” و”المشترى”.

  واستعان كذلك بالمستشرق الفرنسي منصور كرلتي صاحب جريدة “عطارد” للإشراف على صحيفة “الرائد التونسي”، الناطقة باسم الحكومة التونسية. واستدعى الصدر الأعظم خير الدين باشا محرر جريدة “الصدى”، الصحافي جبرائيل دلال، ليشرف على إصدار جريدة “السلام” بالقسطنطينية.

  وتبقى عدة أسئلة مفتوحة: لماذا أهمل كل الرحالة العرب الذين زاروا فرنسا في القرن التاسع عشر الحديث عن هذه الجرائد؟ فهل كان الشعور بالتفاوت والانبهار من الحضارة الغربية أعماهم عن هذه الجهود النهضوية العربية الرائدة؟ وكيف نفسر إهمال الدراسات الحديثة حول الرحلة العربية إلى أوروبا لهذه الصفحات المشرقة؟

  لقد نقل الصحفيون العرب المهاجرون معهم إلى فرنسا الصراعات القائمة في العالم الإسلامي؛ وتمكنت التيارات السياسية، والشخصيات الإصلاحية من التعبير عن آرائها وطموحاتها المستقبلية على صفحات الجرائد العربية الصادرة في فرنسا، فكانت هذه البلاد الأوروبية تمثل لغالبية هذه الصحف العربية جسرا لتمرير أفكارها في اتجاه العالم الإسلامي ومنبرا لمهاجمة الخلافة العثمانية، والاستعمار البريطاني متجنبا عموما الإشارة إلى الأطماع الفرنسية في العالم العربي!

  وإذا كانت العروة الوثقى أوسع الصحف العربية المهاجرة انتشارا؛ وحرصا على التوعية السياسية للمسلمين، فإن مجلة الشهرة كانت أكثرها اهتماما بالثقافة والعلوم، ودأبا على نشرها بين العرب، فكانت إذن كل واحدة من هاتين الجريدتين تسعى ليقظتهم من خلال جوانب مختلفة ومتكاملة.

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق