قضايا الأمـــة

خطر التدخل العسكري الأجنبي يداهم ليبيا بقلم أ.حسين لقرع

 

لقرع حسين أ.حسين لقرع

  لا يزال الوضع الأمني والسياسي في ليبيا يراوح مكانه بالرغم من توصّل أطراف الأزمة، وفي مقدمتها “فجر ليبيا” وجماعة حفتر، إلى عدة اتفاقيات بإشراف دولي، لوضع حد للأزمة وتشكيل حكومة وحدة وطنية يرأسها السرّاج، كمقدمة لتوحيد الفصائل المتناحرة في جيش واحد يتفرّغ لمحاربة “داعش”. لكن يبدو أن تعثّر الحل السلمي، جعل الغرب يفكر في التدخل العسكري ضد هذا التنظيم في ليبيا، قبل أن يتوسّع ويتمدّد إلى أراض أخرى ويشكل تهديدا خطيرا على دول المتوسط.

   تواترت أنباء كثيرة هذه الأيام عن قرب قيام عددٍ من الدول الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا، بتدخل عسكري جوي وبري في ليبيا بهدف محاربة تنظيم “داعش” قبل أن يتكرر في ليبيا ما حدث في العراق وسوريا؛ إذا تُرك الحبلُ على الغارب للتنظيم، وكانت بعضُ الدول الإقليمية والدولية ترى أنه يخدم أجندتها الرامية إلى إسقاط نظام بشار الأسد، فسكتت عن مرور آلاف المقاتلين إليه من مختلف دول العالم، وبعد أن اشتدّ عودُه، قام باكتساح الموصل في جوان 2014، وهيمن على مساحات واسعة في سوريا والعراق..ما جعل مهمّة القضاء عليه الآن عسيرة جدا بالرغم من تحالف أكثر من ستين بلداً ضده.

   وتريد دولُ الغرب أن تتفادى تكرار هذا السيناريو في ليبيا، لاسيما بعد أن قام تنظيم “داعش” بالسيطرة على عدّة مدن وبلدات مهمة في البلد، وفي مقدمتها سرت الساحلية، فضلاً عن سعيه إلى السيطرة على مناطق واسعة بالجنوب وكذا على “الهلال النفطي” للحصول على موارد مالية إضافية لتمويل نشاطاته ببيع النفط في السوق السوداء كما فعل مع حقول سوريا والعراق.

   من جهةٍ أخرى، تقدّر تقارير المخابرات الغربية عدد عناصر “داعش” في ليبيا بـنحو 5 آلاف عنصر، وهو عددٌ معتبَر، وبإمكانه بسط نفوذه على مساحاتٍ واسعة وإسقاط مدنٍ عدّة، وما يساعده على ذلك، هو الانقسام الحاصل في ليبيا وانشغال الطرفين الرئيسين للصراع وهما جماعة حفتر و”فجر ليبيا” بالتناحر المستمرّ بينهما، ما أضعف الطرفين، وترك المجال واسعاً لـ“داعش” لتوسيع مناطق نفوذها والهيمنة على سرت وتهديد حقول النفط. الأمر الذي أرعب دول جنوب المتوسط وباتت تخشى تدفق مقاتلي “داعش” على سواحلها بطريقة أو بأخرى، للقيام بعمليات دموية، ومنها التخفي وسط المهاجرين غير الشرعيين…

   ولتجنّب هذا السيناريو المرعب لدول كفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وغيرها من البلدان الأوربية القريبة من ليبيا، عملت هذه الدول وغيرُها على حمل طرفيْ الصراع في ليبيا وحلفائهما على الذهاب إلى مصالحةٍ سياسية تُتوّج بتشكيل مجلس رئاسي وحكومة وحدةٍ وطنية وجيش موحّد قصد التصدي لـ“داعش”، على أن يرفع المجتمع الدولي الحظر عن تسليح هذا الجيش بعد أن يتوحّد، بهدف رفع قدراته القتالية في مواجهة التنظيم.

   وعُقدت جلسات حوار كثيرة في الجزائر والمغرب وجنيف… بين الفاعلين في الأزمة الليبية بإشراف أممي، تُوّجت عدة مرات باتفاقات، لكن الملاحظ أنها بقيت حبراً على ورق، وأن الثقة غائبة لدى الطرفين بعد أن استحكمت بينهما العداوة والأحقاد وأصبح تشكيلهما لحكومة واحدة أمراً صعباً جدا، برغم الضغوط الغربية الهائلة الممارَسة عليهما يومياً، وهو ما يترجمه إيجاد رئيس الحكومة الجديد المتفق عليه، صعوباتٍ جمّة في تشكيل هذه الحكومة إلى حدّ الساعة، ما يرشّحه لتشكيل حكومة “ثالثة” تنضمّ إلى الحكومتين الحاليتين اللتين تقتسمان ليبيا، عوض أن يوحّد الجميع في حكومة واحدة.

   ويبدو أن الغرب قد أدرك هذه الحقيقة، فبدأ يفكّر في التحرّك بنفسه ضد “داعش” قبل أن يتوسّع خطرُه ويخرج عن نطاق السيطرة، ويلوّح الغرب بأن يبدأ عملياته العسكرية الجوية والبرية في ليبيا بعد أسابيع قليلة من الآن، وإذا نفذ تهديده، فإن البلد وكذا المنطقة كلها ستتعرّض لأخطار عديدة.

   صحيحٌ أن القصف الجوي، ثم الغزو البري، قد يؤثر في قُدرات التنظيم، ولكن بالمقابل سيؤدي إلى تدفّق آلاف المتطوعين الإسلاميين على ليبيا للتصدّي لهذا التدخل، وسيتحوّل البلد إلى أفغانستان جديدة، وسيطول أمدُ الحرب سنوات عديدة، وستكون تداعياتُها خطيرة على المنطقة برمّتها، وفي مقدّمتها الجزائر التي قد تشهد تسرّب الكثير من مقاتلي “داعش” إليها عبر حدودها الطويلة مع ليبيا (964 كلم)، إذا اشتدّ عليهم القصف هناك، وسيكون ذلك محفوفاً بمخاطر أمنية تزيد الجيش الجزائري عبئاً…

   المشكلة الآن أن طرفيْ الصراع في ليبيا لا يبدوان مكترثين بخطر “داعش” في بلدهما، ويعتقد كل منهما أنه بإمكانه التصدي للتنظيم بفعالية بعد حسم الصراع لصالحه بالقوة وإنهاء خصمه، لكن التجربة السورية تحديدا تقول إنه كلما طال أمدُ الصراع المسلّح وأضعف طرفاه بعضيهما البعض، كلما كان ذلك في مصلحة “داعش” التي باتت تسيطر على نصف سوريا.

   الحل واضحٌ إذن ويكمن في تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة وتشكيل حكومة موحّدة وجيش موحّد قادر على حماية وحدة ليبيا وسلامة أراضيها، أما إذا استمر الوضعُ الحالي، فستكون النتيجة إما سيطرة “داعش” على البلد ودحر طرفي الصراع معاً، وهذا سيناريو وارد، أو الوقوع تحت الوصاية الغربية بذريعة عجز الليبيين عن حماية أمن بلدهم، وتحوّل ليبيا إلى قاعدة خطيرة لـ“داعش” تشكل تهديدا جسيما لأوربا.

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق