كلمة الرئيس

الرّبيع العربي الموؤود بقلم أ.د عبدالرزاق قسوم

قسوم أ.د عبدالرزاق قسوم

  أمّتي، ذات المفاخر والمكارِم، ميّز الله إنسانها، بالمسلِم الصّائم. وميّز زمانها بالفجر القائم، وميّز فصولها بالرّبيع الدّائم.

  فماذا دهى أمّتي، حتّى انقلب زمانها، وتغيّرت ألوانها، وتمرّد إنسانها؟ فما كان ربيعًا عربيًا دائمًا، أتى عليه شتاءٌ غربيٌ غائم، فأفرغه من شحنته، وشوّه ملامح سِحنتِه.

  ومن كان إنسانًا أبيًّا، جعله كائنًا خصيًّا، فقضى على فحولته ورجولته. والذي كان صائمًا تقيًّا، جعل تديّنه تديّنًا شكليًا، وفهمه للدّين فهمًا غبيًا.

  سبحانك اللّهم، مقلّب الأحوال، ومذبذِب الرّجال! تؤتي الملك من تشاء… فبعد اِخضرارِ الرّبيع العربي وخصوبته، هجم الشتاء الغربيّ بعواصفه ورعونته. فإذا العربيّ المسلم يضرِب عنقَ أخيه، وإذا العميل العربيّ المسلم يتواطؤ على هدمِ بيته وذويه وفصيلته التي تؤويه.

  هلّل النّاس الطيّبون، للرّبيع العربيّ في تونس واعتبروه نموذجًا للتغيير السّلمي، الخالي من الدِّماء والعنف، والقيام بعملية التداول على السّلطة بكلّ نزاهة وتعفّف، دون أيّة كراهة أو تأفّف.

  وقدّمت تونس الخضراء اللّون، حتّى قبل الرّبيع العربي الأخضر، قدّمت بربيعها نموذجًا للحكم الجماعي بكلّ أطيافه، القائم على التسّامح وأدبِ الاختلاف. ولكن ما راعنا إلا أنّ عُملاءَ الشّتاء الغربي المثقَلين برواسِب الرّعود والعواصف، المدعَمين بأسلحة الوعود والقذائف، أفسدوا على تونس اِخضرارَ ربيعها، فلونوهُ بحمرةِ الاغتيالات، وسوّدوه بألوان المؤامرات، تارة تحت غطاءِ الإرهاب، وأحيانًا تحت خيالِ السّراب، فسادَ الاضطراب من “بوڤرنين” إلى “القصرين” مرورًا بـ“سيدي بوزيد” و“مدنين” وهكذا اهتزّ الكرسي من تحت الحزب الحاكِم بقيادة الرئيس “قايد السبسي”.

  فلا مرحبًا –إذن- بالرّبيع، إذا كان يعكّر مزاجنا، ويعطّل إنجازنا، ويفسِد علينا أبناءنا وأزواجنا! وأهلاً وسهلاً بالشّتاءِ ورعودِه إذا كان يوقِظنا من نومِنا، ويعمِّق فينا وعينا، ويميّز صديقنا من عدوّنا!.

  إذا كان هذا هو النموذج الطيّب للرّبيع العربي، كما قدّمنا، وعاشت تبعاته تونس الخضراء، فكيف مآل ليبيا الشقيقة الصديقة، وقد غيّب نظام الحكم فيها، كلّ معنى للحقيقة. إنّ ليبيا التي غاب عنها نظام الحكم طيلة نصف قرن، فقضى على حكومتها، وطمس معالم إدارتها، وألغى الجيش الذي هو عنوان قوّتها، فانتعشت العشائرية وهي مقيتة، وبُعثت النعرة الطائفية وهي مميتة، فلم يجد الرّبيع عند حلولها بها، لا شجرة ولا “حنتيتة”.

  يتقاتل الإخوة الليبيون، اليوم، وكلٌّ يدّعي وصلاً بالرّبيع العربي، وهو منهم براء. ويتنافسون في الاستعانة بالأجنبي ليمدّهم بالسّلاح، وهو عدوّ لهؤلاء وهؤلاء. وتطِّل ليبيا على العالم بحكومتين، وبرلمانَيْن، وهو ما يمثّل أضحوكة المعسكرين العالميين.ويتحدّثون –اليوم- عن الوفاق، وهو قمّة النّفاق والشّقاق بين الرّفاق. فأيّ معنى للوفاق بين الأشقاء؟ وما جدوى أن يأتي الوفاق بوساطة من الدّخلاء؟ وهل من المروءة والأنَفة أن يأتي أجنبيّ لفكِ النّزاع العائلي؟ وهل غاب عن ليبيا علماؤها، وحكماؤها، وعظماؤها، ليصوموا كما صام غاندي في السند، ولم يفطِر حتى توحّدت الهند؟.

  لماذا لا تعتصِم الصفوة الليبية في ساحات طرابلس وبنغازي، وغيرها من المدن الليبية، وتُعلن عن مواصلة الاعتصام حتى يتّم الصّلح والصّلح خير؟.

  والسّؤال الملّح دومًا: عَلاَمَ يختلف الليبيون، وكلّ شيء في ليبيا من جوّ وبحر، ومن نفطٍ وقحط هو ملكٌ لليبيا.

  لقد شوَّهتم –يا إخواننا في ليبيا– كما شوَّه إخوانكم في تونس، كلّ معنًى للرّبيع، وللاخضرار، وللخصوبة، فعمّ الجرَب السياسي في ربوعكم، وتفشّى القحط الاجتماعي داخل صفوفكم، فدبّت بينكم العقارب، وأنتم أقارب، وأصبحتم جميعًا مطمعًا لكلّ شارب وكلّ سالِب.

  وكلّما صعدنا في سلّم الرّبيع العربي، ازدادت حيرتنا، وحسرتنا. فانظروا ماذا يحدث في مصر الكنانة، التي كانت قبلة العرب والمسلمين {يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ}[النحل:112]، وكانت مقصَد الجميع بأمرٍ من الله {اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ}[البقرة:61]. ولكنّ مصرَ اليوم، في ظلّ الحكم الشّديد، أضحت مصرَ الجوعِ والخوف، بعد شدّ الوثاقِ، واعتقالِ الرِّفاقِ، وإذاقة الجميع مرّ المذاق.

  ليس المهّم –في نظرنا- من يحكمُ مصر، ولكنّ المهّمَ هو أن يحكمَها بالعدل، وأن يسوسها بالتوافق، وأن لا يكون من عدوّ لمصر وحكامِها إلاّ الصهاينة المتربّصون بها من كلّ جانب.

  فيا أشقاءنا في مصر، حكامًا ومحكومين، سوف تظلّون ضعفاء طالما لم يلتئم شملكم، ويتوحّد صفّكم على حبِّ مصر، فمصرُ الحبيبة، يجب أن تكون ملاذًا لكلّ خائف، وقِبلة لكلّ طائف، يتعايش فيها النّصراني، والإخواني، والعلماني، فذلك هو قدرهم، وذلك هو ضمان مستقبلهم.

  ولا نريد أن نعلو قليلا في سلّم الرّبيع العربي فنرى المذابح في سوريا، والعراق، واليمن، وكلّ منها جزء ثمين، فثمّ ترعرع الألم الدّفين، سبب تغلغل الغزاة المفسدين، الضّالين المضلّين… وما ذلك إلاّ لغيابِ الوعي، وخيبة السّعي، واشتداد البغي.

  ما أشقاكم يا أبناءَ أمّتي، على أمّتكم بربيعها وكلّ فصولها! فإنّ القحط الذي أحاط بوطنكم لم يبقِ ولم يَذَر… فالحذَر كلّ الحذَر، من بعض البشر.

  وإلى بني وطني في الجزائر! أقول يجب أن نتعلّم ممّا يحدث لأشِقائِنا، وإنّ المقدّمات الخاطِئة التي بدأت تطلّ برأسها على معالم حياتِنا توشِك أن تقودنا إلى صيف حار نعوذ بالله منه. فما تُطالعنا به الصّحف من تلاوم، وتبادلٍ للتّهم بالخيانة، أو الكفر، أو التبديع، إنْ هو إلا مقدّمات خاطئة لنتائج أسوأ.

  كما أنّ هذه “التصحيحات” التي بدأت تدّب في أوصال التنظيمات والهيئات، والأحزاب، بدوافعٍ معظمها شخصية إن هي إلاّ سير في الطريق الخاطئ. ومن يدري فقد تمتّد هذه المحاولات ذات يوم إلى هيئات محصّنة كجمعية العلماء، ما دامت الأطماع الشّخصية هي المحرّك الأساسي للتناوّر.

  فحذارِ إذن: ونذكّر الجميع بقول الشاعر:

وإخوان حسبتهم دروعًا                فكانوها ولكن للأعادي

وخلتهم سهامًا صائبات               فكانوا، ولكن في فؤادي

أو قول الشاعر

أعلّمه الرّماية كلّ يوم                 فلّما اشتّد ساعده رماني

وكم علمته نظم القوافي              فلما قال قافية هجاني  

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق