تحاليل وآراءقضايا الأمـــة

ثمرات اتباع السنة في بناء الأمة بقلم الشيخ محمد مكركب

محمد مكركب الشيخ محمد مكركب

  وردت إلينا عشرات الأسئلة تحمل في سطورها قضايا واهتمامات تخص حال أمتنا الإسلامية، بمناسبة ذكرى ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان المحور المشترك بين كل المراسلين، والسائلين، يكاد ينحصر في سؤالهم: (لماذا لا يجمعنا حب نبينا؟ ولماذا لا تتحقق فينا نحن معشر المسلمين ثمرات اتباع السنة النبوية؟) على أن كل المسلمين يدعون بأنهم يحبون النبي صلى الله عليه وسلم، ويعملون بسنته، ثم هم يختلفون، بل ويقتتلون؟!.

  قلت: إن القول عند كثير من مسلمي هذا الزمان شيء، والفعل بما يقولون شيء آخر، فهم لا يزالون بعيدين عن اتباع الكتاب، والسنة النبوية، حيث بيان الدعوة الإسلامية في الكتاب والسنة يدعو إلى الأخوة وهم يتقاطعون ويتدابرون، والأمر في الكتاب والسنة بالصبر والعفو والغفران وهم يتنازعون ويحقدون، ولبعضهم يكيدون! ويَدَّعُون أنهم ينتمون للإسلام الذي هو دين الأخوة والاتحاد، والتعاون، والوئام، وهم يتحزبون وينقسمون؟.

  ورغم الأسف الذي أشعر به وأنا أتصفح ما جاء في أسئلة الشباب بالخصوص في ذكرى ميلاد سيد الخلق، وحبيب الحق، خاتم النبيين، صلى الله عليه وسلم، وفي مضامينها حيرة، واهتمام، وحزن، رغم ذلك فإنني أحسست بتفاؤل كبير، واستبشار أكبر عندما وجدت نسبة كبيرة من شبابنا فتيانا وفتيات يهتمون بالسيرة النبوية، ويفكرون في مصير أمتهم، وهم عازمون على الاعتصام بكتاب ربهم، وسنة نبيهم، وغالبيتهم يسألوننا كيف وما الواجب علينا لتعود وحدتنا نحن أبناء الشعوب الإسلامية؟

  قال لي أحد الشباب: نحن نحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وزادتنا أسابيع وملتقيات السيرة النبوية فهما وتعلقا بها أكثر، وقرأنا في السيرة نماذج طيبة ورائعة من المواقف البطولية، والأخلاق والآداب الإيمانية، إنما التساؤل الذي يدور في نفسي ويحيرني، هو: هل نحن في هذا العصر نستطيع أن نبلغ بالقرآن والسنة ما بلغه الصحابة في عصرهم، من العزة والبطولة والآداب؟ قلت: لا ينبغي لشاب مثقف مثلك أن تغيب عنه هذه الحقيقة، وهي: أن القرآن صالح لكل زمان ومكان، وقد قرأت عن الإمام مالك، رحمه الله ، قوله: ( لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها).

  نعم لو كانت التربية والتعليم في عالمنا الإسلامي اليوم مستمدة من أصول التربية النبوية، لكان في هذا العصر وما بعد هذا العصر، أمثال الخلفاء الراشدين، وأمثال صلاح الدين، وغيرهم من الأبطال الصالحين. وهذا ما نعنيه أكثر بـ (ثمرات اتباع السنة في بناء الأمة).

  فقلت في نفسي: إن عودة الشباب إلى الاهتمام بالسيرة النبوية، ومن ثم إلى القرآن والسنة، فلاشك أن هذا سيكون أقوى العوامل التي بسببها تتحسن سيرة الشباب، وإذا كان شبابنا في هذا العصر، كشباب عصر النبي، صلى الله عليه وسلم، فقد تحقق الهدف. قال لي شاب آخر من الذين اتصلوا وسألوا بدافع الإيمان وحب الوطن، قال: إنه يسافر كثيرا إلى أوروبا للتجارة، وقرأ عن نجاح رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في تجارته بمال خديجة، رضي الله عنها، قال كيف تكون تجارتي رابحة؟ قلت له أتريد أن أفصل أم أجمل؟ قال: أريد النصيحة. قلت له: سافر حيث شئت، وامش في مناكب الأرض، وكل من الطيبات، وتاجر في الحلال، وحافظ على خمس يحفظك الله تعالى.

الأولى: حافظ على الصلاة في وقتها، مهما كان الحال وأينما كنت.

الثانية: كن صادقا وأمينا ومتقنا في كل معاملاتك، مع كل أحد. الثالثة: افعل الخير مع كل الناس بقدر ما تستطيع.

الرابعة: حافظ على الورد القرآني.

الخامسة: لا تنس وطنك وأمتك وانتماءك وأن تتيقن أن كل المؤمنين إخوانك، لا تفرق بين أحد منهم.

قال زدني: قلت: لا تنس الله تعالى، واذكره كل حين، وصل على خاتم النبيين، وتبسم في وجه إخوانك المؤمنين.

  يخطئ كثير ممن يريدون حل مشاكلهم، وإصلاح بلدانهم، بغير اتباع منهج النبوة، كما يخطئ من يظن أن الحلول الإسلامية الحكيمة التي عمل بها الرسول، صلى الله عليه وسلم، والصحابة صالحة لذلك الزمان فقط. إن منهاج النبوة في التغيير والإصلاح والبناء، هو منهاج الوحي، وهو إذن صالح لكل زمان ومكان، وإن هذا الخلل الملاحظ في حياة هذه الشعوب، من فساد، وفتن، وضعف، وهوان، هو من أخطاء الإنسان، لا من نقص في منهاج القرآن. وكل من ادعى أنه عمل بمنهاج السنة النبوية ولم يحل مشاكله ولم ينجح في مشاريعه، يقال له راجع حديث العسل. وحديث عبد الله بن مسعود مع المرأة السائلة عن مسألتها التي بحثت عنها في القرآن ولم تهتدي إليها.

  لو اتبع الناس منهاج السنة النبوية ما كانت لتكون الحربان العالميتان، إن منهاج السنة النبوية في إصلاح المجتمعات وبناء الحضارات تقوم على أصول ثابتة، من خالفها، زاغ وكان كما أخبر الله، عز وجل، في قوله تبارك وتعالى:﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ

  إن أول ثمرة من ثمرات اتباع السنة: الهداية؛ والهداية هي أجل النعم أن يوفق الإنسان في عمل الدنيا لما ينفعه في الآخرة، أن يوفق في الإيمان، والعمران، والسياسة، وسائر أبواب الخير. قال الله تعالى:﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ والمهتدون المتبعون أنهم متواضعون، متطاوعون، متشافعون.هذه الأخلاق الطيبة من ثمرات الاتباع، إنه التواضع والتطاوع، وفي الحديث الشريف: [ يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا] ويحتار الناس عامة وشبابنا خاصة من سلوك المسلمين الذين يقرؤون أن هذا هو دينهم التيسير، والتطاوع، والتآخي، والتراحم، ولكن واقعهم التعسير، والتنفير، والتطاول على بعضهم، واستفحال العداوة بينهم. فأقول لشبابنا عودوا إلى السيرة وخذوا الزاد والمنهجية وعوامل الثبات من الشباب الأول من هذه الأمة كيف بدؤوا الخطوات الأولى مع الحبيب، صلى الله عليه وسلم، رغم الواقع الجاهلي الذي كان يحيط بهم، فما وهنوا لما أصابهم، وما ضعفوا، وما استكانوا، بل صبروا وصابروا ورابطوا، فكونوا نوات الانطلاق، ومفاتيح الخير، لهذه الأمة، وثبتوا على خلق الرسول، صلى الله عليه وسلم، الذي قال لنا ولكم: [فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ].

  قال محاوري: ولكن الناس في هذا العصر، ومنهم حتى بعض المفكرين المسلمين، الذين يكتبون ويدعون، لا يسمعون لمن يقول لهم قال الله تعالى، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ويهتمون بمن يقول لهم، قال المفكر الفلاني، والباحث الفلاني؟

   قلت: هم معذورون من جهة، وملامون من جهة أخرى. فعذرهم في أن أغلب الدعاة والخطباء والوعاظ يقولون بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية ولا يقدمون الحلول التطبيقية العملية، للقارئ والسامع، ويلامون من جهة أخرى على أنهم لا يتدبرون ما يقدم لهم من الآيات والأحاديث، كما يهتمون بأقوال المفكرين. وهذا هو الذي حذر منه أعلم الأمة بالحلال والحرام، في عهد الصحابة رضي الله عنهم. قال معاذ بن جبل رضي الله عنه، “إن من ورائكم فتنا يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن، حتى يأخذه المؤمن والمنافق، والرجل والمرأة، والصغير والكبير، والعبد والحر، فيوشك قائل أن يقول ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن؟ ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره فإياكم وما ابتدع فإن ما ابتدع ضلالة(أبو داود.كتاب السنة. وعبد الرحمن بن الجوزي في صفة الصفوة) لماذا يستهوي كلام الناس كثيرا من الناس، ولا يسمعون كلام رب الناس؟ قلت: ذلك لسببين: السبب الأول: لأن الله تعالى في كلامه الحكيم يقدم الحلول مرهونة بشروط وواجبات إن قام بها العباد تحققت لهم الحياة والرغبات، ونالوا ما يريدون من ربهم عز وجل، وأكثر الناس يحبون أن ينالوا ما يريدون، دون أن يقوموا بالواجب والمطلوب منهم. أما كلام الناس للناس يُقَدِّم لهم المعسول من الرغبات على أطباق من الشهوات، فيجد في خلد عواطفهم قابلية وانجذابا. ولذلك يحبون أن يسمعوا قصصا عن الغير، ولا يحبون أن يسمعوا نقدا يملي عليهم واجبات.

  السبب الثاني: أن خطاب الله تعالى لعباده جامع بين الدعوة إلى صلاح الدنيا والآخرة، ولا ينفصل عمل هذه عن هذه، فلا  سياسة بغير صلاة، ولا إدارة بغير زكاة، ولا كل هذه بغير توحيد..أما كلام المفكرين من غير المسلمين خاصة فإنهم يخاطبون الناس بالدنيا فقط، يخاطبونهم بعواطفهم، وبطونهم.

  قال محاوري: فهل من مثل لهذا الذي تقول؟ قلت: أما زلت في شك من هذا؟ أم أن غيابك عني شهرا كاملا، أنساك مقالاتي في ما سبق من البيانات والوصايا؟ مع أنك تقرأ القرآن؟ خذ هذا المثل من كلام الله عز وجل:﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. أما تسمع أن الناس في زمننا هذا في العالم  يشكون من عصابات الحرابة، أو ما يسمونه الإرهاب. مما يزرع الخوف والرعب باختطاف الأطفال، والاعتداء على النساء، وترويج المخدرات، والتفجير، والاغتيالات، والمصائب والمنكرات. والله تعالى بين الوقاية من ذلك، في الآية التي قرأتها الآن. ومع ذلك فالناس يتركون الآية ويذهبون إلى المؤتمرات، وإنفاق الأموال في التجهيزات، والمباحث والمخابرات،.وخذ مثلا آخر قول الله تعالى:﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. أما تسمع أن الشعوب تصاب بالأزمات الاقتصادية، والله تعالى قدم الحلول لذلك، ولكن الناس يدعون إلى التقشف، ولا يدعون إلى التقوى، مع أن الحل في التقوى، والقصد، والاعتدال، وليس في التقشف.هذا إذا فهم الناس معنى التقوى وعملوا بها.

   قال: هل من مثل آخر؟ قلت: أمرك عجيب..هل هذا من فقر اليقين؟ أم من أزمة الفتانين؟ تبسم وقال: لا تقسوا علي فإن هموم أمتنا ثقيلة، والنفوس عليلة، والرواحل قليلة.

  قلت: خذ هذا المثل الواضح الذي يعالج معركة الأحقاد بين الإخوة الأعداء، هذه آية قرآنية يبين فيها ربنا عز وجل سبب ضعف الشعوب العربية خاصة، والمسلمين عامة. قال الله تعالى:﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ(سورة الأنفال:46).

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق