تحاليل وآراءقضايا الأمـــة

بِرْكة الدماء في سوريا.. من المسؤول؟ بقلم أ. حسين لقرع

لقرع حسين أ. حسين لقرع

  ربما كان الرئيس التركي أردوغان محقا حينما اتهم أمريكا بتحويل المنطقة إلى “بِرْكة دماء” عبر دعمها العسكري لأكراد تركيا، فقد كان ذلك أحد أسباب توسّع دائرة الاقتتال والتناحر والخراب في سوريا طيلة 5 سنوات.

  لكن أردوغان قام بتجزئة الموضوع في واقع الأمر، وبدا من تصريحه أنه يحمّل أمريكا المسؤولية وحدها، وهو أمرٌ غير موضوعي وغير صحيح، وكان عليه أن يذكر كل الأطراف التي تورّطت في المأساة السورية منذ 5 سنوات كاملة، ولا نحسبه يفعل ما دامت تركيا نفسها أحد أهمّ الأطراف المتورطة منذ بداية الأزمة إلى حدّ الساعة.

   لنبدأ بالنظام السوري لأنه هو المسؤول الأول والرئيس عما يحدث في بلده من تقتيل وتنكيل وتخريب وتدمير وتهجير للسكان منذ 5 سنوات، وقد قلنا مراراً في هذه الصحيفة ونعيدها مجدداً بوضوح ودون أدنى مواربة: لقد ارتكب النظامُ السوري خطأ فادحاً بطريقة معالجته للأزمة وهي في بداياتها؛ فحينما خطّ عددٌ قليل من الأطفال والفتية في درعا شعارات على الجدران تنادي برحيل النظام في مارس 2011، كان عليه أن يتصرّف بحكمةٍ وتعقل كبيرين إزاء ذلك الحادث ويعتبره “طيش فتية صغار” وانتهى الأمر، ولكنه قام باعتقالهم وتعذيبهم، فغضب أهل المدينة وبدأت المظاهراتُ السلمية الاحتجاجية، ثم سرعان ما توسّعت إلى عدّة مدن وبلدات سورية حينما قابلهم بقمع وحشي غير مبرّر، وأخرج جيشه منذ البداية لقمع شعبه تحت حجة واهية وهي “محاربة الجماعات الإرهابية المدعومة من الخارج؟” والتي زعم النظامُ أنها ظهرت بالتزامن مع بداية المظاهرات، قصد تبرير قمعه للمتظاهرين، وهو أمرٌ لا يمكن أن يصدّقه عاقل.

   ولا يمكن أن يختلف اثنان أن هدف النظام من القمع الدموي للانتفاضة السلمية هو إخمادها في المهد، أو دفعها إلى العسْكَرة قصد تجريمها وسحقها عسكرياً، لكن السحر انقلب على النظام؛ إذ لم ينجح في إخماد المظاهرات السلمية، كما لم ينجح في القضاء على المسلحين بالقوة بعد ذلك، بل كادت المعارضة المسلحة تُسقط نظامه في عام 2012 لولا التدخل العسكري السريع لحزب الله ثم الحرس الثوري الإيراني وميليشيات شيعية عراقية وأفغانية وباكستانية…لعبت دورا في استعادة الأسد توازنه بدعم عسكري وتسليحي فعّال من إيران التي أصرت على نصرة النظام السوري تحت حجة “دعم معسكر المقاومة والممانعة”، وهي الأطراف التي تتحمّل أيضاً جانباً هاما من المسؤولية في إراقة دماء السوريين وتدمير البلد بنصرتهم النظام السوري، وتحت شعارات طائفية أهمها حماية المراقد الشيعية و“لن تُسبى زينب مرتين”.

   لكن الإنصاف والموضوعية يقتضي أيضاً أن نحمّل المعارضة السورية جانباً من المسؤولية حينما سقطت في فخّ النظام وقامت بعسْكَرة الثورة السلمية، وقد كان إتّباع الطريقة الخمينية في إسقاط الشاه عام 1979 أسلمَ لها؛ إذ لم يكن بإمكان النظام أن يقتل عشراتِ الآلاف من المتظاهرين أمام كاميرات العالم كله، وكان سينهار من تلقاء نفسه كما انهار نظامُ الشاه من قبل، لكن المعارضة تسرّعت بعسْكرة الثورة دون أن تجني شيئاً غير المساهمة في خراب بلدها وتشريد 12 مليون سوري.

   ويتحمّل أيضاً عشراتُ الآلاف من المقاتلين السلفيين الذين جاؤوا من نحو 90 بلداً في العالم لمحاربة النظام السوري، جانباً من المسؤولية بدورهم؛ فقد رفعوا شعار “محاربة النظام العلوي النصيري” فمنحوا الحجة للمتطوعين الشيعة بالدخول إلى سوريا بدورهم حينما شعروا أن المسألة لم تعُد تعني ثورة شعب ضد طغيان نظامه، بل تعني حربا طائفية بالمنطقة، فتداعوا إلى نصرة النظام السوري تحت شعارات حماية المراقد كما أسلفنا، وهكذا تمّ حرْفُ الثورة السورية عن مسارها من مظاهرات سلمية، إلى معارضة مسلحة، إلى حربٍ طائفية.

   وهنا لابدّ أن نحمّل الدول الداعمة لهذه المعارضة والمقاتلين العرب والمسلمين المؤيدين لها جانباً هاما من المسؤولية؛ فالسعودية وتركيا تدعمان هذه الجماعات بالمال والسلاح والذخائر منذ 5 سنوات، وتركيا والأردن تغضّان الطرف عن مرور المقاتلين الأجانب إلى سوريا لدعم المعارضة المسلحة، والنتيجة تغوّل “داعش” وهيمنتها على أراضٍ واسعة في العراق وسوريا، واستمرار أزمة سوريا كل هذه المدة دون أن يلوح في الأفق أيّ مؤشر حقيقي، لا لحلّ الأزمة بالقوة لصالح طرفٍ من طرفيْ الصراع، ولا تسويتها سلمياً في ظل التجاذبات الإقليمية والدولية التي تدفع المعارضة إلى التعنّت ورفض أي حل سلمي لا ينتهي برحيل بشار والنظام السوري من الحكم، وآخر فصول هذا التعنّت ما شهده “جنيف 3” من انهيار قبل بدايته في أواخر جانفي الماضي، بعد أن تمّ تحريضُ المعارضة على الانسحاب قبل بدء المفاوضات، عوض تشجيعها على التحلّي بالواقعية وتقديم تنازلاتٍ لمصلحة بلدها المهدد بالانهيار والتفكك.

   لقد كشفت إحصائياتٌ حديثة منذ أيام قليلة لـ“المركز السوري للبحوث والسياسات” ونقلتها “غارديان” البريطانية، أن عدد ضحايا الأزمة السورية بلغ 470 ألف قتيل، ونحو 1.9 مليون جريح ومصاب، أي 11.5 بالمائة من عدد السكان، كما دُمّرت البنية التحتية لسوريا ولم تعد الكثير من المؤسسات قائمة، وشُرّد نحو 12 مليون سوري من بيوتهم، وبلغت الخسائر الاقتصادية أزيد من 255 مليار دولار…وكل ذلك تتحمّله كل الأطراف التي ذكرناها سالفاً، مع اختلاف نسبة المسؤولية من طرفٍ إلى آخر.

   إذن جميع هذه الدول والأطراف مسؤولة عن الدم السوري الذي يسيل أنهاراً منذ 5 سنوات، وليس فقط أمريكا وروسيا والصين ومختلف الدول الغربية الباحثة عن مصالحها، والمخيف أنه لا بادرة تلوح في الأفق بإمكانية حقيقية لوقف نزف الدم وتحقيق السلم في ظل لغة الأحقاد والشحن الطائفي والتحريض المتبادل والخطير الذي تمارسه كل الأطراف، وصولاً إلى التحضيرات الجارية لشنّ حربٍ إقليمية واسعة قريباً داخل سوريا، ما جعل الأصوات الداعية إلى الحكمة والتعقل والجنوح إلى السلم وحقن دماء المسلمين والعودة إلى الاهتمام بالأقصى وفلسطين، تنكفئ على نفسها، ولا تجد من يستمع إليها.

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق